أخر تحديث : السبت 28 يوليو 2018 - 2:29 مساءً

الحنين إلى الماضي

بتاريخ 28 يوليو, 2018
الحنين إلى الماضي

عبد الباسط أباتراب/ سيدي إسماعيل.

يشدني الحنين والشوق إلى أيام قضيناها داخل سيارة، سيارة ليس كباقي السيارات، تحملنا من مواضع مختلفة وعندما تمتلئ بنا كتلاميذ، تصبح كالمرأة الحامل تتألم من شدة المخاض، نصطف بعضنا أمام بعض، وننتظر بكل لهفة وشوق إلى نقطة الوصول علها نقطة خلاص من شهيق وزفير، السيارة الصفراء اللون الرباعية الدفع تريد الخلاص منا في كل لحظة، أحياناً تنتقم منا بتأخيرنا عن موعد الدخول وأحيانا تؤخرنا عن موعد الغذاء، لنهتف بشعاراتنا الاحتجاجية وسط الفتيات” وا صليعة فينا الجوع” السائق المسكين ذو الشارب الأسود كالليل الحزين، والرأس الأملس مع بعض الشعيرات السوداء وسرواله الأزرق الذي يرتديه مع حذاء أسود اكل عليه الظهر وشرب منخ الزمن، يضع مفتاح السيارة على خده ويتبادلنا نظرات الحزن من شدة الغضب مخمننا في نفس الوقت هل يكمل بنا الطريق أم… ؟! أشياء اخرى تدور في ذاكرته، يبحلق بعينيه فينا واحدا تلو الآخر، البعض منا يتجول بجانب الطريق، وأخريات تتبادلن أطراف الحديث.. ننتظر السائق ليمكل بنا الطريق محاولين معه كون بطوننا تزقزق من شدة الجوع، لم نمكث طويلا حتى بدأنا نسير بالتتابع بحافة الطريق كالجمال وسط صحراء قاحلة لا أزهار ولا ماء فيها سوى رمالها الذهبية.. لكننا نسير في طريق سوداء تحيي الموتى بحفرها، نمشي بخطى ثقيلة وثقيلة جدا هنيهة ننظر إلى الخلف عل السائق يقرأ ظروفنا ومعاناتنا الاجتماعية والاقتصادية..
لا تمر عن انطلاقتنا جائما دقائق حتى نرى سيارة النقل المدرسي التي يحلو للبعض أن يسميها ب “صفرة الراس” تحن إلينا وتبدأ بحملنا من جديد لنعوض من جديد داخل بطنها كحامل بلغ جنينها أجله واستوفى..
السائق دائما في حيرة، مرة ينظر أمامه ومرة يبحلق فينا كأننا سجناء ننظر إليه بنظرات خاطفة يغمرها الحزن، لا نريد شيئا منها غير الخلاص.
لن يحل أي صيف إلا ورائحة العرق تزكم النفوس، حينئد لا منفذ للإغاثة ولا نافذة للتهوية غير فتح الباب، لكن كيف السبيل لذلك والسائق يصرخ في وجهنا بنبرات صوتية عالية كأننا مجرمون داخل سيارة النقل المدرسي، صرخته تتجاوز الشباك الذي يفصله عنها” توما سدو الباب واش باغين تصيفطوني الحبس” بقهقهات منا ونحن نتقطر عرقا كأننا في سباق ماراطوني، كل منا ينتظر لحظة الوصول، البعض في خلويه مندلق وآخر يفكر بطريقة تمكنه من صفع أو لسع صديقه وأخرى تخربش بالباب، كأننا لا ننتمي الا أي صنف من البشر.
جميعا ننتظر لحظة الوصول، وأي لحظة هاته؟! أهي لحظة وصول لمؤسستنا التعليمية لاستكمال حكاية الاحتجاج أم لحظة ميلاد أخرى لتأخرنا عن حصصنا فيكون المبرر الوحيد هو تأخر سيارة النقل المدرسي فنلقي اللوم على السائق ونحن السبب، وتستمر الحكاية على مدار السنة.

<