أخر تحديث : الإثنين 6 نوفمبر 2017 - 12:19 مساءً

قضية الطلبة المعتقلين بالجديدة : السياق و الدلالات

بتاريخ 6 نوفمبر, 2017
قضية الطلبة المعتقلين بالجديدة : السياق و الدلالات

عبد الله المستعين –

شكل تاريخ الخميس 19 اكتوبر 2017 أو كما يستحسن نعته بيوم “الخميس الأسود” نظرا لما عرفه من حدث إجرامي مارسه المخزن في حق الجماهير الطلابية بموقع الجديدة شكل القمع و الاعتقال من خلاله لغته الخاصة، إنه “تاريخ الصراخ” الذي يشق الجدران من جانبين متناقضين، الجانب الأول هو جانب الأجهزة القمعية المخزنية المتجسدة كامتداد عضوي للكتلة الطبقية الحاكمة التي صرخت في وجه الفعل النضالي الفاضح لسياساتها لتنتقل من جانب الصراخ إلى جانب الفعل عبر قمع احتجاجات طلبة الحي الجامعي بالجديدة و اعتقال أربعة طلبة، ضمن مؤامرة خبيثة تهدف إلى إخراس الأصوات الحرة التي تفضح سياساته الطبقية تجاه الجماهير الشعبية و ضمنها الجماهير الطلابية بما هي هجمة شاملة تشمل إقبار ما تبقى من معالم المنظومة التعليمية بالمغرب.
أما الجانب الثاني هو جانب الجماهير الطلابية كجزء لا يتجزء من الجماهير الشعبية الكادحة التي ترفض عبر تعبيراتها الاحتجاجية و البنيوية كل المخططات الطبقية التي يمارسها “المخزن” حفاظا على استمراريته كسلطة سياسية و ايديولوجية بما هو ضمان لمصالحه الاقتصادية التي راكمها على حساب خيرات و ثروات الشعب المغربي، و ضمن دينامية هذا الصراع جاءت احتجاجات طلبة الحي الجامعي بالجديدة لانتزاع حقوقها العادلة و المشروعة كفرز نوعي للصراع العام من أجل مغرب الديمقراطية و الحداثة و حقوق الإنسان، مما جعل من الأجهزة البوليسية للمخزن تفبرك مؤامرة أسفرت عن اعتقال أربعة طلبة من خيرة أبناء شعبنا لا لشيء سوى دفاعهم النزيه و العقلاني عن حقوق رفاقهم و رفيقاتهم من الطلبة.
و في هذا الصدد يستلزم طرح التساؤلات التي بصددها تتضح الرؤية و تتشكل الأذرع الواقية للتضليل باعتبار هذا الأخير “أبشع وسائل القمع” بتعبير الشهيد عمر بنجلون، لذا من حقنا التساؤل بشكل مشروع : ضمن أي سياق تم اعتقال طلبة الجديدة ؟ و ما هي أهم الدلالات و الدروس المستمدة من معركة الجماهير الطلابية بموقع الجديدة ؟، و تجدر الإشارة من باب التوضيح و التأكيد على أن “المخزن” و أذنابه و و حتى المستنبطين لتصوراته الايديولوجية بشكل لاشعوري أي ضحايا “العنف الرمزي” الذي يشكل ((فرضا من قبل جهة متعسفة لتعسف ثقافي معين.)) (1) حسب السوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو، كل هؤلاء الفاعلين المذكورين سلفا يعملون على تزوير حقيقة الممارسات القمعية تجاه الجماهير الطلابية بموقع الجديدة و عموم الوطن عبر نشر التضليل و الأكاذيب و معاني الإحباط و اليأس التي تشوش على إدراك معاني القمع المخزني الراسخ في بنية المتخيل الفردي أو الجمعي للمغاربة عامة باعتبار هذه البنية –بنية المتخيل طبعا- ذلك ((الفضاء المتشكل من الكيفيات المتعددة التي يهب بها الإنسان المعنى للأشياء، و ذلك قصد تملكها دلاليا و ماديا.)) (2)، و بالتالي يجب على الجماهير الطلابية تحصين الوعي من أي غموض أو تضليل أو تشويش يضرب في وضوح الأشياء و الفعل و تبيان و استكناه حقيقة الممارسات القمعية للمخزن لكي تصير الممارسة النضالية مرتبطة بشكل جدلي مع نظرية التغيير بما هي نظرية تفضح واقع التفاوت الطبقي و تستشرف بناء وطن ديمقراطي يتسع للجميع.
قبل الخوض في غمار التفاعل مع الأسئلة الملقاة سلفا، يستلزم التأكيد على أن هذه السطور تسير على خطى منهجية معقلنة للوصول إلى الحقيقة و إيضاحها في مواجهة التضليل و الكذب الذي يصطنعه المخزن لتشويه ملامح معركة الجماهير الطلابية بموقع الجديدة، و هنا يحضرني تعريف قدمه المفكر المغربي محمد عابد الجابري للمنهج العلمي قائلا ((جملة من العمليات العلمية، و الخطوات العملية (…) من أجل الكشف عن الحقيقة و البرهنة عليها.)) (3)، و لعل هذا التعريف يترجم سير هذا العمل بما هو عمل منهجي و منظم يندرج ضمن فعل نضالي من نوع آخر هو “نضال القلم” كما أحب تسميته و ذلك بهدف اكتشاف الحقيقة و التعريف بها.
1-حول السياق :
واقعة اعتقال الطلبة الأربع بالموقع الجامعي-الجديدة تأتي ضمن سياق بما هو احتواء لثلاث عناصر مهمة و هي : الزمن و المجال و الحدث، يمكن تقسيم هذا السياق إلى نوعين :
1-1- سياق عام.
2-1- سياق خاص.
1-1- السياق العام :
إن السياق العام الذي يطبع المجتمع المغربي الذي يحتوي عدة تناقضات متصارعة و متداخلة و معقدة على مستوى الوعي و الفهم و يتجلها أبرز في الصراع بين “كتلة مخزنية حاكمة” تهدف إلى ضمان استمرارها ضمن موقع السلطة السياسية و الايديولوجية التي تستعمل ((بطريقة دفاعية أساسا (…) و تستخدم السلطة قبل كل شيء للدفاع عن الثروة، إلا أن صاحبها يسعى إلى توسيع حجمها بكل حذر…)) (4)، انطلاقا من ما ذكره الباحث جون واتربوري يظهر على أن الكتلة المخزنية الحاكمة تمارس سلطتها حفاظا على ذاتها كسلطة سياسية مما هو ضمان لمصالحها الاقتصادية الذي يحافظ على ما راكمته من ثروات على حساب خيرات الوطن المغتصبة و حقوق “الجماهير الشعبية” التي تشكل الطرف الأساسي في الصراع، فعبر الآليات الدفاعية التي يمارسها المخزن بما هي آليات قمعية تفضح طبيعته الاستبدادية و التي تساهم في تعميق أزمة الجماهير الشعبية المغربية تنتفض هذه الأخيرة رافضة لكل أشكال الحصار و القمع المضروب عليها مطالبة باسترجاع خيراتها و حقوقها العادلة و المشروعة، و لعل ما عرفه المغرب منذ سنة 2011 مع الحراك الاجتماعي الذي قادته حركة 20 فبراير و تلى ذلك من ظهور تنسيقيات و حركات احتجاجية فئوية (تنسيقية التقاعد – الأساتذة المتدربين – حركة 10000 إطار تربوي خريجي البرنامج الحكومي…) وصولا إلى حراك الريف بعد استشهاد شهيد الكرامة “محسن فكري” انطلاقا من أواخر السنة الماضية 2016 و كذلك “انتفاضة العطش” بزاكورة هذه السنة و الحراك الطلابي بعدة مواقع جامعية (فاس،وجدة،طنجة،الرباط،الجديدة…)، كل هاته الأشكال الاحتجاجية الميدانية و ما رافقها من حملات حصار و اغتيالات و قمع و اعتقال في صفوف المناضلات و المناضلين ما هي إلا مؤشرات و تعبيرات تؤكد احتدام الصراع بين قوى الاستبداد المتجسدة في “المخزن” التي ترفض التغيير و تعمل على استمرار الوضع السائد بما هو ضمان لمصالحها و بين قوى التغيير و الكرامة الانسانية المتمثلة في “الجماهير الشعبية” بكل فئاتها التي تناضل لتجاوز الوضع السائد و تنشد التغيير لبناء مغرب أفضل يضمن للعمال و الفلاحين و عموم الكادحين الكرامة و الحرية و المساواة و العيش الكريم، و بالتالي فالحراك الطلابي بموقع الجديدة جزء من هذا السياق العام بما هو صراع من أجل تحسين أوضاع الجماهير الطلابية و رفع القمع و العسكرة و الحيف على الجامعة.
2-1 – السياق الخاص :
بعد افتتاح الموسم الجامعي 2017/2018، خاضت الجماهير الطلابية بالحي الجامعي بالجديدة استمرارا في نضالاتها عدة معارك سلمية في مواجهة سياسات إدارة الحي الجامعي باعتبارها جزءا من الجهاز الإداري للمخزن التي تواجه الطلبة بالإقصاء و اللامبالاة و التهميش، زد على ذلك خوض فعل النضال من أجل تجسيد الحقوق العادلة و المشروعة على أرض الواقع و على رأسها “المطعم الجامعي”، كل هذا المخاض أدى بالمخزن إلى ابتكار مؤامرة خبيثة وظف خلالها جل آلياته (المخابرات – الاعلام – الأذناب – الأتباع/المريدين…) بهدف تكسير الفعل النضالي و إقباره و الزج بالمناضلين في غياهب السجون ظنا منه بأنه سيصل إلى هدفه الخبيث، و لكن رغم توظيف أحد العناصر البوليسية المشبوهة يوم “الخميس الأسود” لاستفزاز الجماهير الطلابية بالحي الجامعي إلا أن رد الفعل كان بشكل حكيم و معقلن و لكن رغم ذلك شرعن ضبط هذا العنصر البوليسي – ضبطه بطريقة عقلانية و حكيمة و ليس بطريقة إجرامية عنيفة كما يروج لذلك المخزن – تدخل الأجهزة القمعية التي اغتصبت حرمة الحي الجامعي و اقتحمته لقمع الطلبة و اعتقال الطلبة المستهدفين بمساعدة شخص لا صلة قانونية بالأجهزة البوليسية حتى يوجه عملية التدخل و هو “رئيس مصلحة الشؤون الطلابية بالحي الجامعي” الذي ساعد البوليس على اعتقال الطلبة القابعين حاليا بسجن سيدي موسى.
هذا التدخل القمعي في حق طلبة الحي الجامعي و اعتقال اربعة طلبة و متابعتهم بتهم ثقيلة لا علاقة لهم بها و ما هي إلا تهم ملفقة للنيل من العزيمة النضالية للجماهير الطلابية و لكن العكس كان هو الصحيح، بحيث أن الجماهير الطلابية من داخل الحي الجامعي و عموم طلبة جامعة شعيب الدكالي بالجديدة من داخل إطارهم النقابي “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب” دخلوا في معركة نضالية لا زالت مستمرة إلى اليوم عبر تظاهرات احتجاجية و أشكال نضالية (مسيرات – وقفات – مقاطعة الدراسة – اعتصامات…) من أجل إطلاق رفاقهم المعتقلين خلف زنازن المخزن و ضد عسكرة الجامعة، هذا الفعل النضالي الذي وجد مشروعيته في التضامن المكثف للجماهير الطلابية ضمن وحدة طلابية قوية مع تضامن القوى الديمقراطية داخل و خارج موقع الجديدة و المطالبة بإطلاق سراح الطلبة المعتقلين، كل هذا يبرز مدى استمرار المخزن في مقاربته القمعية التقليدية التي عهدناها منذ سنين و عهود مضت بهدف اخراس صوت الفاضحين لسياساته من جهة، بالإضافة إلى قوة و وحدة الجماهير الطلابية كجزء لا يتجزء من الجماهير الشعبية التي تناضل ضد العسكرة و القمع و من أجل مغرب الديمقراطية.
بعد إبراز السياقات المتعلقة بالقضية يتبقى الحديث عن أهم الدلالات و الدروس المستمدة من معركة الجماهير الطلابية بموقع الجديدة باعتبارها ملحمة نضالية تعكس مدى النضج و الوعي الشعبي المنغرس وسط هاته الجماهير ضد كل أشكال التضييق و القمع و الاعتقال.
2-الدلالات و الدروس :
معركة الجماهير الطلابية بالجديدة ليست دينامية نضالية من أجل إطلاق سراح الطلبة المعتقلين بالموقع فحسب، بل هي فضاء لتعميق الرؤية لاستنباط الدروس و الدلالات عبر ممارسات الفاعلين من كلا الجانبين سواء “المخزن” أو “الطلبة” و غاية كل فاعل على حدة، الشيء الذي يجعلنا نرى هذه الدلالات و نستنبطها من جانبين :
1-2 – الجانب المخزني.
2-2 – الجانب الطلابي.
1-2 – الجانب المخزني :
إن أهم الدلالات التي تبرز انطلاقا من ممارسات المخزن القمعية في حق الجماهير الطلابية بموقع الجديدة و عموم المواقع الجامعية، و هي “تكريس سلطة الاستبداد” بما هي سلطة يهدف من خلالها كما أشرنا سلفا إلى ضمان استمراره على مستوى الحقول التي يتحكم من خلالها في الوضع المجتمعي العام و ذلك عبر آليات القمع و الاعتقال و نشر الأكاذيب و التضليل، بالإضافة إلى “وضوح طبيعته الطبقية” باعتباره يمثل فئة الأقلية المهيمنة على مجمل الخيرات و السلط و تهدف إلى استمرار الوضع بما هو ضامن لمصالحها، زد على هذا “التناقض بين الشعارات و الواقع” بحيث يطرح المخزن عدة شعارات عبر آلياته الاعلامية و المؤسساتية من قبيل “العهد الجديد” و “دولة الحق و القانون” و “الديمقراطية التشاركية”، بينما على أرض الواقع حيث تظهر صحة هذه الشعارات من كذبها عبر تنزيلها يظهر عكس مضمون هذه الشعارات كما يظهر عبر مواجهة الاحتجاجات الشعبية بالقمع و الاعتقال و الحصار.
2-2 – الجانب الطلابي :
“لكل معركة جماهيرية صداها في الجامعة”، انطلاقا من هذا الشعار الذي رفعه الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في مؤتمره 15 سنة 1972 يظهر الترابط الجدلي بين النضال الطلابي و النضال الشعبي باعتباره وحدة منسجمة على مستوى الرؤية و الأفق، و لكن هذا الشعار يرتبط بمعركة الجديدة على مستوى التصدي الشعبي للقمع و التضييق على حرية التعبير الذي يشنه المخزن في حق الأصوات الحرة الرافضة لسياساته و من تجلياته اعتقال 4 طلبة بموقع الجديدة، الشيء الذي يظهر ارتباط نضالات الجماهير الطلابية بنضالات الجماهير الشعبية من أجل مغرب الحريات.
“المقاومة الشعبية و التصدي للعسكرة”، لعل هذه المعركة عبرت بأشكالها و تجلياتها الميدانية و عبر الاطار النقابي للطلبة “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب” عن بروز مقاومة شعبية واعية و منظمة نظريا و ممارساتيا و بنيويا داخل الموقع الجامعي بالجديدة لتحصين الذات الطلابية من القمع و التضييق و تحصين الحرم الجامعي من كل أشكال العسكرة و القمع.
“الوعي بضرورة العمل النقابي المعقلن”، بحيث لا يمكن انتزاع المكتسبات و الحقوق و فرض وجهة نظر الجماهير الطلابية دون ممارسة تمتح من فلسفة التنظيم و العقلنة و السلمية بما هي فلسفة تؤطر العمل الميداني من أجل الوصول إلى الأهداف بأقل الاضرار و إسقاط المخزن في بقعة الانهزام.
خلاصة عامة :
تشكل قضية الطلبة المعتقلين بالجديدة تلك القضية التي تحمل في أحشاءها عدة رؤى و فاعلين و آفاق مع ارتباطها بسياقات عامة و خاصة و فرزها لدلالات و دروس تبرز حجم الصراع العام بين قوى الاستبداد المخزني و قوى التغيير الشعبي، لذلك فاستمرار الجماهير الطلابية بموقع الجديدة في درب النضال من أجل إطلاق سراح الطلبة المعتقلين و رفع العسكرة عن الجامعة بشكل واع و معقلن و سلمي هو سير نحو فضح الطبيعة الحقيقية للمخزن و تكريس فضاء الحريات و حقوق الإنسان، مما يضعنا أمام عدة مهام كبيرة لتطوير هذا الفعل النضالي الطلابي الوحدوي و تحويله إلى قوة نوعية ضاغطة من أجل إطلاق سراح الطلبة المعتقلين و رفع العسكرة عن الموقع الجامعي بالجديدة و تحقيق الملف الحقوقي للجماهير الطلابية بالحي الجامعي-الجديدة و عموم جامعة شعيب الدكالي.
و في الأخير أقول للمخزن : “تستطيعون قطف الأزهار، لكن لن توقفوا زحف الربيع.”،أطلقوا سراح الطـــــــــلبة المعتــــــــقلين بموقع الجديـــــــــدة الصامد.
الجديدة في 05/11/2017
– لائحة المراجع المعتمدة :
– (1) بيير بورديو : العنف الرمزي (بحث في أصول علم الاجتماع التربوي) – ترجمة : نظير جاهل – المركز الثقافي العربي / الطبعة الأولى 1994 – بيروت. (ص7)
– (2) نور الدين الزاهي : المقدس و المجتمع / إفريقيا الشرق – طبعة 2011 – الدار البيضاء. (ص9)
– (3) محمد عابد الجابري : مدخل إلى فلسفة العلوم (العقلانية المعاصرة و تطور الفكر العلمي) / مركز دراسات الوحدة العربية – الطبعة الثامنة 2014. (ص23)
– (4) جون واتربوري : أمير المؤمنين (الملكية و النخبة السياسية المغربية) – ترجمة : ع.الغني أبو العزم، عبد الأحد السبتي، عبد اللطيف الفلق / مؤسسة الغني للنشر – الطبعة الثالثة 2013 – الرباط. (ص44-45).