أخر تحديث : الثلاثاء 3 أكتوبر 2017 - 10:33 مساءً

التقليد عدو الإبداع

بتاريخ 3 أكتوبر, 2017
التقليد عدو الإبداع

بقلم:أحلام ابيه.

جلست بالمقهى المجاور للحديقة العامة،طلبت من الناذل قهوة مرة سوداء مع سكرتين،حملت رواية دوستويفسكي “مذلون مهانون” التي أهدتني إياها صديقتي جميلة قبل شهرين؛ شهران و أنا أحملها معي إلى كل مكان أحل به من مقهى إلي حديقة،إلى محطة قطار إلى مكتبة…أحملها لا لشيء إلا أاخبر الآخرين أن هاته الفتاة التي أمامك تقرأ للعظيم دوستويفسكي،إني مختلفة…أردت قول هذا للجميع بحملي لتلك الرواية البئيسة.أذكر أني لم أستطع تجاوز طول ستين يوما هاته التي رافقتني بها،الصفحة الثلاثين،و أني أعدت مرارا و تكرارا قراءة هاته الصفحة لكني اﻵن لا أذكر حتى ماذا قرأت! ….
وضعت قطعة سكر و نصف بكوبي و النصف المتبقي بفمي. تساءلت بيني و بين نفسي ما هذا العناء الذي يتكبده المرء؟ لم أصر على تعذيب نفسي؟ ما المشكلة إن اعترفت للجميع أني لا أحب كتابات دوستويفسكي و أني لا أتلذذ بارتشاف القهوة المرة.و أن هذا الكعب العالي الجميل و هاته الجلسة المعتدلة فوق اللازم لا تناسبني…
هذا العبء نحمله في ذواتنا منذ كنا أطفالا،نحن لا نملك رأيا شخصيا أمام رأي الجماعة،رأيا مبنيا على منطقنا،على أحلامنا،وليد من صلب هويتنا الفردية.أساسا لا يمكن الحديث عن هوية فردية!
إن الجماعة تأخذ مأخذها منا،تدخل و بشكل غير مباشر لكن حتمي و قوي فينا و لا ندخل فيها.إنها تسلبنا و لا نسلبها،تستهلك كل شيء و كل إبداع و تعيد إنتاجه و تقديمه بصيغة منقحة و مستنزفة في قالب بريء “الموضة” التي علينا بشكل لا إرادي إتباعها دون حتى التساؤل من وراء وضع هاته الموضة في كل شيء؟ تحت أي معيار او تصنيف هي خاضعة للتطور و ترسل إلي من كل بقاع العالم حولي و تفرض علي؟ لا و فوق كل هذا هي الآمرة و الناهية في حياتنا ..
تركت المقهى و عدت مهرولة للمنزل،وضعت تلك الرواية البئيسة بالرف اﻷعلى من المكتبة،تخلصت من الكعب العالي و من ذلك الطلاء المثير للإشمئزاز الذي أصبغ به وجهي كل يوم. ارتديت “بيجامتي” الوردية بعد أن تخلصت من حمالات الصدر و حلقتي الأذن.
إغتنمت فرصة غياب أمي و أختي الكبرى للحمام،أقفلت علي باب الغرفة،و أطلقت العنان لجسدي المنهك،ليرقص على إيقاعات أغاني “حجيب” الشعبية.إنطلقت أدور كمتصوف متعبد في أرجاء الغرفة،و بعدها كمجنون حلت به نوبة عصبية للتو.تلذذت بالصراحة التي عاملت بها ذاتي؛أحسست لأول مرة بحياتي أني إمرأة حرة،حرة من التقليد و إتباع الآخر،حرة من تذوق طعم الأشياء بلسان اﻷخرين،حرة من التكلف و عبء التبعية.
عشت لحظتها أنايا و كينونتي !!
علينا أن نعترف بصدق أن التقليد هو في حقيقة الأمر السيف ذو الحدين؛إنه من جهة اﻵلية الأولى لتعلم و اكتساب آليات الحياة و ممارستها منذ نعومة الأظافر،لكن من جهة أخرى يصبح الآلية القاتلة و اﻷكثر انتهاكا و استيلابا للفرد حين نلغي أمامها العقل و نأخذ “اﻷخر” كفكر و كموقف..أسلوب لحياتنا و استمرارها.
إن الفكرة بحد ذاتها تحتاج لتأمل عميق عله ينتهي بقرار أن على المرء أن يكف عن كونه آخر و يكون هو نفسه. فلا عيب ان كنت أفضل “حجيب” على “مارسيل خليفة” أو “جاك بريل”، لا عيب إن التقيت حبيبي بلباس غير متناسق اﻷلوان و بدون ماكياج و شربت كأس العصير دون أن أتكبد عناء ترك قطرة به،لا عيب إن تصرفت و تكلمت و عبرت و ضحكت على سجيتي دون تكلف ! لا عيب إن كانت أكلتي المفضلة هي “البيصارة” لا البيتزا اﻹيطالية.لا عيب في أن أكون مختلفا اختلافا لا ينتمي في عمقه ﻷي جهة أو نوع محدد…لا عيب إن كنت مبدعا في كل ما أشعر و أبوح به و أعبر عنه و أتخذه رأيا و منهجا لي في الحياة.لا عيب ما دام ذلك لا يقتل أحدا،لا يجرحه،لا يمس إنسانيته و حريته و كرامته…فالعيب الحقيقي كان و سيظل في توارث الافكار الجاهزة،العيب الحقيقي يكمن خلف تكبر الذات و تحجر العقل و التخلي عن وظيفته الأساسية “التفكير”.
فالقول صائب بأن “التقليد عدو الابداع”. و هذا اﻷخير هو الدافع الرئيسي و الخطوة الكبرى نحو الأمام،نحو صنع الجديد و اللاإكتفاء بما هو موجود و جاهز و معتاد و مألوف جدا يصنع منا كل يوم نسخ متشابهة و محدودة.أما التقليد فسيكرر التاريخ تكرارا نمطيا روتينيا،يقتل الحياة على قيدها !.
أطفأت الموسيقى و إستلقيت،فكرت بقدسية ما قررته هذا الصباح؛في أن أكون أنا و لا شيء غير “أنا”باختلافي و جنوني و جموحي،بطهري و ذنوبي…تقبلتني ووعدت نفسي أن أعمل على تطوير ما يهمني،ما خلقت لأجله دون إكثرات إن كان سيكون له صدى جيد عند الآخرين،ما دام يهمني و يلهمني و بالدرجة الأولى يحافظ على ثبات ذاتي و اتزانها…
أشعر أني الليلة سأنام بسلام، بعد أن أنقذت نفسي من الاستمرار بهذا العبء و توقفت عن خسراني لنفسي و لي و قررت أن أكون أنا !
و ألا أقرأ دوستويفسكي ما دام بؤسه لا يهمني !
Zone contenant les