http://a106424.hostedsitemap.com
أخر تحديث : الإثنين 7 مايو 2018 - 7:01 مساءً

الخطاب السياسي : من الطوباوي والخشبي إلى الهديان و الوقاحة..

بتاريخ 7 مايو, 2018
الخطاب السياسي : من الطوباوي والخشبي إلى الهديان و الوقاحة..

سامي بنمنصور 

أن ينعت جزء من الشعب المغربي بالخونة أوالقطيع و”المداويخ ” و” الجيعانيين “وأمثالها كثير،يدفعنا إل طرح كثير من التساؤلات عن طبيعة الخطاب السياسي في المغرب، فقد كشفت محطات سياسية ومجتمعية في السنوات الأخيرة، وأخيرها حملة المقاطعة، ومحطة فاتح ماي، عن جزء من أزمة المغرب الخانقة والشاملة، وعن مشهد متعفن مستغرق في الاستعلاء والوضاعة الأخلاقية، الناجمة عن تدني الخطاب السياسي من المثالي و الخشبي البارد إلى الهديان و الوقاحة ، في محاولة لرصد مراحل التدني في الخطاب السياسي، نرصد سلوك الفاعل السياسي ، في هذا الباب، على مستوى الخطاب في اتجاهاته المختلفة سواء الأفقية بين الفاعلين السياسين في ما بينهم أو العمودية تجاه الجماهير و الناس. ولابأس أن نركز على خطاب العدالة و التنمية ليس تحاملا وإنما لأهمية الحزب داخل المشهد السياسي الرسمي ولموقعه في الحكم، وكذلك لقدرته على” الإبداع” والتبديع.
خصائص الخطاب السياسي الرزين الذي يفتقده المشهد السياسي ..
يجب أن يكون الخطاب السياسي إقناعيا بامتياز، ليصل الفاعل السياسي إلى قلوب الجماهير وتشع عيونهم نحوه و يسلموا بصدقتيه،فتتضافر الوسائل اللغوية و الفكرية والمنطقية مع الصورة والأناقة في اختيار المفردات وأن يكون الربط بينها غاية في الدقة التي تحترم الحساسيات الاجتماعية و الفكرية المختلفة. ويتميز بالقرب من الشعب، فهو خطاب شعبي بعيد عن الشعوبية ، يلامس هموم الناس وينزل السياسي من برجه العاجي إلى الشارع ليشخص مواقع الخلل ويقترح الحلول بعيدا عن المثالية و الطوباوية واستغباء الناس، يراقب سير المرافق العامة من مستشفيات و مدارس و محاكم ومدى توفر الخدمات الأساسية للمواطن ، كما أنه خطاب حجاجي يستعين بجملة من الآليات الحجاجية التي تكفل للسياسي تحقيق أهدافه التي يسعى إليها و استمالة المتلقي نحو الأطروحة التي يتبناها، فهو خطاب غني بالقيم السامية التي تشكل خزانا حجاجيا هاما يوظفه السياسي لاقتراح حلول إجرائية وتفاعلية مع الناس.
الخطاب الخشبي لم يعد يقنع أحدا و لا حتى مستعمليه..
أطلق الفرنسيون مصطلح لغة الخشب على الخطاب السياسي الإعلامي السوفياتي في المرحلة البلشفية، للتعبير عن جمود السياسة والإعلام الشيوعي, وعدم مرونته أو حتى قابليته للمرونة. لغة الخشب أو الديماغوجية هي السائدة في مشهدنا السياسي من قبل المؤسسات الرسمية للدولة وبعض الزعامات التي تستخدم مفردات و عبارات تتسم بالصلافة والجمود وصياغات جاهزة وميتة دون روح، للتعبير عن الكذب المغلف بالمدح والإطراء للمناورة والإغراء أو بتعبير أدق “النفاق السياسي ” وهي بعيدة عن البعد التفاعلي، فالزعيم يملي توجهاته التي تتلقفها المؤسسات الحزبية و قنواته الإعلامية، تليها مباشرة اشتغال الآلة الببغائية والدعائية، وتحول الخطاب إلى تعليمات يجب تعميمها ولغة خشبية باردة منتقاة سلفا لأوقات الشدة وفق مساحة للتعبير بمعايير محددة ، المتخمة والمصطلحات والقوالب المعلبة والجاهزة والتي كبرنا ونحن نسمعها يوميا، حتى حفظناها جيدا،وعدد كبير منا يستطيع أن يكمل الجملة الخشبية عندما نسمع بدايتها،فأصبحت ممزوجة ولا تقنع أحدا حتى مستعميلها.
الشعبوية من موقع المسؤولية ماركة مسجلة باسم بنكيران وحزبه..
أن تمارس الشعبوية من موقع المعارضة أمر دارج في العمل السياسي، لكن من داخل موقع المسؤولية فتلك بدعة، حولت السياسة من عمل نبيل إلى مجرد تسويق رخيص لاستغباء الناس، ممازاد من حدة أزمة الخطاب السياسي و تعفن المشهد بشكل عام و استدراج الخطاب إلى درك الهديان والوقاحة. عند الفشل كان الحل لدى السياسين الدوغمائيين في تغير الخطاب السياسي و النزول به من اللغة المثالية الطوباوية إلى ما يحبه الشعب ويسعده ويحلم به. فالشعب المغربي عاطفي نفسيا ومهموم اجتماعيا، ولهذا يمكن أن تطوع النسبة الكبيرة منه إذا قلت له إنك تدافع عن الدين و الهوية كما فعل حزب العدالة و التنمية أو المجانية في التعليم و الصحة وتوزيع الثروة و القضاء على البطالة وتوفير الخبز و اللحم والدقيق كما فعل اليسار عندما كان في المعارضة، لكن الجديد والماركة المسجلة باسم بنكيران و حزبه تشبته بهذه اللغة وهو في موقع المسؤولية بأسلوب رخيص يخدم المصالح الذاتية بعيدا عن التعقل ومتطلبات الواجب الأخلاقي، ناهيك عن الذوق و الإتيكيت في التخاطب السياسي، أسعفه في ذلك محازبوه الذين عبرهم استطاع أن يجمع بين مقولة “محاربة الفساد والتحكم ” ومقولة “عفا الله عما سلف”.
إننا في درك الهديان و الوقاحة على سلم الخطاب السياسي..
إن السنوات الأخيرة كشفت عن عمق الأزمة السياسية و الأخلاقية على مستوى الخطاب السياسي الذي تكمن خطورته في تأثيره على الثقافي والاقتصادي والإعلام الذي تحول في مجمله إلى أبواق بدون فلاثر، مدفوعة الأجر والتخلي عن معايير الصحافة المحترمة التي تحسن من مستوى الوعي الفردي و الجمعي للمجتمع . أستطيع أن أجزم أن طبيعة خطاب بن كيران وحزبه قد كرس أزمة التخاطب السياسي في المشهد المغربي وأنزله إلى الحضيض ودرك الوقاحة والهديان والاستهبال. عندما يقف رئيس الحكومة على المنصة في فاتح ماي، وأمام العمال وهو يحتج عن تدني الأجور وغلاء المعيشة ومعه الناطق الرسمي باسم الحكومة الخلفي حيث قال “هادشي لي كدير الحكومة تجاهكم ماشي معقول، ولا خير في حكومة لا تنصت للطبقة العاملة وأن قانون التعاقد في التعليم يكرس الهشاشة في قطاع حيوي “_ أن يقول هذا الكلام _ وحزبه يترأس الحكومة، وأن ينتقد قانون التعاقد في التعليم وهو الذي استمات و حزبه في الدفاع عنه إلى درجة نعت فيها الأساتذة المتدربيين بالانفصاليين في معركتهم ضد قانون التعاقد، إنه الهديان في مراحله الأخيرة أو محاولة لاستغباء الناس بطريقة فجة ووقحة.ولوصف هذا السلوك أستدعي صورة من أخبار الحمقى والمغفلين التي تحتفظ بها كتب التاريخ العربي، التي تتحدت عن أحد الحمقى الذي وضع قلادة في عنقه ليعرف نفسه بها ولا يتيه عنها ،فحولت القلادة ذات ليلة من عنقه إلى عنق أخيه ، فلما أصبح قال لأخيه ” يا أخي أنت أنا ، فمن أنا؟ ” ، فمن أنتم ؟ومن تخاطبون ؟و على من تهرجون ؟ ومن مظاهر هذا التدني في الخطاب تسخير القسم لمواجهة فئة تناضل من أجل خبزها اليومي وليس ضد من ملكوا البحار وراكموا الثروات واستفادوا من الريع السمين، فأولئك كتب لهم العفو عما سلف ،وتوظيف مفردات بديئة و ذات حمولات جنسية داخل قبة البرلمان في وصف الخصوم ولابأس أن نذكر ببعضها ” ديالي كبير على ديالك ” ” قلبييها راها عندك مقلوبة ” إضافة إلى توظيف مصطلحات مبهمة وهلامية لا تسعف في التخاطب السياسي الرزين كالتماسيح و العفاريت و مصطلح التحكم .
ومن المحطات التي وصل فيها الخطاب السياسي إلى درجة الهديان و الوقاحة، انتقال السباب الوضيع والتحقير و التهم الخطيرة من التخاطب الأفقي إلى تبنيها في التخاطب العمودي في اتجاه الشعب ، فأصبح مستسهلا أن يوصف جزءا من الشعب المغربي بالخونة والمداويخ و القطيع و الجعانيين،و الانفصاليين، فقط لأنه يقاطع ماركة اقتصادية معينة، حيث تجرأ الاقتصادي على إهانة الشعب ، إذ تخلى عن عباءة و أبجديات التسويق السليم و مقولة ” الزبون هو الملك ” إلى مجرد مغفل وقن في مزرعة المتنفدين.
أنتج المشهد السياسي المغربي حالة فريدة في التخطاب بين فاعليه الذي ساهم بشكل كبير في تمييع العمل السياسي وضياع المسؤوليات ، حيت أصبحت الحكومة تلعب دور المعارضة بكل وقاحة وصلافة ، كما استدعي إلى الحقل المفاهيمي السياسي مصطلحات بديئة وساقطة وبعضها مبهم ومائع ينزلق من بين الأصابع ولايكاد يلمس كمصطلح العفاريت و التحكم، كما تميز باستغباء الناس وتحقيرهم من داخل مؤسسات كان من المفروض فيها أن تدافع عن خياراتهم وكرامتهم . فإذا كان الخطاب السياسي يتأرجح بين الرزين الشعبي الواقعي والخشبي البارد و الشعبوي التأجيجي، فالفاعل السياسي المغربي بعبقريته ووقاحته أنتج خطابا سياسيا منحطا و وضيعا بدرجة عالية من الهديان و الاستهبال.