http://a106424.hostedsitemap.com
أخر تحديث : الإثنين 30 أبريل 2018 - 7:58 مساءً

المقاطعة فعل حضاري راق وباب واسع لفرض خيارات الناس..

بتاريخ 30 أبريل, 2018
المقاطعة فعل حضاري راق وباب واسع لفرض خيارات الناس..

بقلم سامي بنمنصور

صور من التاريخ..
المقاطعة الاقتصادية هي عملية الامتناع عن معاملة الآخر اقتصاديا ، أو التوقف الطوعي عن استخدام أو شراء أو التعامل مع سلعة أو خدمة كشركة أو جهة أو دولة تسيء أو تلحق الضرر أو تستغل الناس و تستنزف جيوبهم، كشكل من أشكال الاعتراض، وتعد سلاح ردع فعال في مواجهة الآخر و تطويع ارادته و إجباره على تبني شروط معينة مقبولة بعد تراجع أرباحه و انخفاض حجم مبيعاته.
كان جدي في قبيلته المحادية لمدينة الدار البيضاء يتفاوض مع الاستعمار لانتزاع بعض الحقوق المشروعة للمغاربة، بالضغط على المستعمر بإتباع آليات السوق، وذلك بنهج أسلوب الإغراق لسلعة معينة بعد تجميع الإنتاج من القبائل الأخرى وإدخالها إلى السوق بكميات كبيرة لإجبار المعمريين على البيع بأثمنة منخفضة أو تركها للزبائن مجانا بعد إحداث خلل في العرض و الطلب.
أو نهج أسلوب المقاطعة لسلعة معينة من إنتاج الفرنسيين داخل الضيعات بمنطقة الشاوية ، فيضطر المستعمر لتخفيض الأثمنة أو الخضوع لرغبات و مطالب الناس.وهكذا فهم جدي بفطرته السليمة و نظرته الثاقبة آليات تداخل السياسي بالإقتصادي، بعد أن تعرض الناس لحيف و ظلم سياسي و إقتصادي و سياسي.
وقبله انتهج الزعيم الهندي الراحل المهاتما غاندي سياسة المقاطعة الاقتصادية سلاحا في وجه الاحتلال البريطاني للهند، ودعا إلى احراق البضائع القادمة من بريطانيا في مومباي ضمن سلسلة من أعمال الاحتجاج على سلطات الاحتلال.
كما امتنع الفلاحون في إيرلندا _ إبان حركة تحريرها من الاحتلال البريطاني في أواخر القرن التاسع عشر _ عن التعامل مع أصحاب الإقطاعات الزراعية للإنجليز ووكلائهم المحليين ،وفي سنة 1921 أصدر حزب الوفد بعد إعتقال سعد زغلول عام 1921 قرارا بالمقاطعة الشاملة لبريطانيا و حث المصريين على مقاطعة البضائع البريطانية و سحب ودائعهم من المصارف الإنجليزية.
وقبل جدي و غاندي ، شكي لعمر بن الخطاب في صدر الاسلام من غلاء الأسعار،فقال: أرخصوها أنتم،فقالوا وهل نملكها حتى نرخصها ؟ فقال : أتركوها لهم ..
جوهر القضية، تحسين القدرة الشرائية..
الارتفاع الصاروخي للأسعار و الزيادات المتتالية التي ألهبت أسعار المواد الغذائية الضرورية و المحروقات و فواتير استهلاك الماء و الكهرباء وإطلاق يد المستثمرين و فتح المجال أمام جشعهم بدون آليات للمراقبة ،بعدما إختارت حكومة بن كيران رفع الدعم عن المواد الأساسية، و التخلي التدريجي عن الخدمات الإجتماعية الأساسية ، وتقليص موارد صندوق المقاصة و تحرير أسعار المحروقات .
بالمقابل نجد ضعف القدرة الشرائية للمغاربة و تجميد الأجور منذ سنوات و تفشي البطالة ،وتحملهم لعبئ تعليم أبنائهم و ثمن الخدمات الصحية و غيرها، كل ذلك في جو عام عنوانه الرئيس، فشل النمودج التنموي في المغرب و سيادة الفساد وتراكم الثراوت على حساب فقراء الوطن، حتى كادت أن تختفي الطبقة الوسطى الصمام الأمان و دينامو التفاعل بين طبقات المجتمع.
العمل السياسي و المجتمعي يكره الفراغ.. أمام هذا الوضع القائم ترك الشعب المغربي لمصيره وحيدا، بعدما تنازلت الأحزاب السياسية و النقابات عن دورها في الضغط عن الحكومة لتفعيل المؤسسات الدستورية الخاصة بمراقبة و تحديد الأسعار وفق المؤشرات العالمية والقدرة الشرائية للمغاربة وضرورة تحسينها، فوجد ( الشعب المغربي ) نفسه و حيدا في مواجهة التوحش و التوغل الرأسمالي الذي لا هم له سوى مراكمة الأرباح.
فإختار الشعب المغربي سلاح المقاطعة ،وهو سلاح حضاري و راقي و ضاغط و بتأطيره جيدا قد يحقق نتائج عجزت عنها كل الدكاكين السياسية و النقابية ، و هو طوعي و سلس وسلمي ولا ضجيج فيه، إنه سلاح ذكي و جميل.إنها صرخة المطحونيين و صرخة البطون الجائعة ، والأجساد العارية و الأبدان التي أتعبها المرض، وأعجزها الفقر عن التطبيب و التداوي إنها صرخة الجيوب المثقوبة ، و العيون الشاخصة أمام السلع البراقة بأغلفتها العاكسة للأضواء ، إنها صرخة الإحساس بالحرمان و إهدار كرامة الإنسان.
الرد على بعد الشبهات السياسية و المسؤوليات واضحة …
بعد المترددين في تبني المقاطعة يتذرعون بمبررات واهية من قبيل أن الحملة هي عبارة عن تصفية حسابات سياسية بين العدالة و التنمية و خصومهم السياسين .
إن أصحاب المبادرة و الشعب المغربي أصبح لديهم من الوعي ما يمكنهم من عدم الإنجرار والانخراط في معارك الأخريين، هذا الوعي الذي يحمل المسؤوليات بشكل واضح و صريح في ضرب القدرة الشرائية للمغاربة إلى حزب العدالة و التنمية بشكل رئيسي وشركائه في الحكومة ، بمجموعة من الإجراءات و السياسات النيوليبرالية التي يغيب فيها البعد الإجتماعي ،ثم إلى الأحزاب و النقابات التي اكتفت بموقف المتفرج و غابت عنها المبادرات الحقيقة.
يمكن أن نجيب بسلاسة ووضوح تام عن السؤال الذي تردد كثيرا ، لماذا التركيز عن بعض السلع دون غيرها و لشركات معينة ؟وبعيدا عن المنطق العدمي للبعض في تناوله لهذه القضية وبشكل واقعي، كان أمام الناس خيارين :
الخيار الأول : مقاطعة كل السلع التي تباع بأثمنة غير مناسبة ومرتفعة بالمقارنة مع القدرة الشرائية للمغاربة،وهو خيار جيد لكن دونه عقبات كثيرة خصوصا وأن الشعب المغربي يدخل تجربة جديدة في الاحتجاج و يجب رصد إمكانات هائلة لنجاح الخطوة، لابد من مراعاة مبدأ التدرج حتى لا نتعسف على الظروف الموضوعية و الذاتية للناس .
الخيار الثاني : مقاطعة الشركات الرائدة في مجالها وقد تكون الموزع الرئيسي على الشركات المنافسة ،التي لها القدرة الكبرى في تحديد السعر ، وهي التي تجر خلفها المنافسين.و إذا ما استطاعت المقاطعة التأثير على تنافسيتها ،ستخضع و تجبر على خفض السعر، ما يؤثر على سلوك المنافسين بإتباع نفس النهج حتى تحافظ على مكانتها في السوق .وقد تم اختيار الشركات بعناية دقيقة في انتاج السلع الثلاث ، سيدي على ، شركة افريقيا ، و سنطرال.
أيها المقاطعون إنكم مبدعون..
على المقاطعون أن يدركوا أنهم فتحوا بابا أنيقا و حضاريا في الإحتجاج و أحدثوا نقلة هائلة في العمل السياسي و الوعي الجمعي مهما كانت النتائج،وقد تأتي المقاطعة بنتائج هائلة ، أو محدودة لأننا نعرف مدى التعنت الذي تواجه به خيارات الشعب و مطالبه الإجتماعية المشروعة ، الأمر الذي يجب التعامل معه بحنكة و تعبئة الناس بآليات جديدة وبنفس طويل ، إنه تمرين و بروفا تسبب الهلع في صفوف الرأسمال الجشع و الساسة على حد سواء.