أخر تحديث : الأربعاء 16 أغسطس 2017 - 1:00 مساءً

دعوة للاقتداء بالقائدة شيماء

بتاريخ 16 أغسطس, 2017
دعوة للاقتداء بالقائدة شيماء

اسماعيل الحلوتي –

بارتدائها زيا عسكريا، والخروج في عز حرارة الصيف رفقة “كتيبة” من عناصر القوات المساعدة وموظفين إداريين، تكون الشابة شيماء الشهباوي رئيسة المقاطعة الحضرية الثانية بمدينة آزرو، قد أعلنت عن بداية معركة “مقدسة” ضد المترامين على الملك العمومي من أرباب المقاهي والمحلات التجارية والحرفيين والباعة المتجولين. وباعتبار هذه الخرجة الميدانية، أول مبادرة تأتي مباشرة بعد خطاب العرش التاريخي بمناسبة الذكرى 18، الذي انتقد فيه عاهل البلاد الإدارة العمومية، لما تعانيه من مشاكل تحول دون فعاليتها على مستوى الحكامة أو النجاعة وجودة الخدمات، وافتقاد الموظفين ما يكفي من الكفاءة والطموح وروح المسؤولية، كان طبيعيا أن تلقى تجاوبا كبيرا لدى رواد مواقع التواصل الاجتماعي وتكشف عن مدى حاجة المغاربة إلى من يعيد لهم الثقة في الحد من الفوضى.
وباعتباري واحدا من المتشبثين بالأمل في غد أفضل لأبنائنا، فإننا باركنا خطوة القائدة الشابة، لاسيما وأننا صرنا نعيش في زمن ننبهر فيه لمن يقوم بواجبه، لافتقارنا إلى مثل هذه الفئة من الموظفات والموظفين، الذين يتفانون في القيام بمهامهم استجابة للواجب الوطني ومن أجل خدمة الصالح العام. وتمنينا صادقين ألا تكون هذه المبادرة يتيمة أو مجرد ردة فعل عابرة. وأن يعمل كبار المسؤولين على تعميمها في كافة المقاطعات فوق التراب الوطني، خاصة في مدينة بحجم الدار البيضاء، التي تعيش ساكنتها تحت ضغط كابوس رهيب، لم يفتأ يقض المضاجع ويقلب المواجع، متجليا في “العدوان الاستيطاني” على الملك العمومي، جراء مظاهر التسيب التي تصل حد إغلاق الممرات والأرصفة وتشويه وجه المدينة، وأمست تعرض حياة الراجلين إلى أخطار محدقة.
فالعاصمة الاقتصادية التي تعرف نشاطا مكثفا وتعيش على وقع حركة اقتصادية دائبة، سبق للملك محمد السادس أن خصها بحيز زمني هام في أحد خطبه السامية عام 2013، وجه فيه انتقادات قوية للمجالس المنتخبة المتعاقبة، متسائلا: “هل يعقل أن تظل فضاء للتناقضات الكبرى إلى الحد الذي يجعلها من أضعف النماذج في مجال التدبير الترابي”، مازالت إلى اليوم في عهد سيطرة حزب العدالة والتنمية على تدبير الشأن العام المحلي، برئاسة غالبية المجالس والجماعات وعمودية المدينة، تعيش تحت آثار التلوث واكتظاظ الشوارع والأحياء. إذ في تحد سافر للقانون، استشرت ظاهرة الاستغلال العشوائي وغير المشروع للملك العمومي، من لدن أرباب المحلات التجارية والمقاهي والمطاعم، وزاد الأمر تعقيدا تكاثر أعداد الباعة المتجولين أمام ارتفاع نسبة البطالة، الذين باتوا يحتلون الفضاء العام في الشوارع الرئيسية والأحياء والأزقة ويحولونها إلى أسواق عشوائية، ويحاصرون القيسارات والمساجد والمؤسسات التعليمية، مما بات يساهم في عرقلة السير والجولان ويزعج راحة المواطنين حتى أمام بيوتهم.
والمثير للاستغراب أن مصالح مجلس المدينة المتبجح أعضاؤه بالجدية ونكران الذات، تقف مكتوفة الأيدي حيال هذا المسلسل من الخروقات والاستفزازات اليومية، متجاهلة ما قد يترتب عن تساهلها من تداعيات خطيرة، دون أن تكون لها الجرأة في تنفيذ القوانين خوفا من ردات الفعل غير المحسوبة العواقب، وتكتفي ببعض الحملات الموسمية من حين لآخر لذر الرماد في العيون، وكلما حاصرتها عرائض الاستنكار والشكايات عبر الصحف والمواقع الإلكترونية والوقفات الاحتجاجية…
فالقانون لا يسمح باستغلال أرباب المطاعم والمقاهي والمحلات التجارية أكثر من متر واحد، لكن الجشع أعمى أبصارهم وبصائرهم، وجعلهم في ظل تفشي الرشوة والمحسوبية يضربون عرض الحائط بالقوانين ويستولون على أرصفة بكاملها دون مراعاة سلامة المواطنين، وهو ما يكشف عن غياب الإرادة لدى عديد المسؤولين في فرض هيبة الدولة، وإشاعة الانضباط وبسط النظام في أرجاء المدينة، التي أضحت بعض فضاءاتها عبارة عن “مستعمرات”، لا يمكن لأي كان الاقتراب منها أو محاولة تفكيك وحداتها من طاولات وكراسي وعربات و”فراشات”… ألا يستدعي مثل هذا “الغزو” الآثم، تدخل الجهات المسؤولة لتخليص المدينة وإعادة السكينة والطمأنينة للساكنة البيضاوية، إذ لم يعد مقبولا الإساءة إلى جمالية أحيائنا وشوارعنا، ولا ان ينحصر التنافس بين أصحاب المقاهي والمحلات التجارية في احتلال أكبر مساحة وتحويلها إلى ملحقة لاستقبال زبناء جدد، عوض حسن المعاملات وجودة الخدمات؟
ذلك أنه في غياب روح المواطنة الخالصة وانعدام الحس بالمسؤولية، تستمر معاناة البيضاويين وتظل مدينتهم في قائمة المدن المغربية، التي تشكو من ظاهرة التطاول على الملك العام خارج القانون، إذ طالما كشفت التقارير السنوية للمجلس الأعلى للحسابات عن فقدان الجماعات ثروات هائلة، بسبب ذهاب ربعها إلى جيوب الفاسدين، لعدم استخلاص الرسوم المفروضة على الاحتلال المؤقت للملك العمومي، وتغاضي السلطات عن المراقبة وتنفيذ القوانين المرتبطة بشغل الأملاك العمومية بصفة غير قانونية. فأصحاب المقاهي والمحلات التجارية يستغلون العلاقات الزبونية في احتلال اجزاء هامة من قارعة الطريق والقيام بتبليطها وتزيينها، وهم مطمئنون على ألا أحد سيصادر كراسيهم وطاولاتهم وسلعهم من على الأرصفة، وإحالتها على المحجز البلدي كإحدى وسائل الردع السابقة، للتخفيف من حدة الاكتظاظ في الشوارع والأحياء…
إن الحديث عن آفة احتلال الملك العمومي قد يطول دون إيجاد الحلول، ما لم تتوفر الإرادة القوية للقطع مع زمن الإتاوات اللامشروعة ومنطق “باك صاحبي”، إذ بات ملحا التفكير في وضع آليات حديثة للحد من انتشار الحرفيين والباعة المتجولين في الطوارات والشوارع والأزقة والساحات العمومية، والتشديد على معاقبة التجار وأرباب المقاهي والمطاعم المخالفين للقوانين. وأملنا كبير في أن تواصل القائدة شيماء معركتها بنفس الإصرار والحزم، وأن يحدو حدوها آخرون من النساء والرجال الصادقين.