أخر تحديث : السبت 28 أكتوبر 2017 - 6:14 مساءً

الديمقراطية الجذرية: الفعل السياسي و الهيمنة

بتاريخ 28 أكتوبر, 2017
الديمقراطية الجذرية: الفعل السياسي و الهيمنة

د. محمد مفضل –

يؤسس هذا المقال لمقاربة للديمقراطية تجعل من الفعل السياسي و الهيمنة آليات لتحديد أشكال وحدود الوجود الاجتماعي و التعايش بين مختلف التيارات السياسية بعيدا عن كل تأويل أو تصور مثالي للديمقراطية. الديمقراطية في تصوري ليست مفهوما يستورد من الخارج و لا نظرية متعالية على الممارسة. رغم أن مقاربة هذا المقال تنطلق من المراجعات اللاحقة للماركسية الكلاسيكية لكنها تؤسس لفهم يمكن أن تتشارك فيه جميع الفعاليات السياسية بمختلف مشاربها. المراجعة التي أحيل عليها بالأساس هي التي قام بها في البداية غرامشي ثم لاحقا ما قام به منذ ثمانينيات القرن الماضي كل من ارنست لاكلو و شانتال موف و التي تم اعتمادها كمرجعية أساسية للعمل السياسي في كل من اسبانيا [حزب بوديموس] و اليونان [حزب سيريزا]. رغم وسم المراجعة بمابعد ماركسية فإنها تؤسس لفعل سياسي ديمقراطي مبني على مفهوم جديد للديمقراطية استفاد كثيرا من نظرية التفكيك و مراجعة لمفهوم الهيمنة الغرامشي التي خلّصته من التصاقه بالسيطرة و السلطوية.
إن مفهوم الديمقراطية الجذرية يرمي إلى التأكيد على أنه ليس للديمقراطية جذر غير نفسها أي أنها تتحقق من خلال الفعل الديمقراطي و من خلال النقاش و الصراع في الواقع من أجل تحديد معنى للحياة المشتركة. هذا المعنى أو الدلالة هو الذي يعطي للممارسة السياسية سلطة على الجميع. يجب فهم الديمقراطية من خلال طبيعتها الصراعية و عدم استقرارها الوجودي. فما نتوفر عليه من مستوى في الممارسة الديمقراطية هو نتيجة للصراع الذي نقوم به على أرض الواقع و الذي يفرض نوعية خاصة من الممارسة ندعمها من خلال ممارسة نوع من الهيمنة الفكرية و العاطفية و التي تعطي لمن يجيد ممارستها نوعا من السلطة داخل المجال السياسي.
نبدأ من حيث بدأ غرامشي حيث لاحظ فشل الماركسية في تحقيق النموذج الاشتراكي الشيوعي عن طريق البروليتاريا في المجتمع الرأسمالي. هذا الفشل هو ناتج، كما حلل ذلك فيما بعد لاكلو و موف، عن تحليل خاطئ و هو تأكيد الماركسية على معنى للتاريخ ممثلا في فاعل مفضل و هو البروليتاريا. يبين لاكلو بأن الديمقراطية، على عكس الماركسية الكلاسيكية، تفترض علاقة مفتوحة مع العالم مؤسسة على اللاتحديد حيث تمارس الديمقراطية وفق الظرفية التاريخية التي تجعل من الصراع و السلطة آليات سياسية لا يمكن تجاوزهما. احتفظ هذا المفهوم المابعد ماركسي من فكرة أن صراع الطبقات هو المحرك للتاريخ بفكرة أن الصراع هو المؤسس لحياة و تاريخ المجتمعات و أن محرك هذا الصراع هي الطبقات الإجتماعية أي مجموعات مكونة انطلاقا من موقعها في النظام السوسيو اقتصادي. يعني هذا أنه لم يعد ممكنا تبني تصور ماركس للطبقات، و لا تصوره للسيرورة التاريخية للنظام الرأسمالي و لا حتى مفهوم المجتمع الشيوعي كمجتمع شفاف حيث يتم إلغاء الصراع بصفة نهائية [الأمر الذي يؤدي إلى نظام ديكتاتوري جديد، النظام الستاليني مثلا].
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو كيف لتيار سياسي أن يحقق تقدما في هذا الصراع بهدف الوصول إلى السلطة و تطبيق مشروعه المجتمعي إذا كانت السيطرة الفعلية بيد نخبة سياسية مختلفة؟انتبه غرامتشي في مراجعاته إلى قضية أساسية و هي أن النظام الرأسمالي لم يعتمد لضمان تواجده على الاستغلال الاقتصادي بل تقوى بسيطرة أفكار الطبقة البورجوازية الحاكمة و التي تؤدي إلى الوعي الزائف لدى الطبقات المستغلَّة و الذي يمنع هذه الطبقات من التعرف على القمع و رفضه. في ظل هذا الوضع لا يمكن للطبقة العاملة مثلا تحقيق أكثر من وعي نقابي أي المطالبة بتحسين وضعيتها داخل النظام الرأسمالي. أي أن هذه الطبقة ستكتفي بجمع فتات المائدة عوض احتلال مكان حول الطاولة حسب تعبير لينين.
في تحليله لهذا الوضع، قسم غرامشي المجتمع الرأسمالي إلى مجتمع سياسي يحكم بالقوة و مجتمع مدني يحكم بتحقيق القبول لدى الطبقات المستغلَّة. يقوم المجتمع الأول بفرض السيطرة [السلطة الصلبة]عن طريق الآليات القمعية كالبوليس و القضاء و الجيش، لكن المجتمع الثاني و الذي ينتمي هو كذلك للطبقة الحاكمة يسعى إلى تحقيق الهيمنة [السلطة الناعمة] عن طريق الآليات الإيديولوجية كالاعلام و الجامعات و المؤسسات الدينية و الثقافية و الاجتماعية. في ظل هذا الوضع يبقى لزاما على الطبقة المستغلَّة الانخراط في حرب فكرية سياسية عبر حرب المواقع و الصراع حول الأفكار و المعتقدات لخلق هيمنة جديدة، و هي في الحقيقة هيمنة مضادة تقدم بدائل عن الأفكار المهيمنة.
قامت المراجعات بتطوير هذه الأفكار لإعطاء النظرية الماركسية قدرة على التدخل السياسي في جميع المجتمعات و تحقيق فعالية في العمل السياسي. هناك دائما هيمنة لأن هناك ظرفية تاريخية لكن ربط الهيمنة بالحكم التسلطي يفقدها بعدها الديمقراطي، أي أن الهيمنة ستصبح تحكما مطلقا لا يترك مجالا للصراع الديمقراطي على السلطة. إن مفهوم الهيمنة في بعده الديمقراطي يؤمن بالظرفية و بالممارسة و الصراع و في نفس الوقت يرفض إعطاء الشرعية الثورية للبروليتاريا، كما يرفض الهيمنة في بعدها التسلطي.
إذا كان مفهوم الهيمنة يؤمن بالظرفية التاريخية و بتكافؤ جميع الفاعلين السياسيين ، فإنه يضع الفعل السياسي كمحرك للصراع الديمقراطي و كوسيلة لتحقيق تقدم في المجال السياسي و تحقيق السلطة. غير أن الفعل السياسي يفترض عقد تحالفات مع باقي الفاعلين السياسيين حتى مع الذين يختلفون معهم في التوجه الايديولوجي. هذا ما حدث فعلا في اليونان حيث تحالف حزب سيريزا الذي هو ائتلاف اليسار الراديكالي مع حزب من أقصى اليمين. نفس الإشكالية تطرح في المغرب لكن بخلفيات و نتائج مختلفة كقبول التقدم و الاشتراكية التحالف مع البيجيدي و رفض اليسار التحالف مع العدل و الإحسان.
إن طبيعة الصراع تفرض التحالف من أجل مصلحة معينة مادامت الهيمنة الديمقراطية هي مؤسسة على تكافؤ جميع التصورات من حيث القيمة و مادام الحسم يتمثل في القدرة على تحريك اكبر عدد من الفاعلين و القدرة على تحديد معنى للحياة الجماعية. يجب أن تكون الديمقراطية تعددية لتكون جذرية. فشل الماركسية يبين أن توسيع مجال المساواة يؤدي إلى نفي الحرية إذا ما تم تطبيقها من جانب واحد في مواجهة تعدد الأمكنة و الفاعلين و المشاريع السياسية. بتعبير آخر إن تفعيل الديمقراطية لن يتحقق إلا من خلال الفعل السياسي و الاعتراف بتساوي الفاعلين و الصراعات. التغيير من أجل الديمقراطية لن يتم إلا بالديمقراطية.
ليس الهدف تحقيق ثورة لأن ذلك يستوجب تركيز السلطة في نقطة معينة يتم منها إعادة تنظيم المجتمع، لكن التأكيد هنا هو على الطابع المستمر للتحول الجذري. إن تعدد الفضاءات السياسية و منع تركيز السلطة في نقطة معينة هما شرطان لكل تحول ديمقراطي حقيقي للمجتمع.
إن تحقيق الهيمنة الديمقراطية هو هدف الصراع السياسي، لكن هذه الهيمنة ليست فقط فكرية بل تحتاج كما وضح ذلك لاكلو في كتابه حول الشعبوية إلى عنصر آخر و هو العاطفة. فالصراع من أجل الهيمنة لا يعتمد فقد على نشر معاني معينة و لكن كذلك على الترويج لقيم لها حمولات عاطفية [دينية أو وطنية أو اجتماعية]. من هذا المنطلق يعتبر لاكلو الشعبوية منطقا سياسيا ليس حكرا على توجه إيديولوجي أو قاعدة اجتماعية، وتشكل عاملا فاعلا في كل تغيير اجتماعي لأنها تفترض تكوين ذات سياسية عامة و فاعلة و هي الشعب. تصبح السياسة مرادفة للشعبوية لأن بناء الشعب هو الفعل السياسي بامتياز. الشعب كالهيمنة هي آلية محايدة في خدمة الإيديولوجيات المختلفة، يسارية ، يمينية أو إسلامية.
الشعبوية هي منطق سياسي و ليست المنطق السياسي و لا يمكنها أن تحدد مستقبل الديمقراطية الجذرية. تفترض الديمقراطية الجذرية وجود ثلاثة صيغ منطقية في العملية السياسية: الليبرالية [الفعل السياسي المستقل]، الشعبوية[الاستثمار العاطفي للمعاني و القيم] و التعددية [التكافؤ]. ممارسة منطق دون آخر سيعيق الديمقراطية الجذرية التي هي كل معقد و ممارستها تستوجب وعيا بالظرفية التاريخية و القدرة على الصراع و الهيمنة بتقديم بديل عن المشروع المجتمعي السائد و تحريك الشعب كفاعل تاريخي و الاعتراف بحق الآخر في الصراع و التنافس على السلطة.
خلاصة القول إذا كان المجتمع المغربي يسعى فعلا لتحقيق انتقال ديمقراطي، فمن الأجدر به أن يتبنى مفهوما جذريا للديمقراطية لأن الديمقراطية بهذا المعنى تتحقق بالفعل الديمقراطي و الصراع و التعدد و الهيمنة، و ليس بالخطابات الجوفاء حول الديمقراطية. الديمقراطية هي ممارسة و اعتراف بالآخر و بالتاريخ و بالصراع. من لا يقدر على فعل ذلك، سواء من اليسار و اليمين، فلا يحق له التكلم عن الديمقراطية لأنها تتجاوزه من حيث التفكير و لا تناسبه من حيث الواقع و الممارسة.
أستاذ باحث بجامعة أبو شعيب الدكالي