Search

“ليالي الأندلس” عشق.. وإبداع مصادر

نورس البريجة: خالد الخضري –

بمناسبة تكريم الفنان الممثل مولاي عبد الله العمراني من طرف وزارة الثقافة بعين حرودة يوم 13 ماي 2017 المنصرم، أقدم فيما يلي قراءة خاصة بالفيلم المغربي الوثائقي القصير(ليالي الأندلس) الذي أخرجه العربي بناني سنة 1963 وأدار تصويره عبد العزيز الرمضاني. ويعتبر هذا الفيلم أهم وأجمل فيلم قصير لعب بطولته الفنان عبد الله العمراني ، كما أنه أول فيلم سينمائي يظهر فيه دون أن ينطق بحرف واحد ! وقبل أن تكتشف فيه السينما كما المسرح والإذاعة فالتلفزيون، صوتا دافئا ذا نبرات عربية مدوزنة على مقام الفصاحة والتبليغ المقنع.. ثم إن«ليالي أندلسية” هو أول فيلم مغربي قصير يصور ويعرض بالألوان الطبيعية وبطريقة “السكوب”.
الفيلم خال تماما من الحوار، باستثناء الأبيات الشعرية التي كان يتلوها الشاعر المرحوم وجيه فهمي صلاح، وكان للموسيقى الأندلسية التي واكبته دور بطولي ثلاثي الأبعاد:
– بعد صوتي مسموع كموسيقى تصويرية مؤثثة للأحداث
– بعد مرئي بظهور عازفين حقيقيين باستثناء عبد الله العمراني كممثل عازف على آلة العود
– ثم بعد عضوي رابط بين عنوان الفيلم ومضمونه المجسد للحنين العارم إلى ذلك “الفردوس المفقود: الأندلس” عبر امتداد طيفه فنيا على ضفته الغربية “المغرب”.. فكان الرباب كما الكمان والقانون والعود… ينشدون فرديا وجماعيا نحيب الفقد والفراق على لسان الدين بن الخطيب بصوت وجيه فهيم صلاح:
جادك الغيث إذا الغيث همـــــــــا يا زمان الوصل بالأندلــــــــــــس
لم يكن وصلك إلا حلمـــــــــــا في الكرى أو خلسة المختلـــــــــــس
وتماشيا مع هذا البعد الموسيقي الثلاثي، انبنت حكاية الشريط على متن هرمي ثلاثي هو الآخر قوامه: امرأة ورجلان/ فنانان يتنافسان حول قلبها.. أولهما عازف عود ضمن جوق للطرب الأندلسي بعد أن طرده والدها – مثلما طرد آخر عربي من غرناطة، فعوّض عشقه المصادر عزفا وخلّد حبه الموءود فنا.. ولا غرو في ذلك فلعل الموسيقى الأندلسية بسائر نوباتها وموشحاتها خلدت ولا تزال ذكر الأندلس بكامل قصورها قلاعها، رياضها وعشاقها أكثر مما فعلته كتب التاريخ. أما المنافس الثاني ففنان تشكيلي بعد أن أضاع فردوسه هو الآخر، عوّض عشقه لها في لوحات وتماثيل شمعية ظلت تعرض في المتاحف الأثرية تحكى للأجيال المتعاقبة قصة الفردوس المفقود في ليالي البذخ الأندلسية.
وكان اختيار الممثلة الإسبانية الفاتنة، الأندلسية الأصل سيلفيا فيرنانديز موفقا ومزكيا لمرثية الخسارة والتعويض (سيلفيا من مدينة اشبيلية وجداها عربيان)
وبهذا يعتبر “ليالي أندلسية” والذي مر على إنجازه أكثر من نصف قرن – أربعة وخمسون سنة بالضبط – (1963 – 2017) ليس فقط تحفة سينمائية مغربية مبكرة بُعيد حلول الاستقلال تعتمد الإبداع بالدرجة الأولى في غياب ما تحتكم إليه السينما المغربية حاليا من إمكانيات مادية وبشرية، وإنما أيضا وثيقة تاريخية مدرارة لغيث الإمتاع في زمن الإبداع بالمغرب وفي روافد شتى.
وهكذا زيادة على العنصر الموسيقي الرائق المشار إليه، وعلى عنصر التمثيل المقنع لدى سائر الممثلين والمبيّن عن حس فني وتحكم في إدارتهم وتوزيعهم داخل فضاءات وديكورات طبيعية ذات الهندسة الأندلسية، مشفعة بلقطات وثائقية لبركة السباع ومسجد قرطبة وقصر الحمراء… ساهم في إذكائها اختيار زوايا التصوير وتوزيع الإنارة، مما يؤرخ في هذا السياق لوثيقة سينمائية بشرية أخرى تتعلق بمدير التصوير السيد عبد العزيز الرمضاني الذي كف عن الاشتغال في هذا المضمار منذ السبعينيات.ثم الأستاذ وجيه فهمي صلاح كوثيقة سمعية والذي طالما أتحفنا صوته الرائق في نفس المرحلة مع “قهوة الصباح” سواء بإذاعة “هنا لندن” أو بالإذاعة المركزية كما في التلفزيون، وبالأخص في برنامج “قاموس الشاشة”.. فزيادة على هذه الوثائق السمعية والمرئية، برز من رافد الموسيقى نفسها المرحومان عبد الصادق شقارة ومحمد العربي التمسماني رئيس جوق معهد تطوان للموسيقى والرقص – ومن المسرح الممثل المرحوم عبد السلام العمراني الذي غيبه الردى في منتصف الستينات ثم زميله المرحوم محمد الحبشي الذي توقف من تلقاء نفسه عن التمثيل منذ الثمانينات – وكلا الرجلين افتقدهما فردوس التمثيل المغربي ليشمخ مولاي عبد الله العمراني استثناء نيّرا بالرغم من آفة الفقد التي كثيرا ما طالت حقولنا الإبداعية ولا تزال، وذلك بفضل استماتته، وموهبته المعطاء في كافة الروافد التي خاضها: بالإذاعة ممثلا ومخرجا، حيث أخرج زهاء مائة تمثيلية إذاعية، كما في المسرح والتلفزيون فالسينما، ولازال يعطي ويقنع، ثم يمثل ويمثل فيمتع.




أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *