أخر تحديث : الأربعاء 27 يونيو 2018 - 9:20 مساءً

قصة: وأخيرا انتصرت حنان على السرطان !

بتاريخ 27 يونيو, 2018
قصة: وأخيرا انتصرت حنان على السرطان !

اسماعيل الحلوتي

بإحدى مصحات مدينة الدار البيضاء، ومنذ مرور زهاء أربعين سنة أو يزيد قليلا، كتب ل”حنان” أن تطلق صرختها الأولى معلنة عن خروجها إلى دوامة الحياة، وكم كانت سعادة الأب كبيرة وفرحة الأم شديدة بأن حقق الله لهما أمنيتهما ورزقهما مولودة أنثى بعد ثلاثة أبناء ذكور وطول انتظار…
وهكذا نشأت حنان ذات الجذور المراكشية من جهة الأم التي تعمل ممرضة بأحد المستشفيات، والدكالية من ناحية الأب المدرس بالتعليم الأساسي، في أحضان أسرة يسودها التواؤم والتلاحم، رغم معاناة الأبوين من تردي الأوضاع بقطاعي الصحة والتعليم وهزالة الراتب، ورثت عنهما البشاشة والقدرة على التحمل والتواضع والقناعة وحب الناس… والأجمل من ذلك كله أنها كانت مجدة في دراستها وشغوفة بالمطالعة وتوسيع آفاق معرفتها، عنيدة وشديدة التنافس مع أخيها الذي ولد قبلها. واستمرت في حصد النتائج الجيدة إلى أن تمكنت من الحصول على الإجازة في علوم الحياة والأرض…
ظلت حنان عاطلة عن العمل أزيد من عامين دون أن تشعر في أي لحظة بالاستياء والتبرم، مادام أكبر إخوتها يؤمن لها ما تحتاجه من مصاريف. وللحيلولة دون تسرب الملل إليها، فكرت في ملء فراغها إما بمواصلة الدراسات العليا أو الانخراط في تنمية المجتمع عبر العمل التطوعي بإحدى الجمعيات، لكن لم يلبث الحظ أن ابتسم لها من جديد، وفتح قطاع التعليم العمومي ذراعيه لاحتضانها كأستاذة التعليم الثانوي التأهيلي بالمدينة نفسها. وبعد مرور ثلاث سنوات من العمل، وجدت فجأة علاقة الزمالة مع أحد أساتذة مادة العلوم الفيزيائية تتحول إلى علاقة عاطفية، وزاد في توطيدها وتعميقها تقاسمهما تدريس نفس الأقسام الدراسية، والمشاركة معا في عديد الأنشطة والرحلات المدرسية…
وبعد مضي عامين عن علاقتهما العاطفية، أعلنا عن زواجهما بإقامة عرس فاخر في إحدى قاعات الأفراح الكبيرة. واستمرت أيامهما حافلة بالمباهج والمسرات في أجواء من السعادة والتفاهم والانسجام. أثمر قرانهما بنتا أولى ثم طفل ثان ذكر، اتفقا على أن يكون الأخير وألا يعودا إلى الانجاب مرة ثالثة، وتكريس جهودهما في حسن رعاية طفليهما: نجاة وخالد.
ولأنها كسائر البشر لا تعلم ما يخفيه لها القدر، كانت نقطة التحول التي قلبت حياتها رأسا على عقب، هي ذلك الشعور الغريب بورم صغير في ثديها الأيسر منذ مدة. تضاعف قلقها وكبرت وساوسها عندما دعتها إحدى صديقاتها بعد أن كشفت لها عن سر سهوها المتكرر، إلى ضرورة عيادة طبيب مختص وعرض حالتها عليه للتأكد إذا ما كان الأمر عاديا، أو يتعلق لا قدر الله بداء السرطان، الذي يكون قد تسلل إلى أحد مفاتنها ورمز أنوثتها. تخيلت لحظتها نفسها بدون ثدي، وتساءلت إن كان رفيق عمرها وأب طفليها سيقبل بها من غير ثدي أم سيفضل الانفصال عنها والبحث عن أخرى؟ وكان عليها لتبديد مخاوفها والتخلص من التوتر الذي صار ملازما لها وأفقدها ابتسامتها ولذتي الأكل والنوم، وجعلها تتحاشى الحديث حتى مع زوجها وطفليها البالغين من العمر 12 سنة وعشر سنوات، أن تسارع إلى تشخيص حالتها لدى أحد الأطباء الإخصائيين، الذي طالبها بعد الكشف بإجراء ما يلزم من فحوصات وأشعة الماموغرام وتحاليل…
دخلت في دوامة تجربة صعبة، يتنامى القلق والترقب مع كل نتيجة جديدة. وكان الطبيب قبل إجرائه عملية جراحية لأخذ عينة، قد هيأها نفسيا لكل الاحتمالات الواردة بما فيها بتر الثدي إن دعت الضرورة إلى ذلك. فكانت صدمتها أقوى مما يحتمل، اهتزت الأرض من تحت قدميها وأحست بالدوران والعرق يتصبب باردا على جسدها، حينما تأكد لها وجود خلايا سرطانية متشعبة بفعل تأخر الكشف، وأنه يتحتم عليها الخضوع الفوري للعلاج عبر حصص الأشعة…
حمدت الله على عدم بتر ثديها، وفكرت في ما سيترتب عن صعوبات العلاج الكيميائي وتبعاته، في فقدان الشعر وشهية الأكل والنوم، في تعرضها للهزال ونظرات الناس ووشوشاتهم وفي طفليها وزوجها وأمها وأبيها وصديقاتها وتلامذتها… كابوس رهيب بات يلاحقها. إلا أنها تذكرت عدد النساء اللواتي يعانين بصمت في قمم الجبال والقرى النائية، جراء تفشي الفقر وانعدام المراكز الصحية للعلاج. إذاك فقط شعرت بالسكينة والطمأنينة، لاسيما في ظل الدعم الذي يحيطه بها زوجها وأبواها وصديقاتها، وتعاظم استعدادها لخوض المعركة بكل ما أوتيت من قوة، عندما اعتبرت الأمر مجرد ابتلاء من الله… ولإيمانها الشديد بالقضاء والقدر ومؤازرة الأقارب والطاقم الطبي المعالج، خضعت لمسلسل العلاج الكيمياوي. كانت تشعر بآلام فظيعة وتنتابها نوبات من الغثيان، ضمور الجسم وتساقط خصلات الشعر، لتدرك أن الأمر أخطر مما توقعت، ساعدها زوجها في حلق رأسها بشكل هادئ ودون أن تبدي أي تبرم. قاومت بشدة، لم تستسلم للهزات النفسية ولا لأوجاع الجسد، وقررت أن ترفع التحدي بإرادة قوية.
وبعد تمكنها من هزم الداء واستعادة شعرها وابتسامتها ورشاقتها… لا تخفي حنان ما مرت به من ظروف عصيبة، كادت تفقدها توازنها وتماسكها، حيث لم تكن تقوى أحيانا حتى على النظر إلى المرآة. وتؤكد على أن رحلة العلاج كانت هي المرحلة الأخطر، وأنها بفضل مقاومتها الشديدة وتضامن الأهل والأصدقاء طوال خمسة أعوام، استطاعت النجاة من الاكتئاب والانتصار على المرض. وهي اليوم تنشط رفقة زوجها في إحدى الجمعيات، من أجل رفع جزء من المعاناة عن مرضى السرطان.