أخر تحديث : الأربعاء 24 فبراير 2016 - 2:08 مساءً

مذكرات : إنك بحق لمن المحظوظين

بتاريخ 24 فبراير, 2016
مذكرات : إنك بحق لمن المحظوظين

بقلم : حميد الشعيبي –

الليل و الذكريات و التأمل رفاق لا مندوح عنهم،الليل بهدوئه و خشوعه ،و الذكريات خزان حنين و شوق ،و التأمل أداة استحضار مثالية لصور و مشاهد الماضي إلى حيز ذهني ميتافيزيقي خصب جدير بالخدش و النبش… ليلة هادئة و ظلام بهيم يكتسح المكان و لا منفذ إلى عالم النور سوى من سنا فتحة القمر الهلالية،السواد يجعل من الأرض و السماء سيان. .. رأسه بالمقابل تعج بوابل من الذكريات و مترددة في القبض على حلقة من الحلقات الحياتية المنصرمة،عيناه موصودتان تسعفان بذلك في القطع مع عالم الملحوظ و تطفقان بإغلاقهما المتأمل و المتبصر في استنفار شحنة إيجابية قمينة بتشغيل محرك الفكر الجارف ،خلفتا بانسيابية انسلال رعشة إلى الفؤاد بنفحة شوق و نوستالجيا كفيلة لا محالة في وصل الماضي بالحاضر …بعد لملمة جياشة و خدش جميل انفتحت المقلتان و بريق بياض يشع من خلال رموشهما…لا ريب أنه ألقى القبض على ذكرى بدأت بحكم السنوات تندس ،شيئا فشيئا،في أرشيف المنسيات ،ليس من حيث حدثها و محطتها بل تفاصيلها الدقيقة… إنه أبى إلا أن يستحضر أيام تعيينه أول مرة معلما في الجبل،تقهقر بذاكرته أربع عشرة سنة إلى الوراء….حدث فاصل في حياته، مستهل مشوار اعتبره آنذاك تجربة جديدة،رافدا حقيقيا لتتأسس شخصيته المستقلة في منأى عن الاتكالية الفطرية الحتمية المتواترة جيلا بعد جيل… لقد تشبع قبلها بتكوين بيداغوجي نظري،لن ينساه، في بحر سنتين بمركز تكوين المعلمين و المعلمات بمدينة تارودانت،سنتين حافلتين بأحداث غزيرة و بشخصيات غفيرة …سمتهما استشراف عالم الشغل و تحقيق الذات المادي و المعنوي…انقضت السنتان سريعا حالهما حال سنوات الدراسة ،الزمن الجميل، الابتدائية و الإعدادية و الثانوية و الجامعية، تباعا … حكمت الأقدار أن يعين ميدانيا أول مرة بمجموعة مدرسية قابعة قصيا بين طيات جبال الأطلس الكبير الشامخة و الوعرة،بالضبط بين جبل توبقال و جبل سيروا…بعد رحلة متعرجة بتعرج فجاج معقدة الالتواء عبر عربة كشاحنة تدب دب الحلزون ،رحلة طويلة كليلة لا تكاد تبلغ هدفها أبدا …. (و بدون تفاصيل يصعب عليه أن يسبرها بتدقيق لمرارتها و رتابتها )بلغ جماعة مجموعته،حيث وجد دكاكين مغلقة ملتفة حول ساحة رحبة،ساحة حيث ينعقد السوق الأسبوعي،أشبه بقرى رعاة البقر الأمريكية،مكان شبه ميت لا حركة فيه و لا ضجيج سوى صفير ريح صرصر عجلت بإخراجه لجلباب صوفي و قفازتين جلديتين من حقيبته ….و فجأة داهمه من خلف أكمة،حيث المدرسة المركزية من بناء مفكك، رجل ينتظره بفارغ الصبر ،إنه مديره …قال له: إنك آخر الملتحقين و لم يفضل لك سوى فرعية تنأى بساعتين قدما من هنا،ثم استطرد بنبرة لا تعكس الحقيقة ،لربما مواساة أو مزحة ، إن بتعيينك هذا و بهذه المجموعة المدرسية لأنت حقا من المحظوظين …
ح.ش