أخر تحديث : السبت 31 مارس 2018 - 7:42 مساءً

أزمة الأخلاق تجتاح المجتمع المغربي

بتاريخ 31 مارس, 2018
أزمة الأخلاق تجتاح المجتمع المغربي
الكاتب: عبد الاله رشقي.

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت * فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

وإذا أصيب القوم في أخلاقهم * فأقم عليهم مأتما وعويلا

صلاح أمرك للأخلاق مرجعه * فقوّم النفس بالأخلاق تستقم.

هي أبيات شعرية للشاعر المصري “أحمد شوقي علي أحمد بك”، التي من خلالها يؤكد لنا أن الأخلاق هي أساس الأمم، وأساس ازدهارهم وبقاهم على وجه البرية، بل تجاوز ذلك إلى التلميح بالواضح أن إصابة الأمم في الأخلاق أصعب بكثير من الإصابات الجسدية للأفراد، ولا صلاح لأمر أمة مادامت الأخلاق ليس مرجعا لهم، هو تفسير بسيط لأبيات شعرية تختزن في طياتها عشرات الألاف من المعاني، سعيا مني إثارتها لربما نعود إلى الطريق الصائب، بعدما صرنا أُممًا متخلفة فكريا و حتى أخلاقيا دون نسيان الشق الثقافي الذي أصبحنا لا نرى له مكان في معادلتنا التربوية الاجتماعية، وأزكي ما قاله الشاعر بكلام لخير الأنام رسول الله عليه السلام حيث أن أُمنا عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله عليه السلام: ” أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا” و في هذا الحديث رد صريح على أن كمال الإيمان هو الأخلاق لا أقل و لا أكثر، و لنا في آيات كتاب الله عز وجل و أحاديث نبيه الكريم عليه السلام مئات من الآيات و الاحاديث تتحدث عن الأخلاق و القيم و أنها أساس الديـــن و الدنيـــــا و الإنسانية قبل كل شيء، و لأهمية الأخلاق قد نتجاوز كل شيء ونقول أن البشرية ككل تختلف في الدين و الأيديولوجية و الفكرة و حتى المذهب و طرق التفكير و غيرها من أوجه الاختلاف الأخرى، لكن جميعها تتفق في نقطة واحدة هي أن أساس المعاملات و العيش دوما ينبني عـــلى الأخـــــلاق، و بالتالي اليوم لابد من طرح سؤال جوهري حول المجتمع المغربي إلى أين وصلت أزمة الأخلاق التي أصبح يعيشها المجتمع؟ ماهي الأسباب التي أوصلتنا لهذه المهازل الأخلاقية؟
لا شك لنا ومن خلال الفقرة الأولى لامسنا أهمية الأخلاق في النهوض و تطور و تعايش الأمم، و بالتالي هل ما أصبحنا نراه في مجتمعاتنا اليوم من دناءة الأخلاق وسوء التعاملات و المعاملات له علاقة بدين معين أو أيديولوجية ما، كما يسوق له البعض أم أنها مسؤولية مشتركة بين مجموعة من المتداخلين الذين شخصيا أصنفهم من الخاص إلى العام، أي انطلاقا من الأسرة الصغيرة مرورًا بمؤسسات الدولة نهاية بالمجتمع ككل، حيث اليوم لابد لنا أن نتحمل المسؤولية جميعا كل من مكانه و موقعه، فالأسرة هي اللبنة الأساسية لبناء و غرز نبتة الأخلاق في الأبناء في ما يعرف بالتربية، ثم الانتقال إلى المؤسسات التعليمية و التي تنضوي جميعها تحت لواء وزارة “التربية الوطنية و التكوين المهني و التعليم العالي و البحث العلمي”، لكن للأسف هي كذلك تنصلت من دورها في الشق المتعلق بالتربية دون إهمال الأجزاء الأخرى من المسمى السابق، فأصبحت تشاهد كل يوم تعنيف غير مبرر للأساتذة من طرف التلاميذ دون حسيب و لا رقيب، دون إهمال تعنيف التلاميذ لبعضهم البعض بل تجاوز ذلك إلى ممارسة الزنى الرضائي بين التلاميذ و التلميذات أو حتى بشكل إجباري عن طريق التعنيف إلى غيرها من الممارسات الأخرى، أما بقية المؤسسات الأخرى المتداخلة في ذات المنظومة فإننا لا نلمس لها أي دور تربوي على أرض الميدان، فمثلا اذا ما أعطينا مثالا فوزارة تعتبر من المؤسسات المحورية التي من أولوياتها تكريس التربية الدينية و التوعوية سواء على مستوى فضاءاتها أو حتى الشارع و هي وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية فلن تجد لها أثرا في الميدان، بالإضافة إلى قنواتنا و إذاعاتنا التي تكرس لنا دوما الدناءة و الاغتصابات و الإجرام بشتى أنواعه في برامجها اليومية و مسلسلاتها المعروضة فتزرع في أبنائنا شيئا واحد، هو تجربة ما يعرض و ما يرى من طرفهم أي الأبناء على أرض الواقع بدافع الفضول، أما بالنسبة للمجتمع ككل فكل أصبح همه من هو من جلدته و البقية لهم الطوفان، الطوفان الذي أصاب الجميع و مزال سيصيب إذا ما لم تتخذ الإجراءات اللازمة للحد منه، أزمة أصابتنا كقنبلة ذرية أغارت على الأخضر و اليابسة اسمها أزمة الأخلاق و الدناءة أما بخصوص المنظومة القانونية المغربية فكثرة القوانين التي تعرفها المنظومة و التي تواجه بعدت حواجز أهمها انعدام تطبيق القانون أو التساهل في تطبيق القانون أو كثرة القوانين الموضوعة دون إنزالها إلى ارض الواقع و هذا ما يجعلها لا تشكل أي عائق رادع أمام من تدنت أخلاقهم و تصرفاتهم و لا يعيرنها أي اهتمام.

إننا اليوم في مجتمعنا المغربي نرى تحركات لبعض النخب المثقفة أو من يطلقون عن أنفسهم نخبا مثقفة يسعون إلى تغيير ما يرونه خاطئ ليُقوِمُوه، و لي من الأمثل العديد لكن سأقتصر على مثال واحد، وهم الذين وقعوا عريضة حول إعادة النظرة في منظومة الإرث، الذي أعتبره أنا شخصيا ليس موضوعا عام أو هام بقيمة الأزمات السلبية التي بدأت تترسخ في المجتمع كل اليوم، بل هو موضوع فيه طرفان وهناك اختلاف حوله بين التأييد و المعارضة، وبالتالي الليس جليا بنا اليوم أن نتوحد كمجتمع مغربي كنا مسلمين فيه أو متأسلمين يهود مغاربة أو نصارى أو حتى إن كنا لا دينيون، يساريين كنا أو علمانيين أو حتى لبراليين أو محافظين، قد تفرقنا الأيديولوجيات و لكن من الواجب أن يوحدنا ما يوحد الإنسانية ككل، و نقوم بثورة ليس لإسقاط أنظمة عمرت لسنين، أو حكام فيهم الصالح و الطالح بل ثورة على الأخلاق يكون شعارها لنسموا بأخلاق مجتمعنا و بأبناء مجتمعنا سلاحنا فيها مخاطبة العقول و الفكر بالتوعية و تطبيق القوانين و الصدق في التعاطي مع الأشياء و المواضيع، بل نتجاوزه إلى حدود تغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، و تفعيل ما تقتديه الظرفية الأنية بخطط استعجالية رسمية و غير رسمية ومنها ما يكون تطوعيا.
إننا اليوم بصفتنا جزءا من مكونات المجتمع تمسه هذه المعضلة التي تفشت في المجتمع وصارت تنخر فيه رويدا رويدا، وانطلاقا من الأسر والجمعيات والأحزاب السياسية والنقابات والمؤسسات الحكومية وشبه الحكومية والغير حكومية لابد لنا من التراص في صف واحد إذا ما كان يهمنا هذا الوطن و النهوض بهذا الوطن، فعوض الأنشطة والمشاريع التي لم تقدم أية إضافة للمجتمع، فلتصرف هذه الأموال حول دراسات حقيقية لاحتواء هذه الآفة وإيجاد حلول جذرية والقيام بندوات علمية ومحاضرات توعوية وورشات تحسيسية ذات الاحتكاك المباشر بجل الفئات المجتمعية.