أخر تحديث : الخميس 16 نوفمبر 2017 - 8:30 مساءً

حاجتنا للعلمانية

بتاريخ 16 نوفمبر, 2017
حاجتنا للعلمانية

بقلم نجيب جيهان – 

ما أود الاشارة إليه بداية هو، أني لست من الذين ينحازون إلى الأنظمة القمعية لمعارضة الاسلاميين هذا رهان خاسر، فنحن ضد هذا الاستبداد أيا كان مصدره.
وهذا هو السبب الذي جعلنا ندعوا إلى العلمنة ليس لضد الدين بل لأن الفضاء الوحيد الذي تتعايش فيه الأديان وتحترم هو فضاء العلمانية أما أن تفرض عقيدتك على الناس بالقهر والحبس…إلخ، فهذه ليست دولة تشرف أبناءها.
ما نطمح إليه هو دولة علمانية في إطار الديمقراطية وليس أن نضطهد الاسلاميين، ولا تستعمل القوانين الدينية ولمن تقيم النظام العسكري مثل نظام صدام حسين أو القذافي وتقول هذه علمانية، فهي ليست كذلك، لأنه في الخفاء أنت تستعمل الدين في الدولة.

حاجتنا للعلمانية.
موضوع العلمانية هو موضوع لا زال يتير نقاش كبير في البلدان الاسلامية و خاصة المغرب، و لكن يلاحظ حول هذا النقاش عن العلمانية انه نقاش في الغالب يغلب عليه العاطفة والصراع الايديولوجي وتغيب فيه المعطيات العلمية سواء معطيات من الواقع أو التاريخ او معطيات من الثقافة والحضارات الانسانية.
هذا التغيب للمعطى العلمي سببه الرئيسي هو أن القرن الأخير من التاريخ للبلدان الاسلامية عرف صراع كبير جدا بين نموذج الدولة التقليدية التي هي دولة الخلافة و التي انتهت سنة 1924 م، بسقوط الامبراطورية العثمانية بين نموذج الدولة الحديثة التي عرفها المسلمون مع الاستعمار عبر مرحلة الحماية سواء الاستعمار الفرنسي: {المغرب والجزائر وتونس}، أو الاستعمار الانجليزي: {مصر الخ…}، وبلدان أخرى في الشرق الاوسط.
فهذا الصراع الذي عرفه ق 20م، لم ينتهي إلى نتيجة إيجابية التي هي توضيح نموذج الدولة الذي يريده النخب وباقي الناس و إنما أدى إلى استمرار الصراع حول نموذج الدولة الذي هو نموذج بديل و حول كذلك الحلول للقضايا و المشاكل التي تراكمت عبر هذه الازمنة كلها من بداية ق20م إلى الان.
من بين الأسئلة المطروحة والتي وجب علينا الاجابة عنها و هي:
– أولا ماهي العلمانية؟ و ماهي المعطيات العلمية التي وجب علينا استحضارها لتبني مفهوما علميا دقيقا للعلمانية خارج التوترات و خارج الصراعات و الحسابات السياسية و الأيدولوجية للأطراف المختلفة؟
– ثم السؤال الثاني، ما الذي جعل العلمانية غير مفهومة جيدا في بلدان المسلمين؟ أي ما هي أسباب غموض معنى العلمانية؟
ثم السؤال الثالث، الذي سنحاول أن نقدم عناصر التحليل فيه، هل العلمانية فعلا أجنبية علينا وغربية وأننا لا علاقة لنا بها؟
هل العلمانية تدخل ضمن نطاق خصوصيتنا المغربية أم أنها أجنبية علينا؟
أولا: هناك علمانيتين، العلمانية {بكسر العين}، أو العلمانية {بفتح العين}، و الناس الذين يطرحون هذا المشكل هم ناس في الغالب يريدون أن يكون المعنى للعلمانية مفهوما سيئا و لهذا يتفادون ذكرها، {بكسر العين}، بمعنى إذا كانت العلمانية، لها علاقة بالعلم و هم لا يريدون أن تكون لها علاقة بالعلم، قالو إنها علمانية {بفتح العين}، لأنها من العالم أي تدبير ما هو أرضي انطلاقا من ما هو دنيوي لكن من الناحية العلمية و التاريخية هؤلاء الناس خاطئون، لسبب بسيط، لأن الواقع، أن العلمانية تصح بكسر العين و بفتحها معا.
العلمانية تعني أنها، لها علاقة بالعلم لأنه كان يستحيل للعلمانية أن تنجح لولا وجود الثورات العلمية في الغرب و حتى عند المسلمين، لأن من هم الذين كانوا علمانيين في الحضارة الاسلامية؟
هم العلماء جابر ابن حيان و الخوارزمي وابن رشد، ابن سينا والرازي…إلخ. هم كلهم كانوا علمانيين، باعتبارهم، علماء كانوا يشتغلون في العلوم الطبيعية و الرياضية و الإلهيات و يوظفون البرهان المنطقي العقلي… بمعنى هناك علاقة وطيدة بين العلمانية و العلم و النظرية العلمية و العقل العلمي و البحث العلمي، و من ينكر هذا المعطى جاهل بالتاريخ العلماني لا يعرف هذا التاريخ و بالتالي غرضه هو غرض أيديولوجي حتى يقوم بتشويه معنى العلمانية و لهذا يقولون عليها ألا تنطق بكسر العين و سنبين هنا المعطيات الصحيحة :
كلمة علمانية، {بكسر العين}، ارتبطت بالثورات العلمية لأن فصل الذين عن السياسة ما كان سيتحقق لولا وقوع ثورة كوبيرنيك الذي بين أن مركز الكون هو الشمس و ليس الارض كما كانت نظرية أرسطو فالثورة الكوبيرنيكية عملت انقلاب كبير في العقل البشري و في فهم الانسان للعالم و للانسان و للكون،
فالكنيسة مدة 2000عام و هي تقوم في نظريتها حول الكون على كسمولوجية أرسطو طاليس، بمعنى نظام الكون الارسطي، وهو أن الأرض هي مركز الكون و أن الانسان بحكم أنه موجود في هذا المركز فهو أيضا الكائن المركزي لكن أتى كوبرنيك ليبين، أن الأرض ليست مركزا و إنما المركز هو الشمس و أن الارض مثلها مثل الكواكب الأخرى تدور حول الشمس، فهنا وقع اهتزاز في نظرية الكنيسة، هذه النظرية أضعفت سلطة الكنيسة و مهدت للعلمانية و مهدت لفصل الدين عن الدولة. إذن من يقول أن العلمانية لا علاقة لها بالعلم لا يعرف شيئا في تاريخ العلم.
هناك مسالة أخرى نظرية يوهانس كبلر حول الدوران، ثم جاء بعده غاليلي أيضا ثم نظرية الجاذبية عند اسحاق نيوتن ثم كل الثورات العلمية التي تلاحقت هذه 600 عام الأخيرة والتي أدت كلها إلى شيء أساسي و هي أنها افقدت الكنيسة أية شرعية علمية لأنها بينت أن العلم الحقيقي يقول شيء آخر غير ما تقوله الكنيسة و هذا ساهم في بروز معطى جديد و هو ظهور طبقة وسطى في أوروبا و هي الطبقة البورجوازية التي حملت الفكر العلمي و مولته ماديا ثم ظهور الجامعات التي بدأت تدرس نمط مختلف عن التدريس الكنسي لأن العلوم و الدراسة كانت فقط دينية كما عند المسلمين، حيث كانت القرووين و الأزهر و المدارس القرآنية هذا هو العلم عند المسلين قبل مجيء الدولة الحديثة، بمعنى التعليم كان كله دينيا حتى في الغرب و اكتشاف الجامعة التي ستدرس الناس تعليما خارج الاطار الديني هذا أيضا ساهم في ظهور العلمنة.
من بين الأمور التي درست الجامعة في النظريات العلمية الجديدة، إذن فالوعي العلماني ارتبط بالثورات العلمية لأنها أضعفت السلطة الدينية كالكنيسة و الملك و الاقطاعيين لأنه كان هناك ثالوث في أوروبا كان يسيطر على الشعب ويمتص كل خيراتهم ويظلم الناس بالفقر، وهذا الثالوث هو الكنيسة ورجال الدين، الملك ثم الاقطاع، هذه العوامل أيضا ساهمت فيها الاكتشافات الجغرافية الكبرى لأن الأوربيين اكتشفوا عوامل جديدة.
فالإنجليز اكتشفوا الهند والإسبان اكتشفوا العالم الجديد …فتغير مفهوم الانسان لأن الكنيسة ورجال الدين كانوا يبلورون مفهوم الانسان ولكن بطريقة دينية ولما تمت الكشوفات الجغرافية اكتشفوا الناس مفهوما آخر للإنسان الغير الموجود في الإنجيل ولا في التراث بل هو مفهوم جديد اكتشفوه بظهور حضارات جديدة.
هذه العوامل أدت بالمسلسل الأوروبي إلى العلمنة أي إلى ما نعتبره فصل الدين عن الدولة، فكيف ثم هذا؟
ثم بإحالة ممتلكات الدولة ووظائف الدولة على موظفين مدنيين ليسوا رجال الدين، وهذه هي العلمانية في حد ذاتها، لأنه قبل هذا من كان يسير المؤسسات هو رجل الدين وهذا ينطبق، علينا أيضا عند المسلمين، من كان يتولى المناصب، {الوزارة والقضاء وتسيير الدولة}، هم العلماء الذين يحملون إجازات في العلوم الشرعية وهم من كانوا يسيرون المؤسسات، بمعنى تسيير الدولة كان من اختصاص رجال الدين سواء عند المسلمين أو في الغرب، وبالتالي ظهور العلمنة لأن الناس عرفوا أنه لا يمكن تسيير الدولة تسييرا سليما بدون فصلها عن الدين.
والآن ما معنى العلمانية، {بفتح العين}، تعني تدبير شؤون هذا العالم والمجتمع انطلاقا مما هو أرضي عالمي أي من العقل، عندما ننطلق من العقل البشري حتى نقوم بتدبير شؤون المجتمع فهذه علمانية، فالعلمانية هي تسيير شؤون المجتمع انطلاقا من العقل.
وبعض الإخوان المحافظين ويحترمون عن آرائهم القائلة، بأن العلمانية لم يعرفها المسلمون وهذا بهتان وجهل كبير علينا تصحيحه.
المسلمون أيضا والحضارة الاسلامية عرفت اتجاه فكري يدعوا إلى تدبير ما هو أرضي بالعقل وحده والكتب والمراجع موجودة لمعرفة ما بلوره حول السياسة العقلية في مقابل السياسة الشرعية.
الفقهاء كانوا يقولون بالسياسة الشرعية، بمعنى علينا تسيير الدولة بالشريعة، وبالدين وهذه تسمى السياسة الشرعية في مقابلها الإسلام، ففي الحضارة الاسلامية، نجد السياسة الشرعية جاءوا بها فلاسفة وأدباء ومفكرون وعلماء…واتهموا بالزندقة والالحاد وهوجموا ومورس عليهم الارهاب كما يمارس علينا اليوم، وهي الوضعية نفسها، لم يتغير شيء عند المسلمون.
إذن من يقول أن الاسلام لم يعرف نزعة علمانية مادية تسعى إلى تدبير شؤون الدولة بالعقل لا يعرفون الحضارة الاسلامية إلا في جانبها الديني وعليهم أن يعترفوا أنهم لم يقرأوا إلا الدين والعلوم الشرعية، ولكنه يجهل الأدب، الفلسفة والتصوف، ويجهل العلوم العقلية عند المسلمين وإذا وقفنا على فكر أولئك الناس الذين بنوا نسق العلوم العقلية في الحضارة الاسلامية، نجدهم أنهم ناس يعتبرون أن الدولة ينبغي أن يتم تسييرها بالعقل وبمنطق العقل وهذا ما سمي عندهم بالسياسة العقلية ومراجعهم وكتبهم موجودة، وفيها الكثير جدا مما يمكن العودة إليه حتى نفهم كيف كان يفكر هؤلاء الناس في نموذج الدولة آنذاك، والغريب أن هؤلاء الناس عاشوا في إطار دولة الخلافة وهي دولة دينية ولهذا اضطهدوا واتهموا بالإلحاد والزندقة…إلخ، وهؤلاء الناس ألفوا كتب ضخمة، والغريب في الأمر أن نسق العلوم العقلية عند المسلمين هو من اتخذته أوروبا، أي هو الذي استلهمه الأوربيون وبنوا عليه نهضتهم، ولكن لم يأخذوا نسق العلوم الشرعية، لأنه خصوصي، خاص بالمسلمين وبما أن الأوربيون والغربيون ليس دينهم هو الاسلام فلم يأخذوا نسق العلوم الشرعية ولكنهم استفادوا كثيرا من نسق العلوم العقلية كما شيده واشتغل فيه المسلمون، إذن من يقول أن الحضارة الاسلامية لم تعرف العقلانية العلمية ولم تعرف النزعة العلمانية والنزعة المادية هو مخطئ فقط لأنه لم يسبق أن اطلع على تلك العلوم، وعرف فقط نسق العلوم الشرعية واعتقد أن الاسلام هو هذا الأخير وهذا غير صحيح، حيث إذا أردنا أن نتكلم عن الحضارة الاسلامية نأخذ كل ما أنتجه المسلمون، إذا أردنا أن نعرف كيف نشتغل، غير أن الدولة اليوم تذهب بشكل مختلف كما كان عليه الأمر من قبل.
هذه المعطيات الغرض منها هو فهم أن كلمة علمانية سواء {بكسر العين} أو فتحها، المعنيان معا صحيحان تاريخيا والسؤال المطروح هو ما هو بالضبط بشكل دقيق معنى العلمانية لأن هناك تشويش كبير والتباس بسبب أن بعض الاخوان المسلمون لا يتحملون حتى النقاش في الموضوع؟
هل العلمانية فعلا ضد الدين؟
هل العلمانية تحتقر المعتقد؟
هل العلمانية إلحاد؟
العلمانية لها ثلاث مستويات علينا توضيحها فيها:
– المعنى الأول: معنى فكري فلسفي: ما معنى العلمانية فلسفيا؟
وتعني سلطة العقل المستقل وقدرته على البحث واكتشاف الحقائق، وسلطة العقل مسألة أساسية في بناء الحضارات الانسانية والدول والمجتمعات ونلاحظ أن كل ما كان هناك إعلاء من قيمة العقل، كل ما كانت الحضارة متقدمة، وكل ما كان تبخيس من قيمة العقل وتحقيره كل ما كان المجتمع متخلفا لأن الحضارات لا تبنى بالعواطف ولا بالحروب ولا بالمذابح والاقتتالات، وبالشتائم والهجان وإنما تبنى بالعقل والعلم، الحضارات هي العلوم، هي العقل.
الحضارة الاسلامية عندما كانت في أوج ازدهارها في القرن الثالث هجرية، كانت العلوم مزدهرة وكان العقل مزدهرا سواء في المجال الديني حيث ازدهر الاجتهاد الفقهي وظهرت المذاهب الفقهية وازدهر نقاش المساجد أو العقل العلمي، فازدهر البحث في العلوم الطبيعية والرياضيات والهندسة والإلهيات والفلك وقامت دولة الخلافة في أيام ازدهار المسلمين بتخصيص ميزانية خاصة للترجمة حيث: كان اسحاق ابن حنين منسقا للترجمة رسمي عند الخليفة عبد الله المأمون وأعطيت له ميزانية حتى يترجم علوم اليونان وعلوم السريان والعلوم القديمة حتى يترجمها للعربية وتم خلق رواج كبير للفكر وعرفت الحضارة الاسلامية ازدهارا كبيرا، لماذا؟
لأن العقل كان ممجدا، عندما بدأ المسلمون بانحطاط بدأنا نسمع الأحاديث المنسوبة إلى النبي تحتقر العقل، لماذا؟
لأن في أيام الانحطاط وفي مراحل الانحطاط يخبوا العقل وتخبوا شعلته ويخبوا عطاءه فالمعنى الأول للعلمانية هو قوة العقل وسلطته واستقلاليته وقدرته على اكتشاف العطاء.
عندما تكون هناك قوة أخرى تقيم الحجر على العقل وتحجيبه، لا يستطيع العقل آنذاك اكتشاف شيء وبالتالي لا علم ولا ازدهار يكون التخلف والقمع، {أوروبا والمسلمين نموذجا}، فالمشاكل التي عرفتها أوروبا عرفها المسلمين نفسها فالكنيسة كانت تقوم بحرق العلماء وتقتلهم في أوروبا وتضع الحجر على العقل، ويكفي استحضار نصوص العلماء المسلمون والعقلانيون ماذا كتبوا ضد الفقهاء، مثلا الخوارزمي ضد فقهاء عصره، حيث لا يدعوهم يفكرون ولا يقيمون حججا ولا يفسحوا للناس المجال لوضع حججهم، مثلا نصوص الرازي ونصوص عباس ابن فرناس الذي اتهموه بالسحر لأنه كان يضع معادلات في الكيمياء والرياضيات في المختبر، إذن لا مبرر من يقول أوروبا كانت رافضة للعقل والعلوم…إلخ…
وإنما حتى الخلافة الإسلامية اضطهدت العلماء، سواء علماء الدين ومحنة عدد من الفقهاء والعلماء أو كذلك علماء العلوم العقلية.
وإذا لم نحرر العقل لا يمكن أن تبني العلم ولا الحضارة وللأسف لماذا المسلمون تخلفوا؟
لأنه جاء في أحد الأوقات في القرن الرابع هجرية وجاء أحد الحكماء من المسلمين ارتكب خطأ فاضح وهو وزير نظام الملك هو الذي أقر ما أسماه بإغلاق باب الاجتهاد، أي أن الدين اكتمل فهو واضح، بمعنى أن العقل علينا تحجيبه، وهنا ما بعد القرن الرابع، سنجد أن المسلمين بدأوا مراحل تخلفهم في تلك القرون الأولى، إذن السبب الرئيسي لتخلف المسلمين هو تخليهم عن العلم وعن العقل وتحقيرهم العقل وعندئذ دخلوا في مرحلة الوصاية والاستبداد والقهر والقمع وعبادة الأضرحة والأصنام البشرية…إلخ
المستوى الثاني لتحديد ما معنى العلمانية من بعد سلطة العقل واستقلاله وحريته هو:
مفهوم الاختلاف:
وهو معنى اجتماعي، أي أنك تعتبر المجتمع مختلف والناس مختلفين، سواء في المذاهب والآراء أو الأديان والمعتقدات، في الألوان، في اللغة والأعراف…إلخ، لكن هذا عليه ألا يجعلهم يتحاربون ويتقاتلون، بالعكس عليهم أن يتعايشوا بمحبة وأمان وهذه هي العلمانية.
العلمانية هي التي تضمن اجتماعيا أن تقبل بأخيك المواطن حتى لو اختلف معك وهذا المعنى أساسي في العلمانية.
إذن المعنى الاجتماعي للعلمانية هو القبول بالاختلاف واحترام الآخر مهما كان مختلفا واعتبار أنه انسان، يستحق أن يحترم لأنه ذو كرامة ولأنه اختار ما هو فيه اختيار حر.
ثم هناك المعنى الثالث الذي هو رائج عند الناس ويكتفون به وهو المعنى السياسي.
فصل الدين عن السياسة أو الدولة:
لأنه يتبين من تطور نماذج الدول، من أقدم العصور إلى الآن نجد أن الدول الدينية هي التي لم تحسم في قرارها بعد، لأن الدول الدينية كانت تعتمد الديانة الوثنية أو الدول التي كان فيها الحاكم إله، مثلا فرعون في مصر كان حاكما إله وكذلك في العديد من الدول مثل العراق ودول الشرق الأوسط، كانت المسيحية أصبحت الكنيسة مؤسسة وارتبطت الدولة وأصبحت الدولة مرتبطة بمؤسسة الكنيسة والمالكية يستمد شرعيته من الكنيسة وظهور الاسلام وتأسست دولة الخلافة، وأصبح فيها أيضا الخليفة يستمد شرعيته من الدين ومن مجلس يدعي أهل الحل والعقد وهم الناس العلماء، العارفون بالمرجعية الاسلامية، القادرين على الاجتهاد وتفسير الدين…إلخ وأصبحوا بتطور الدولة الاسلامية، حاشية السلطان، بمعنى أصبحوا يشكلون مجلس العلماء عند السلطان وفي أحيان كثيرة يعملون له الفتوى حسب الطلب، يعني أن الظاهرة التي نشهدها اليوم، أي الملك في المغرب يطلب رأي العلماء فهذا أمر كان موجودا دائما في الدولة الاسلامية.
أهل الحل والعقد أصبحوا مجلس العلماء لكنه مرتبط بالسلطان، وأدى هذا إلى ظهور ما يسمى بالأحكام السلطانية عند المسلمين، وبالتالي أصبحت دولة الخلافة دولة الاستبداد كما أصبحت الدولة الدينية، أي دولة الكنيسة في أوروبا، دولة الاستبداد، نفس الأمر، لأن الحاكم يستمد شرعيته من السماء والدين يعتبر نفسه منزها عن النقد، بمعنى كيف استعمل الحكام الاسلام ومارسوا به الاستبداد لأن الخطأ الذي يقع فيه عدد من إخواننا المحافظين، هو أنه حينما ننتقد المسلمين يعتقدون أننا ننتقد الدين ويرتكبون خطأ فادح، نحن ننتقد أخطاء المسلمين عبر تاريخهم ولا ننتقد الدين في نصوصه، نحن نمارس النقد ضد السياسة والدولة وضد استعمال الدين وتوظيفه في الدولة وليس ضد الدين ذاته، هذا لا يعني أن الاخوان المحافظون لا يفهمون هذا الامر، ولكن يتجاوزون الاقناع بما نقول حتى يظلوا يمارسون سلطتهم داخل الدولة ويقولون الاشاعات عن العلمانية كونها إلحاد وتمس بالدين وحرمته.
لكن ما يجب تأكيده هو أن استعمال تلاعب الدين في المعترك السياسي والدولة هذا أمر لن يجعل من الديمقراطية تبنى أبدا وليس هكذا في الأصل تبنى دولة القانون والحق والمساواة ودولة العدل، إذا ظل بعضنا يستعملون الدين والمعتقد ويعبثون به في السياسة الاسلامية.
العلمانية بين الخصوصي والكوني:
بعض الاخوان يؤكدون أن العلمانية بهذا المعنى هي غيرية ونحن سبق أن بينا في الحضارة جدور العلمانية، داخلها علميا وعند روادها الذين كتبوا عنها مراجع كثيرة، الآن في المغرب حينما نتكلم عن الخصوصي المغربي هل فعلا أن العلمانية لم يعرفها المغاربة؟
إذا كنا نتكلم عن علمانية فرنسا أو بريطانيا أو ألمانيا فهذا أمر صحيح، لأن المغاربة لم يعرفوا علمانية أروبا، ولكن إذا كنا نتكلم عن فصل الدين عن الدنيوي، ففي الأصل هذه ثقافة الأجداد قديما.
لكن تم طمس الثقافة المغربية والشعب المغربي منذ الاستقلال إلى الآن عندما تم تعريب الدولة وتعريب الشخصية والذهنية المغربية وأعطت لهم الاسلام والعروبة فقط كهوية.
العلمانية ليست إلحادا والدليل القاطع على ذلك وهو الناس الذين أسكتوا الخطيب في مسجد قنيطرة وينتمون للاتحاد الاشتراكي وحزب التقدم والاشتراكية، وحزب الحركة الشعبية، حيث أسكتوه لأنه ينتمي للتوحيد والاصلاح مؤكدين أنه ليس من حق الإمام استعمال المنبر لصالح حزبه، إذن السؤال، هل هؤلاء الشخصيات ليسوا علمانيون يؤمنون بالفصل بين الديني والسياسي ولكنهم يصلون، حيث أين وجدوا، ألم نجدهم في المسجد أثناء تصديهم للإمام؟
لذلك من يقول أن العلمانية إلحاد هذا جاهل أو يتجاهل الواقع، أغلب العلمانيون مؤمنون، إما بالمسيحية، وإما بالإسلام، وإما باليهودية…إلخ، أقلية صغيرة فقط من العلمانية هم من لا يؤمنون بالدين، لكن العلمانية ليست إلحادا، ثم العلمانية ليست ضد الدين بل بالعكس، في إطار الدولة العلمانية الأديان تزدهر وتنتشر.
الدولة الوحيدة التي فيها تزدهر وتنتشر الأديان بإيمان الأفراد هي في الدولة العلمانية ، أما في الدولة الدينية، يقمع المؤمنون الآخرون الذين يعتنقون ديانات أخرى، ويسجنون ويضطهدون… فإذن العلمانية تحمي الأديان، فلا يوجد مجتمع يحتوي دين واحد، كل مجتمعات العالم فيها أديان متعددة، أديان الأغلبية وأديان الأقليات، وتلك الأقليات تحميها العلمانية، ولكن لابد من العمل على الفصل السياسي عن الديني، حتى لا نسمح من سيتلاعب بالعقيدة في المجال السياسي ويضطهد المواطنين.
الأنظمة الاستبدادية استعملت الدين للتحكم في المجتمع:
الدولة الوطنية تعيش أزمة، وهذه الأزمة هي التي أنتجت نوعا من الازدواجية ونوعا من الإسكيزوفرينيا والأسباب متعددة:
– أن مفهوم الدولة الوطنية في بلدنا انبنى على نوع من الازدواجية التي اضطرت التوفيقية وهذه التوفيقية لم تنجح بالشكل المطلوب والازدواجية هنا هي ازدواجية بين التقليدانية والعصراناوية.
المغاربة عبروا عن رغبتهم في التشبث بالجدور، لكنهم لم يستطيعوا أن يحققوا الملائمة بين ما اعتبروه انتماءا للترات وما اعتبروه، انتماءا للعصر والسبب في ذلك هو أن هذا الأمر يحتاج للكثير من الشجاعة والشفافية لم تتأتى لنخبنا للأسف، فالوضوح والشفافية والشجاعة الوطنية لم تقم على حسم قطعي في الاختيارات.
– السبب الثاني هو أن الأنظمة التي تم ارساءها في شمال افريقيا والشرق الأوسط هي أنظمة استبدادية بدون استثناء، فيها الاستبداد العسكري والفردي والعائلة والأوليغارشية، كل هذه الأنواع من الاستبداد يستأثر بالحكم ويعتبره نوعا من الغلبة وليس نوعا من التعاقد وهذه الأنظمة الاستبدادية كلها استعملت الدين من أجل ضبط المجتمع والتحكم فيه، وهذه خلقت مشكلة عدم القدرة على القطع مع سلبيات الماضي.
– السبب الثالث هو التمركز المفرط للدولة الوطنية لأنها كانت دولة مركزية، جعلها تنكر عناصر التنوع والاختلاف داخلها وبالتالي تقوم على نوع من السعي إلى خلق النموذج الواحد وجعل الناس كلهم في قالب واحد، وهذا العنصر مهم جدا، لأنه حال بين هذه الشعوب والبلدان وبين الاستفادة من تراثها الغني بالعناصر الانسانية التي يمكن أن تنفع في المضي نحو المستقبل.
– السبب الرابع هو احتكار النظام التربوي من ظرف الأنظمة بمعنى أن التعليم ليس ورشا وطنيا من أجل بناء المواطنة وبناء المواطن، بل هو ورش يتبع لرهانات السلطة وتكتيكاتها الظرفية.
السلطات في هذه البلدان الذي نتحدث عنها ليست لها استراتيجية بعيدة المدى لأن السلطات غير الديمقراطية تخاف من الاستراتيجيات فهي تفضل التكتيكات الظرفية لكي تغير في كل مرة من تحالفاتها أو من أساليب عملها واحتكار النظام التربوي يجعل أن التعليم لا يلعب دوره في بناء المواطنة بل يخضع لرهانات السلطة وأهدافها ولهذا إذا كانت السلطة تخشى من السوسيولوجيا ومن الفلسفة فإنها تغلق هذه الشعب وتفتح شعبة الدراسات الاسلامية لأنها تعتقد أن الدين يخلق قيم الطاعة والولاء لذى الشعب، ولكن عندما يتكاثر الاسلاميون والمتشددون تضطر لفتح شعب الفلسفة والسوسيولوجيا في العديد من الجامعات لأنها احتاجت إليها وتضطر إلى التضييق على التيار المحافظ ببعض التدابير، هذا معناه أن الدولة لم تحسم وإنما تلعب على الحبلين.
الأخلاق والإيمان:
هناك أيضا فيما يتعلق بالأخلاق وإلزامية القانون، هناك فرق في مرجعيتنا في الدولة بين الشريعة والقانون، والزامية القانون في الدولة الوطنية الحديثة قائمة على وازع أخلاقي باطني يعتبر مفهوم الواجب، كمواطن أن من واجبي أن أقف في الضوء الأحمر لأني إذا لم أحترم هذا القانون فسيؤدي الأمر إلى مآسي اجتماعية وإلى حوادث وإلى مخاطر بينما في المرجعية الشرعية الالزامية ليست هي إلزامية الواجب القاضي من داخل الشخصية الانسانية والوعي الانساني، بل الواجب هنا هو تطبيق الشرع وإيمانا، بمعنى أن المؤمن يعتبر أن واجبه أن يطبق الشرع فهو سيلتزم بقانون أو شريعة ما من منطلق إيمانه.
وفي حالة عدم الإيمان أو الإيمان بديانات أخرى، ماذا سنفعل؟
ألن نحترم القوانين؟
وفي الحقيقة هذا هو مشكل مرجعية الشريعة…لماذا يقول المسلم أن هذه الشريعة حق وينبغي أن يطبق على الجميع؟؟ ماذا سيفعل بغير المؤمنين وماذا سيفعل بغير المسلمين، سوف لن يحترموا ذلك القانون لأنه مرتبط بشريعة دين معين وليس محايدا وليس عاما؟؟
ثم أخيرا فيما يتعلق:
بالفرق بين التدبير والضبط والتحكم:
في الدولة الوطنية الحديثة، هناك تدبير لشؤون الدولة والمجتمع والاختلافات، بينما في المرجعية الشرعية هناك الضبط والتحكم و نوع من الرقابة التي تفرضها السلطة على المجتمع وخاصة في المجال الأخلاقي ومجال السوق…إلخ
وأعتقد أن هذا غير ممكن في السياق الذي نعيشه.
خلاصة القول، السبب الر ئيسي الذي يجعلنا نطالب بعلمنة الدولة والفصل بين الديني والسياسي وبين الدين والدولة هو أننا انتقلنا إلى الدولة الحديثة، ولا يمكن لنا أن ننتقل إلى الدولة الحديثة بأجهزتها المتعارف عليها وأن تبقى الدين في الدولة وتستعمله في السياسة، إذا أردنا أن نبقي الدين في الدولة علينا أن نتراجع عن الدولة الحديثة، ونعود إلى الدولة التي كانت قبل 1912 في المغرب مثلا، قبل تعرفنا على نموذج الدولة الحديثة. {النموذج الفرنسي}
هناك من يريد أن يبقي الدين كما كان في الدولة السابقة، وهذا لا يمكن والدليل على ذلك أن الدول التي تستعمل أجهزة الدول الحديثة وفي نفس الوقت تفرض الدين رسميا وتقهر الناس به مثل إيران أو السودان هي دول كاريكاتورية غير منسجمة وتشبه السجن الكبير الذي يسجن فيه كل المواطنين، لا توجد الحريات، حيث كل المبدعين الكبار والمفكرين يوجدون خارج البلد أو في السجون أو قتلوا ودفنوا.
الخلط بين الديني والسياسي في الاسلام أدى منذ بداية الاسلام إلى مذاهب طاحنة هي الفتنة الكبرى، بدأ تاريخ الاسلام بقتلة كثر، قتل فيها الصحابة والكثير، ولماذا؟
لأن المسلمين قرروا أن يستعملوا الدين ضد بعضهم البعض في الصراعات السياسية.
استمر الأمر على ذلك 14ق وعادت الحروب الآن في العراق وسوريا لنفس السبب، وهو استعمال الدين في السياسة، حيث يريد العراقيون دولة شيعية ليسحقوا السنة ويريد السوريون دولة سنية ليسحقوا الشيعة…إلخ، وبالتالي لن نخرج من الأزمة.
هذا هو السبب الذي جعلنا ندعو إلى العلمنة ليس لضد الدين بل لأن الفضاء الوحيد الذي تتعايش فيه الأديان وتحترم هو فضاء العلمانية أما أن تفرض عقيدتك على الناس بالقهر والحبس…إلخ، هذه ليست دولة تشرف أبناءها.