أخر تحديث : الخميس 17 أغسطس 2017 - 7:23 مساءً

بن كيران رفض أن “يضع بيضة” فكان وجبة شهية للتماسيح

بتاريخ 17 أغسطس, 2017
بن كيران رفض أن “يضع بيضة” فكان وجبة شهية للتماسيح

رشيد موليد –

لم يحصل أن أثارت أي حكومة من حكومات المغرب المستقل الكثير من الجدل السياسي منذ 7 ديسمبر 1955 تاريخ تشكيل أول حكومة بعد الاستقلال بقيادة مبارك البكاي.
الى حدود 03 يناير 2012، تاريخ الإعلان عن الحكومة الثلاثين، برئاسة عبد الإله ابن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، بعد الانتخابات التشريعية لـ25 نونبر 2011 التي تصدر نتائجها، والحكومة 31 التى يرأسها ذات الحزب بعد اكتساحه لتشريعيات اكتوبر 2016، كثر الجدل ليصل أحيانا حد اللغط.
فما الذي يجعل حكومة الاسلاميين أكثر إثارة للجدل السياسي ويجعل المواطن العادي يهتم ويواكب ويتفاعل مع مستجدات الحياة الخاصة للوزراء أيضا.
ما يزال العدالة والتنمية المغربي قائد الإتلاف الحكومي، يؤدي ثمن طموحه السياسي واتساع شعبيته، وذلك باستمرار خلق المتاعب لحزب الاسلاميين الموصوفين بالمعتدلين، منذ الاعتقاد بانتهاء ادائهم لدور التهدئة قبل 6 سنوات منذ 2011.
بالرجوع إلى كرنولوجيا تنصيب العقبات امام حزب العدالة والتنمية، فقد بدأت منذ كانت تتسع شعبية هذا الحزب بعد الانتخابات التشريعية لنونبر 2011 التي تصدرها بقوة.
فبعد مرور حوالي عامين من مشاركة البيجيدي في تدبير الشأن الحكومي، تم دفع حزب سياسي مشارك في الحكومة ليناوئ رئيس الحكومة في عدد من القضايا بشكل كان يهدد بانفراط عقد الأغلبية الحكومية.
وتزامن تحول حزب الاستقلا ل وهو داخل الحكومة ليلعب دور المعارضة الشرسة، بإسقاط أو سقوط حكومات اسلامية في المحيط الإقليمي المغاربي بكل من مصر وتونس.
في ذلك السياق الإقليمي المتقلب ضد الإسلاميين، حيث وصفتهم التقارير بأنهم ركبوا على الثورات، ليحكموا. كانت أولى محاولات تحريك البساط تحت أقدام إخوان بن كيران في المغرب، سحب الأمين العام للاستقلال حميد شباط لوزراء الحزب من الحكومة، في خطوة وصفها حكماء ذات الحزب بغير المدروسة وغير المعقولة. وحدهم المناوئون لحكومات الاسلاميين في الدول المتوجسة أُعْجِبُوا بتلك المحاولة.
ربما فهمت السلطات المغربية أن الوقت لم يحن لتقزيم حزب الاسلاميين رغم ما أداه من دور في إطفاء جذوة “حركة 20 فبراير” الاحتجاجية. وهو نفس الوأد الذي شارك فيه اسلاميو جماعة العدل والاحسان.
ولتفادي حالة الاحتقان، تدخل الملك لضمان استمرار عمل الحكومة بعد خروج الاستقلاليين، بتعويضهم بوزراء من حزب التجمع الوطني للأحرار. وواصل وزراء العدالة والتنمية في حكومة بن كيران الأولى والثانية، خرجاتهم في إطار خصوصية الحزب بالعمل على حجب إشهار واعلانات القمار من القنوات التلفزية، وبث الآذان للصلاة في قناة الدوزيم، والتصريح بمواقف ضد مهرجان موازين للغناء المثير للجدل بمضامينه وما يصرف عليه من المال العام. وهذا ما اكد صورة توجههم الاسلامي في الخارج، قبل ان يبتلعوا الكلمات ويغيروا شعاراتهم ضد موازين، بضرورة مواصلة الإصلاح لكن في اطار الاستقرار.
كل هذه النقاط التي كان حزب العدالة والتنمية يكسبها، لم تكن موضع رضى عيون داخل المغرب ولا خارجه. ومع ذلك، لم يفد عدم الرضى الداخلي والخارجي في الحد من امتداد شعبية حزب العدالة والتنمية. سيما مع استعمال عبد الاله بن كيران بصفتيه رئيس الحكومة والأمين العام لحزب العدالة والتنمية قاموسا نقديا جديدا ضد من وصفهم في المحيط الملكي بالعفاريت والتماسيح، وسمى الأسماء وذكر الصفات، مما اكسبه نقاط أخرى في السجال السياسي ضد خصومه. وغير ما مرة طالب مجاهرا بحل حزب الأصالة والمعاصرة لكونه برأيه يرمز للتحكم والنفوذ في المغرب.
كانت الانتخابات البلدية التي جرت في 2015 محطة أخرى هيمن فيها الحزب الاسلامي على مستوى حصد أصوات الناخبين، بَيْدَ انه لم يترجم هذه الأصوات الى قوة ينافس بها غريمه السياسي في رئاسة أكبر عدد من الجهات الترابية بالمملكة. تولى “البام” 5 منها، وجاء العدالة والتنمية بعيدا خلفه برئاسة جهتين فقط من أصل 12. قدم الحزب الاسلامي تنازلات كثيرة لم تكن محط رضى قاعدة الحزب ولا المتعاطفين معه. كان رأي بن كيران ان يخرج في تلك الظروف من عنق الزجاجة، تمهيدا لإجراء ثاني انتخابات تشريعية في إطار الدستور الجديد.
جاءت الانتخابات التشريعية للعام الماضي في اكتوبر 2016، عكس كل التوقعات، وضد كل محاولات الحد من اتساع دائرة “البيحيدي”. فشلت سياسة كبح الاسلاميين وهيمنوا من جديد واكتسحوا الساحة رغم أن الملاحظين من أبناء الشعب، سجلوا أن السلطات ساهمت بشكل مكشوف في خدمة الحزب الغريم للإسلاميين “الأصالة والمعاصرة”.
كانت الحسابات المطبوخة تقتضي أن يتزعم “البام” تشريعيات العام الماضي، وفطن عبد الاه بن كيران للعبة الاعلان عن النتائج، عندما سارع الى إعلان حصاد حزبه في انتخابات أكتوبر الماضي أمام غابة من الميكروفونات قبل أن تعلن عنها الجهة الرسمية ذاتها.
كان واضحا، أن عثرة أو زلة لسان وزير الداخلية حصاد عندما قال بتصدر حزب الأصالة والمعاصرة لنتائج الانتخابات قبل أن يستدرك ويقر بتفوق حزب العدالة والتنمية الذي اكتسح الساحة في المغرب من جديد. بتشكيل أكبر فريق في تاريخ البرلمان المغربي بـ127 نائبا. واستغل وزير الداخلية حصاد انذاك وجوده خلف النقل التلفزي المباشر ليوجه اتهامات للحزب الاول بكونه لا يثق في المؤسسات.
لما بات واضحا أن حزب العدالة والتنمية عاد من جديد رغم كل السيناريوهات، ظهر “البلوكاج” في وجه الحزب. وتأخر تشكيل الحكومة لستة شهور، قبل أن يعود الملك من جولته الافريقية وينهي الانتظار الطويل بإعفاء بن كيران من مهمة تشكيل الحكومة الـ31 في تاريخ المغرب الحديث، وهي المهمة التي كان يراها خاصة به دون غيره.
واجه رئيس الحكومة المعين من قبل الملك، في تشكيل حكومة لم تر النور، شروطا كان صعبا على هذا الرجل العنيد تقبلها. من بين الشروط أن يتخلى عن حزب الاستقلال الذي جاهر بالتمسك به منذ الاعلان عن النتائج.
استجاب بن كيران، وكأنه استحضر حكاية الديك الذي طلب منه مالكه أن يتوقف عن رفع “الآذان” كل فجر، لما ظهر اشتراط جديد في وجه الرجل يملي عليه القبول بالاتحاد الاشتراكي ضمن فريقه الحكومي.
تقول حكاية الديك إنه بعدما نفذ الشرط الأول، طلب منه صاحب الضيعة، أن يمثل دور الدجاجة ويصيح كما تصيح بعد وضع البيضة، وهو ما فعله الديك، ليسهل إملاء شرط تعجيزي جديد: أن يبيض الديك بيضة، وإلا سيصبح وجبة شهية. وهنا أدرك متأخرا أنه يفضل لو مات “مؤذنا”.
الفارق بين الديك وحكاية بن كيران أنه امتنع عن الاستجابة للشرط الثاني. رفض رفاق ادريس لشكر رفضاً، لأنه لو قبل لطلب منه أن يضع بيضة. بيضة بن كيران كانت ستكون هي إخراجه لشيوعيي نبيل بن عبد الله من الحكومة، رغم انه كان يتشبث بهم كتشبث الأعمي بعصاه.
كان بن كيران يصر على اقصاء حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من الحكومة، فأُقْصِي بن كيران وعاد حزب ادريس لشكر الى الحكومة مع رئيس الحكومة البديل سعد الدين العثماني. فهل ارتاح الدكتور العثماني وهو يقود الحكومة..
رئيس الحكومة العثماني يوجد في وضع لا يحسد عليه في الحقيقة، فكل رهانات الحزب اصطدمت بإصرار الحكومة العميقة في التحكم. إذ تبين ذلك من خلال الهيمنة الكبيرة للوزراء التقنوقراط في حكومة العثماني، إذ احتل غير المنتمين المرتبة الثانية مباشرة بعد حزب العدالة والتنمية الذي تصدر انتخابات 7 من أكتوبر لسنة 2016 والحاصل على 10 حقائب وزارية.
وقد يرى البعض في هذا العدد نوعا من التحايل على الدستور الذي يتحث عن ربط المسؤؤولية بالمحاسبة. اخضاع هؤلاء الوزراء للمحاسبة السياسية غير ممكن، بحكم أن هؤلاء التكنوقراط لا ينتمون لأحزاب.
عدد التكنوقراط في حكومة العثماني 7 وهم محمد حصاد تولى حقيبة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، بعد أن كان في الحكومة السابقة وزيرا للداخلية رغم صبغه بلون الحركة الشعبية. وعبد الوافي لفتيت في الداخلية، وبوريطة في الخارجية، واستمر أحمد التوفيق، في الأوقاف وهي أغنى وزارة بالمغرب، وتولى محمد الحجوي منصب الأمين العام للحكومة، فيما بقي عبد اللطيف لوديي وزيرا منتدبا لدى رئيس الحكومة مكلفا بإدارة الدفاع الوطني، وعُيّن نور الدين بوطيب وزيرا منتدبا لدى وزير الداخلية).
إن المناصب التي يتولاها التكنوقراط في حكومة العثماني تكاد تكون هي جوهر العمل الحكومي كله. وتكاد في نفس تكون وسيلة لفرملة هذه الحكومة في أي وقت. وما الحديث عن تلويح وزير حقوق الانسان باستقالته إلا بوادر انفراط أغلبية الدكتور العثماني.