أخر تحديث : الأحد 10 يونيو 2018 - 7:47 مساءً

المقاطعة وآليات تحديد الأسعار بين الاقتصادي و السياسي .

بتاريخ 10 يونيو, 2018
المقاطعة وآليات تحديد الأسعار بين الاقتصادي و السياسي .

بقلم : سامي بنمنصور.

تستمر مقاطعة المغاربة لمنتوجات الشركات الثلاثة ( دانون سنطرال ، أولماس للمياه المعدنية ، افريقيا غاز ) ومعها معاناة المواطنين من غلاء العديد من المواد الاستهلاكية الأساسية على رأسها الخضر والفواكه وبعض اللحوم والأسماك، فضلًا عن ارتفاع أثمان الزيوت وخاصة زيت الزيتون،وارتفعت أصوات المواطنين خلال الأسابيع الأخيرة بعد أن ألهبت جيوبهم أسعار القفة اليومية أو الأسبوعية التي يضطرون من أجل ملئها إلى ارتياد أسواق ارتفعت درجة حرارتها بشكل غير مسبوق.وما يزيد الأمر تعقيد و يؤكد الاستغلال البشع الذي يتعرض له المستهلك المغربي دون أدنى حماية، مقارنة أسعار بعض المنتوجات بنظيرتها في الأسواق العالمية وخاصة أوربا حيت تكون مرتفعة داخليا مع أن القدرة الشرائية للمواطن الأوربي تتجاوز نظيرتها في المغرب بنقط مهمة ،ويزداد الوضع تفاقما عندما نقارن نفس السلع المغربية التي تسوق بأوربا رغم اضافة تكاليف جديدة تتعلق بالنقل و الجمارك، إلا أنها تباع بأثمنة أقل في أوربا .

آليات تحديد الأسعار في الأنظمة الاقتصادية المختلفة.
اقتصاد السوق هو نظام اقتصادي يتمتع فيه الأفراد والشركات بحرية المبادرة وحرية تبادل السلع والخدمات وتنقلها دون عوائق. ويتم تخصيص الموارد في ظل هذا النظام عبر مؤسسة السوق وآلية الأسعار التي تسهر على معادلة العرض (الإنتاج) والطلب (الاستهلاك)، دون الحاجة إلى تدخل مركزي من الدولة لكي تنظم عملية تنسيق الإنتاج.
نقيض اقتصاد السوق هو الاقتصاد المخطط أو المركز( الاقتصاد السوفياتي نمودجا )،حيث إن الدولة هي التي تقوم بتخصيص الموارد وتحديد السلع والخدمات التي سيتم إنتاجها، وبأي كميات، وتباع وفقا لأي أسعار.
ويوجد نظام اقتصادي وسيط بين الاثنين يدعى الاقتصاد المختلط ، يمزج بين الاعتماد على السوق والدولة معا، وهو المعتمد في معظم بلدان العالم ومنها المغرب في كثير من جوانبه ،حيت يعيش القطاع الخاص إلى جانب القطاع العمومي.
إن اقتصاد السوق لا يضمن الكفاءة إلا من خلال تدخل محدود (يقل أو يكثر حسب كل حالة ) للدولة في الحياة الاقتصادية.وذلك عبر آليات الضبط والتقنين والتوجيه من اجل تحسين سير الأسواق وتوفير المنافسة فيها وتحصينها من تجاوزات بعض المتدخلين الاقتصاديين ومكافحة الاحتكار وضمان المنافسة وذلك بسن قوانين حاسمة في هذاا لشان وكذلك اعتماد آليات تنظيمية ومؤسساتية لذلك .
يؤدي الاحتكار وهيمنة شركة واحدة على النسبة الأكبر في السوق (حالة دانون سنطرال ، افريقيا غاز ، أولماس ) إلى دفع سعر المنتوج إلى أعلى مستوى ممكن لتحقيق أعلى نسبة من الأرباح، وقد يأخد شكل مختلف يتمثل في تحديد الأسعار والاتفاق بشأنه سواء كان صريحا أو ضمنيا ، وضرب مبدأ المنافسة ( شركات توزيع المحروقات ).
تتعدد أشكل تدخل الدولة للمحافظة على التوازنات داخل السوق وعلى القدرة الشرائية للناس.
نجد في كل دول العالم جهات ومؤسسات لها ترسانة قانونية مهمة لمحاربة الاحتكار ،فمجلس المنافسة هو مؤسسة مغربية تتهم بدراسة أداء الأسواق ومحاربة الممارسات الغير الأخلاقية والمنافية للمنافسة. أنشئت في عام 2008 للعب دور استشاري وعززت سلطاتها عام 2014، مديرها الحالي هو الجامعي عبد العالي بنعمور ،فحالة الجمود التي تعرفها هذه المؤسسة دامت أكثر من3 سنوات، تبرز في الكواليس بوجود بعض اللوبيات الاقتصادية القوية التي ترفض أي سلطة رقابية.
يوم 23 ماي 2017، تلقى مجلس المنافسة زيارة من ممثلي شركة متعددة الجنسيات، كانت تستعد لشراء أسهم شركة مغربية. حيث توجهوا لرئيس المجلس عبد العالي بنعمور طلباً لموافقته على العملية، كما ينص على ذلك القانون. لكنهم تلقوا جواباً صادماً من لدن السلطة المختصة، مفاده: “لا نستطيع فعل أي شيء، توجهوا إلى رئيس الحكومة”. ربما يعبر هذا الرد عن إزاحة إجراء مزعج كان يواجه المستثمرين بالمغرب، لكن صورة المغرب المؤسساتية تتعرض للخدش بفعله، ومعها مدى قانونية عدد من عمليات الاندماج التي تمت خلال السنوات الأخيرة دون موافقة مجلس المنافسة.
كان من المنتظر أن تتفاعل الحكومة مع حملة المقاطعة التي نهجها الشعب المغربي بتفعيل مجلس المنافسة أو تقديم الدعم المباشر للمتدخلين سواء المستهلك أو المنتج ،أو رفع الأجور لدعم القدرة الشرائية للمواطنين أو استجلاب منافسين جدد للسوق ،بدل حملة الصراخ والهيجان لأعضاء الحكومة الغير مبرر ،وكيل التهم لأناس اثقل كاهلهم معيشهم اليومي ، بل وصل الأمر إلى مشهد كاريكاتيري عندما خرج وزير في مظاهرة ضد حملة المقاطعة فاستحق لقب “وزير حكومة سنطرال ” بامتياز.
الإمارة تفسد السوق.
الكواكبي في كتابه الموسوم بطبائع الاستبداد ” دخول الحكام والأمراء الى السوق والتجارة والفلاحة وما شابهها مضرة عاجلة للرعايا- وفساد للجباية ونقص للعمارة ) وهي المقولة التي يؤكدها التاريخ لا اجتماع بين التجارة والامارة، فيقول ابن خلدون: اذا تعاطى الحاكم التجارة فسد الحكم و فسدت التجارة.
تم التعاطي مع حملة المقاطعة بنفس سياسي بعيد عن الحكمة و المسؤولية، إذ تحمكت التجارة في السياسة فوقع المحظور وذلك لسببين واضحين على الأقل ،فلا يخفى على أحد أن أصحاب رأس المال الرئيسين بالشركات المستهدفة هم فاعلين سياسين وكانوا يحضرون للعب أدوار طلائعية في المشهد السياسي المغربي الذي يتحكم في خفاياه عامل زواج السلطة بالثروة.
أما السبب الثاني فله علاقة بدورة العمل الرأسمالية العالمية ،وخضوع المغرب لها وللمؤسسات المالية الدولية ولاملاءاتها التي تضع مصلحة المواطن في آخر اهتماماتها.
شركة دانون سانطرال هي شركة فرنسية، الأمر الذي يفسر استماتة وزرائنا في الدفاع عنها ،فباريس المتحكم الأول في الاقتصاد المغربي وفي القفة اليومية للمغاربة ، وأول شريك تجاري وهي أيضا أول مستثمر أجنبي بالمغرب، وأول دائن عمومي للمغرب وأول مانح للمساعدات العمومية الموجهة للتنمية. كما أن فرنسا تأتي في مقدمة الدول التي تعرف أكبر حجم لتحويلات المغاربة المقيمين في الخارج، وأول مصدر على مستوى مداخيل السياحة، كل ذلك مقابل فتح السوق المغربي للفاعل الاقتصادي الفرنسي لاستغلال موارده ومص دماء الناس بشكل بشع.
والملاحظ كذلك أن ديناميكية الاستثمار الفرنسي بالمغرب تبرز تعدد مجالات النشاط الذي تنخرط وتتواجد فيه المقاولات الفرنسية وتنوع حجم الشركات سواء المقاولات الكبرى أو المقاولات الصغرى . تحتل فرنسا المرتبة الاولى من حيث الاستثمارات الاجنبية المباشرة بالمغرب. وتمثل %42 كمعدل من مجموع الاستثمارات المباشرة الاجنبية بالمغرب خلال الفترة 2006 – 2011 متقدمة على اسبانيا %12 والامارات العربية المتحدة %10 حسب مديرية الدراسات والتوقعات المالية بوزارة الاقتصاد والمالية.
المقاطعة كانت نتيجة للارتفاع الصاروخي للاسعار غير مبرر وتدني القدر الشرائية للمغاربة ،ومن داخل منطق آليات السوق الخالصة وآليات تحديد الأسعار وفق العرض والطلب، كان بالإمكان أن تقلص الشركات المستهدفة بالمقاطعة من هامش الربح بعد أن عجزت الآليات القانونية والرقابية عن ذلك ،لكن تدخل السياسة وزواج السلطة بالثروة حال دون ذلك ، وبذلك خرج فعل المقاطعة من مجاله الاقتصادي إلى المجال السياسي وفي المستقبل القريب سوف يأخد هذا الفعل أشكال مختلفة وامتدادات أخرى في السياسة و الإقتصاد ،خصوصا وأن لا تكلفة مقدمة من قبل الناس جراء هذا الفعل الذي أعطى شعورا جماعيا عنوانه ” أننا قادرون “.
.

<