أخر تحديث : الجمعة 1 ديسمبر 2017 - 6:17 مساءً

الدين في حدود مجرد العقل

بتاريخ 1 ديسمبر, 2017
الدين في حدود مجرد العقل

بقلم: نجيب جيهان –

انطلاقا من كتاب كانط الدين في حدود مجرد العقل، يمكن القول أن ما يمكن استنتاجه انطلاقا من قراءة هذا الكتاب هو خوضه في اشكالات عديدة وعنوان الكتاب هو في حد ذاته يطرح تأويلات وجب تفسيرها.
إن الاشكالية الأساسية التي أطرت كانط من مقدمة نقد العقل العملي هو محاولة إثبات نقد عقل عملي محظ؟
ثم يتساءل عن مشروعية القانون الأخلاقي باعتباره تعيين للإرادة الخالصة ثم موقع الفعل الحر بين القانون الأخلاقي العام وتحقق القانون الأخلاقي؟
باعتبار العقل الخالص عبارة عن قيم تعتبر الحرية هي القيمة المركزية التي ينبني عليها العقل العملي، إنها شرط تعين القانون الأخلاقي في حين تظل قيمتي وجود الله وخلود النفس شرطان لموضوع الإرادة لتحقق القانون الأخلاقي في العالم وموضوعه هو الخير الأسمى.
والعقل العملي لا يعبر إلا عن حرية العقل إنه قانون الإرادة الخالصة والمستقلة عن كل باعث حسي قد يوقعها في الشك باعتباره هو الملكة الوحيدة التي تسن قوانين من دون وساطة في ملكة الرغبة.
اعتبر كانط الحرية قيمة من قيم العقل الخالص وهي شيء في ذاته لا يستطيع الفعل النظري أن يعرفها بينما يستطيع في مقابل ذلك الوقوف على تجلياتها في الأفعال بوصفها تنسب الحرية إلى الشيء في ذاته والإرادة الحرة في حد ذاتها خاضعة للقوانين، فالإنسان لا يستطيع أن يفعل شيئا أو فعلا إلا تحث تأثير الحرية وهذه الخاصية هي خاصية كل الكائنات العاقلة.
هذه مجمل الإشكالات التي تطرق إليها الكتاب بصفة عامة وسيكون لنا رأي شخصي بخصوصها.
إن الفلسفة باعتبارها بحث في سبل المعرفة، فهي تفكير أيضا في معنى الدين داخل حدود العقل بمجرده وليس بإرادة إحداث تغيير في العقائد الإيمانية، لكن الحرص على البقاء داخل حدود العقل ليس موقفا سلبيا بل هو ميزة تميز قدرتنا على التفكير المطلقة بشكل حر، يعني رفض أي وصاية على طرق تفكيرنا حتى في مسائل الدين، فإن اللاهوت نفسه ينبغي أن تكون له الحرية الكاملة في أن يذهب وفي عمله إلى أبعد ما يمكن أن نبلغه، ولأنه هو أيضا لا يستطيع الاستغناء عن العقل كمنهج منطقي في التفكير.
ولأننا لا يمكننا دراسة الإشكالات الثانوية الأخرى من كتاب كانط “الدين في حدود مجرد العقل”، نظرا لنسبية أهميتها، دون الاطلاع على موضوعات المحاور السابقة وما تمخض عنها من اشكالات جوهرية تمس الدين الأخلاقي وممارسته بحرية، حيث يعلي كانط من قيمة القانون الأخلاقي باعتباره الدافع الوحيد للإرادة الحرة. وما تحقيق هذا الفعل إلا عن طريق الخير الأسمى وهو موضوع العقل العملي المحض بدونه لا يمكن أن تتحقق الأخلاقية في العالم والعقل داخل العقل العملي نجد أن الإرادة هي أساس الموضوعية الطيبة وهي أساس التجربة الأخلاقية.
والخير الأسمى باعتباره قيمة خصص لها حيزا مكانيا داخل كتابه، وما دليل هذا هو اعتبارها وحدة القيم والغاية القصوى لاستقلالية الإرادة وهو الموضوع الحقيقي للعقل العملي الخالص، لكي يتحقق الخير الأسمى في العالم يجب أن تتفق الفضيلة مع السعادة.
إن تحقق الخير الأسمى في العالم هو موضوع ضروري للإرادة المحققة بالقانون الأخلاقي وتطابق القانون مع الإرادة هو كمال للكائن العاقل، وهو مطلب ضروري للارتقاء النفس إلى ما لا نهاية وهذا الأمر لن يتم إلا عن طريق افتراض خلود النفس، أي السعادة.
أما افتراض وجود الله كمصادرة للعقل العملي الخالص من أجل تحقق الشق الثاني من الخير الأسمى، هذه الأخيرة هي شرط الموجود العاقل في العالم لذلك كان من الضروري على كانط أن يسلم بوجود الله كافتراض ضروري لتحقيق الأخلاقية ومعه الواجب وتحقيق الخير الأسمى يؤدي بنا إلى الدين.
وخلاصة القول أن الدين هو معرفتنا بواجباتنا الأخلاقية كأوامر إلهية وليس بوصفها عقوبات بل بوصفها قوانين للإرادة الحرة.
في المبدأ الخلقي للدين المناقض للوهم الديني:
يبتدأ كانط هذا المحور بالإدلال على القضية التالية باعتبارها مسلمة ومبدأ أساسي لا يحتاج إلى أي دليل.
كل ما يظن الانسان أنه مازال بإمكانه أن يفعله، خارج السيرة الحسنة من أجل أن يصبح مرضيا عنه عند الله هو مجرد وهم ديني وخدمة باطلة لله.
وانطلاقا من هذا القول واعتماده يمكن أن نباشر تحليلنا لهذه المسلمة وفك رموزها.
إن سعي الإنسان إلى نيل رضى ربه هو ما يجعله يفعل ما يرضي الله لكن ذلك حسب كانط مجرد وهم بحيث أن الله قادر على فعل جميع الأشياء التي يعجز على الانسان فعلها.
إن الدين الخلقي الذي دعانا إليه كانط ليس مأمورا من لدن سلطة محددة ليست له أسرار وطقوس ومعجزات وليست له سجلات…إنه دين أخلاقي بامتياز مؤسس على الأخلاق الفاضلة مخالف تماما لكل الملل والنحل التاريخية التي نقرأ عنها الفرقة والاختلاف والغلبة والحروب والصراعات والتنافر بين البشر…
إن تأسيس الإيمان على الأخلاق يجعل علاقة الله بالبشر علاقة أخلاقية، الله هو المشرع الأسمى للقانون الأخلاقي فينا إنه دين يجنب البشرية كل أنواع الحروب والصراعات التي تمخضت عن العقائد الدينية ذات المنحى التاريخي.
بعد هذا ينتقل كانط إلى الحديث عن دين العبيد ، باعتبار الدين الطقوسي هو دين العبيد يمارسونه في دور العبادة ولكنهم لا يستنكهون مغزاه أما الدين الصحيح حسب كانط هو دين الأحرار الذين يؤمنون بمقدرات أنفسهم فقط، بالإرادة الخيرة التي هي مخلص العباد من كل تصورات خرافية.
والإيمان العميق هو ألا تمارس معتقداتك الدينية بتطرف ومغالاة، أن تعمد للتفكير في الدين على نحو كوني نتقاسم فيه نحن البشر نقاؤه بضميرنا، دين يستوعب الكل الحر الملك للعقل بدون أن نستثني أحدا من العالمين.
ولذلك ورد في كتاب كانط قوله، بجعل من الإيمان والقبول والاعتراف والتمجيد لكل هذا الشيء الموحى به، خدمة وعبادة للرب، تكسبه نعمة السماء قبل كل تصريف لقواه الخاص من أجل سيرة حسنة، ومن تم بلا أي ثمن أصلا، وتستطيع حتى أن تصنع هذه السيرة بطريقة خارقة للطبيعة تماما، أو قد يفعل على نحو معاكس لها، على الأقل تعوض عن هذه المخالفة.
إن الحرية الأخلاقية هي النمط الوحيد لخلاص العبيد من الخرافة وذلك أنه لا يوجد أبدا أي خلاص للبشر في القبول بالمبادئ الأخلاقية الأصيلة في نواياهم وحدهم، بإمكانهم فتح الطريق أمام إيمان استطاع الاستغناء عن أي انتظار للمعجزات ومن يرفض تحرره بنفسه هو يزاول ضربا مقيتا من الكفر الأخلاقي بفكرة الله نفسها التي يحملها في عقله.
إن فكرة الله في عقولنا هي وحدها القادرة على التشريع الأخلاقي بين دين العبادات المتسلط من لدن قانون نظامي مفروض بالقوة، وبين دين خلقي خالص مستنبط من العقل فهذا العقل يمتاز بالكلية والشمولية وصالح لكل الكائنات العاقلة.
إن الإيمان حسب كانط هو مسألة ضرورية، والانسان حينما يأمن بحرية فهو يعمد على تغيير حياته ويجددها ليقوم بالواجب الأخلاقي على أكمل وجه والعقل وحده هو القادر على تحريرنا من أي شعور بالخطيئة والإثم، والواجب عليك ككائن عاقل هو أن تسلك سلوكا حسنا وفق الإرادة الخيرة.
والإنسانية التي ترضى الإله الأعظم هي التي تبحث عن الخلاص في نفسها، فالسيرة الخلقية الحسنة المثلى هي الكفيلة بأن تجعل الله يرضى عنها، وهذه هي الفكرة التي أراد أن يصل إليها كانط.
إن الدين المستبد يعامل الانسان بالكراهية، ويعتبر كانط أن الكنيسة النموذجية التي حققت الإيمان العقلي الحر هي الكنيسة الكونية، لأن عقيدة الكنيسة الاستبدادية هي ألذ أعداء الدين والأوفى لها أن تجعل الدين مقاما على نمط خلقي خالص لكن، هذا لا يعني أن كانط يدعوا إلى مقاطعة الكتاب المقدس، لا أبدا وإنما هو حمل الدولة المسؤولية كاملة في حماية الدين، فعليها أن تحمي الكتاب المقدس من أن يحول إلى جهاز مستبذ يفرض إملاءاته الإلزامية عن العقول الحرة، وتعمد كذلك إلى حماية عقول الناس حتى تقتدر على الإيمان بالكتاب المقدس بطريقة حرة، وعلى الدولة كذلك ألا تفرض قراراتها الزاجرة على الضمير الخلقي البشري.
من الملاحظ أن كانط على غرار ما تطرقنا إليه، أن مسعاه الكوسمولوجي هو تحقيق فكرة شعب الله، وذلك عن طريق جماعة أخلاقية يعتمد فيها على قوانين وقواعد أخلاقية موحدة، ولتحقيق فكرة شعب الله وملكوته في الأرض لابد من أن تجتمع هذه الجماعة الأخلاقية على فكرة موحدة عن القوانين الأخلاقية، يشتركون بها جميعا وأن تصفوا هذه القوانين من كوادر التعصب الديني والخرافة، إذ لا يفرض أي مذهب ديني أو عقدي على الناس، وبالتالي يسهل انتقال البشرية من إيمان مستبذ إلى الدين المحض والاقتراب من ملكوت الرب.
من خلال هذا نستشف أن توفر شروط الإيمان الكامن في التسامح والمحبة والخير رغم أنها لا تلاحظ بشكل جلي في كتاب كانط إلا أنها يمكن استنتاجها ضمنيا، وهي الدافع إلى الإيمان من جهة والدخول في دين يعمه السلام بين الناس بعيدا عن أشكال التطرف والعصبية… من جهة ثانية، وهذا ما يجعل الله راض عن عباده.
وخلاصة القول وما خلاصتي إلا تعبير عن رأي كانط في حد ذاته حول العبادة الصحيحة باعتبارها هي العبادة الخلقية الحقيقية لله التي ينبغي على المؤمنين أن يؤدونها من حيث هم رعايا ينتمون إلى ملكوته، إنها عبادة القلوب والنوايا النقية التي تصدر عن القوانين الحرية، نوايا نذرت نفسها إلى ملكوت الله في أنفسنا الراسخة في صلبه، إنها عبادة حقيقية صادقة الصادرة عن النية الباعثة على الخير الموقظة لوجداننا إنها إخلاص ونية حقانية.
إن الضمير الخلقي وحده كفيل بهداية البشرية إلى مسائل الإيمان.
بقلم: نجيب جيهان باحثة في تخصص فلسفة.