أخر تحديث : الجمعة 27 أكتوبر 2017 - 10:27 صباحًا

الزلزال السياسي الذي يشبه زوبعة الفنجان

بتاريخ 27 أكتوبر, 2017
الزلزال السياسي الذي يشبه زوبعة الفنجان

عبدالرحيم شهبي –

“ما أوسخنا ونكابر كما قال مظفر نواب ذات مرة، وما أشد انحطاطنا عندما نتكلم عن الفضيلة السياسية والفساد السياسي يملأ حدائقنا الخلفية، ويحضى برعايتنا وعطفنا، ويتحول مهندسوه إلى أبطال يشبهون أبطال الأساطير اليونانية الملهمة..”

السياسة هي منطقة شاسعة من التصورات والمواقف، تشمل أرقى الممارسات الديمقراطية بثقافتها وآلياتها الواعية الرشيدة، كما تشمل أحط الممارسات الاستبدادية بحمولتها الايديولوجيا وآلياتها القمعية الرديئة، وبينهما مسافة رمادية هجينة، تتشبث بأهذاب الديمقراطية، لكنها مشدودة بقوة لبنية استبدادية، يمخرها مركب الفساد والتبعية، ويجعلها عصية على التحول والانتقال.
وفي السياسة أيضا، هناك حالات يمكن أن نشبهها بتعلق البط المنزلي المدجن، بمحاكاته البليدة للبط البري الحر في الطيران في الآفاق الواسعة، لكنه كلما حاول ذلك كانت انتكاساته فضيعة، وحركاته البهلوانية تثير القرف والسخرية.
والمغرب بحكم اختياراته الدستورية والسوسيو ثقافية، قد وضع نفسه بشكل إجباري داخل كبسولة المنطقة الرمادية الهجينة، التي تبقى دوما مشدودة لنقطة الانطلاق، وتبتعد كلما تدفق نهر الزمن عن محطة الوصول، وتبقى حركاته السياسية بزلازلها وارتداداتها زوبعة فنجان، تشبه محاولات البط المنزلي المدجن البليدة.
لقد استهلك خطابنا السياسي الكثير من الكلام ومن الأحلام والعواطف الجياشة، وانتقلنا من الحديث عن الإصلاح إلى الحديث عن التناوب فالانتقال إلى الحديث عن الأوراش الكبرى إلى الحديث عن المغرب الأخضر والمغرب الأزرق لنصل إلى حصاد البؤس والريح، فنعود أدراج الرياح في نهاية المطاف لنقطة البدء، فنبدأ نتساءل أين الثرة؟.. أين اختفت وتوارت بالحجاب؟ لنسجلها في ركن المتغيبين والمختفين؟ وكأننا عاجزون عن تتبع أثارها أو معرفة وجهتها وتحديد أطرافها وناهبيها..
وعندما سقطت أخر ورقة وتعرى الجميع، وغرقت البلاد والعباد في بؤس عميم، وتردت الأوضاع إلى ما يشبه النكبات والجحيم، وأصبح المواطن لا يجد كرسيا في الجامعات التي تحولت إلى مؤسسة توزع الشهادات بلا كفاءات، أو سريرا في المستشفيات التي أصبحت تشبه المقابر الجماعية، أو قطرة ماء نظيفة أو نسمة هواء غير ملوثة، وهذه مجرد مطالب فيسيولوجيا يشاركه فيها الحيوان، دعك من مطالب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، فإن بيننا وبينها بعد المشرقين وبئس القرين، وبلغ الاحتقان أوجه، وخرجت المدن والقرى تحتج وتطالب، وبعدما استنفدت المقاربات التدجينية الاعلامية والقمعية البوليسية أغراضها، وأخرجت أخر طلقاتها، ولم تستطع أن تعيد جدار الخوف إلى مكانه، لأن المواطن العادي الذي لم يعرف يوما حزبا ولا نقابة، دفعته سياسة الغباء البليدة إلى التمرد والاحتجاج، وقد كان من قبل وديعا مسالما، لا يحرك جانبا ولو ألقت عليه مصائب الحياة بثقلها، قد قرر هذه المرة أن لا يعود لبيت الطاعة، وله في السجون والمنافي متسع عن وطن صار أصغر من قبر وأضيق من زنزانة.
بعد كل هذا الهذر الزمني الذي اصطلت بنارها البلاد والعباد، بدأنا الحديث هذه المرة عن الزلزال السياسي الذي سيطيح برؤوس الكثير من المسؤولين، من خلال تفعيل مبدأ المحاسبة، وكأن هذا المبدأ كان يشبه الخلايا النائمة، التي كانت تحتجز لها سريرا في غرف الدستور المغلقة الأبواب والنوافذ منذ عدة عقود، واليوم قررنا أن نوقظها من نومها العميق، لتمارس عملها بالخصوصية المغربية طبعا، وحسب سياسة الجرعات التي تروق للمسؤولين، حتى لا تكون الجرعة قاتلة كما يدعون، فنقوم بإعفاء البعض، وإدانة البعض الأخر وغض النظرعن آخرين متنفذين، فهذا هو مبلغ القوم من العلم بالمحاسبة.
مرة أخرى نهذر الزمن، ونضيع الفرص، ونحول زلازلنا السياسية إلى زوابع في فنجان، وتخلو تأويلاتنا للمحاسبة من المتابعة وترتيب الجزاءات، ويبقى المسؤولون في برج عاجي في منأى عن العقاب، ولا تتجاوز محاسبتهم المنطق الانتقائي في ما يشبه عملية التقاعد المريح أو إعادة الانتشار أو التوبيخ الذي لا يردع ناهبا ولا يرد حقا.
الجديدة في 27/10/2017