Search

مرضى السل بأزمور .. منبودون تنكر لهم الحقوقيون

أحمد مصباح –

تراجعت المندوبية الإقليمية لوزارة الصحة العمومية بالجديدة، في سابقة خطيرة، عن فتح مصلحة الأمراض التنفسية وعلاج داء السل بالمستشفى المحلي بأزمور.

ويأتي هذا التراجع المثير للجدل، الذي تضعه “هبة بريس” وحيثياته وخلفياته، “الظاهرة والمعلنة”، تحت المجهر، في أقل من 24 ساعة عن القرار الذي اتخذته المديرية الجهوية لوزارة الصحة العمومية بجهة الدارالبيضاء–سطات، بفتح مصلحة الأمراض التنفسية وعلاج داء السل بالمستشفى المحلي بأزمور.

هذا، وكان المندوب الإقليمي السابق لوزارة الصحة بالجديدة، اتخذ، سنة 2017، قرارا مثيرا، يقضي بإغلاق المستشفى الإقليمي للأمراض الصدرية “سيدي العياشي”، المعروف بمستشفى “بلعياشي”، الكائن بتراب الجماعة القروية ”سيدي علي بن حمدوش”، على بعد أقل من 3 كيلومترات شمال مدينة أزمور.

قرار بفتح مصلحة علاج داء السل:

أصدرت المديرية الجهوية لوزارة الصحة بلاغا صحفيا عممته، الجمعة 05 يناير 2018، تنويرا للرأي العام الوطني والمحلي، على وسائل الإعلام، ضمنها “هبة بريس” التي أدرجته، فور التوصل به، في مقال صحفي تحت عنوان: “وحدتان استشفائيتان للأمراض التنفسية وداء السل بالجديدة وأزمور”.

ومما جاء في بلاغ المديرية الجهوية أن: “إقليم الجديدة يتوفر، على غرار جميع عمالات وأقاليم جهة الدارالبيضاء–سطات، على وحدة استشفائية للأمراض التنفسية وداء السل بالمستشفى الإقليمي محمد الخامس، حيث يرقد حاليا ثلاث مرضى يتلقون العلاج. وفي السياق ذاته، وبغاية تقريب الخدمات الصحية من ساكنة أزمور، التي تعرف ارتفاعا في نسبة الإصابة بهذا المرض، فقد تقرر فتح مصلحة الأمراض التنفسية وعلاج داء السل بالمستشفى المحلي بأزمور، تستجيب للمعايير الاستشفائية لاستقبال المرضى. ما سيمكنهم من العلاج في أحسن الظروف.”.

قرار بإلغاء قرار فتح المصلحة الصحية:

في الوقت الذي لم يجف فيه حتى المداد الذي كتب به “أسود على أبيض” بلاغ المديرية الجهوية، والمادة الصحفية المواكبة له، التي نشرتها “هبة بريس” على أعمدة موقعها الإلكتروني، إذا بالمندوبة الإقليمية بالجديدة تخرج، في اليوم ذاته، الجمعة 05 يناير 2018، ببلاغ صحفي ثان، تتراجع بموجبه عن القرار الأول، الذي اتخذته المديرية الجهوية بجهة الدارالبيضاء–سطات.

قراران رسميان متناقضان:

إن وزارة الصحة العمومية تكون أصدرت، من خلال مديريتها الجهوية ومندوبيتها الإقليمية، في أقل من 24 ساعة، قرارين متناقضين شكلا وجوهرا وتبريرا.

فالقرار الأول بفتح المصلحة الصحية في مستشفى أزمور، عللته، من باب التذكير، وحسب نص بلاغ المديرية الجهوية، كالتالي: “.. بغاية تقريب الخدمات الصحية من ساكنة أزمور، التي تعرف ارتفاعا في نسبة الإصابة بهذا المرض (داء السل).. تستجيب للمعايير الاستشفائية لاستقبال المرضى. ما سيمكنهم من العلاج في أحسن الظروف.”.

أما القرار الثاني، فقد جاء في خلاصته المضمنة في الفقرة الأخيرة، ما يلي: “.. بعد استشارة المديرية الجهوية للصحة، تقرر عدم فتح مصلحة الأمراض التنفسية وعلاج داء السل بمستشفى أزمور، والإبقاء على الوحدة الموجودة بالمستشفى الإقليمي بالجديد”.

داء “السل”.. التعريف:

قبل الخوض في أصل مشكل الأزمة، وتأزم وتأزيم الوضع بأزمور، لا بد من التعريف بداء “السل” (la tuberculose). فهو مرض ناتج عن جرثومة ”كوخ”، يصيب الرئة أو أعضاء أخرى في الجسم (العقد اللمفاوية، العظام، المخ، الجلد..)، مع العلم أن السل الرئوي وحده المعدي. حيث إن انتقال هذا المرض من شخص إلى آخر، يتم عن طريق خروج رذاذ من الشخص المصاب، عند عطسه أو سعاله دون وضع منديل أو اليد أمام أنفه أو فمه، وذلك في مكان مغلق، يفتقد أدنى شروط التهوية والتشميس، مع التواجد الدائم مع المريض.

البرنامج الوطني لمكافحة السل:

انسجاما مع البرنامج الوطني لمكافحة داء السل، تتكفل وزارة الصحة مجانا بجميع المرضى المصابين بهذا المرض دون استثناء، من بداية التشخيص، وتوفير الأدوية، إلى العلاج الكامل، في جميع المراكز الصحية والمستشفيات الإقليمية، مع العلم أن 3 إلى 5 بالمئة فقط من الحالات، هي التي تستوجب الاستشفاء. فالتعافي من المرض، مؤكد، شريطة التزام المريض بتناول الدواء بصفة منتظمة. كما يتماثل المصابون للشفاء ابتداء من الأسبوع الثالث من بداية العلاج. حيث إن مدة العلاج والقضاء على الداء، تتراوح ما بين6 أشهر وسنة.

أصل المشكل..”سبيطار بلعياشي”:

لوضع القرارين الرسميين المتناقضين، القاضيين على التوالي بفتح المصلحة الصحية المختصة بمستشفى أزمور، وبالتراجع عن فتحها، تحت المجهر، لا بد من استحضار أصل المشكل الذي تم استغلاله لتأزيم الوضع بأزمور، وللدفع بالساكنة، بعض منها، للتظاهر في الشارع العام.. والذي يكمن في إغلاق مستشفى “بلعياشي”.

مستشفى “بلعياشي”.. عبر التاريخ:

لقد كان في الأصل مستشفى “يلعياشي” ثكنة عسكرية، بناها الاحتلال الفرنسي، سنة 1919، على مساحة تناهز 17 هكتارا، على أرض في ملكية المسمى (العياشي)، قبل أن تتحول إلى مركز للعجزة والمعطوبين من الفرنسيين، إبان الحماية الفرنسية. وكانت بالمناسبة (مادام كيري) ضمن المشرفات على عملية الطبخ بالمركز.

وبعد أن حصل المغرب على استقلاله، أغلق هذا المركز.. وحوله بتاريخ: 04 أبريل 1964، إلى مستشفى، يستقبل المرضى من مختلف مناطق المملكة. وقد كان الدكتور (إيفاص جواو) أول من عمل طبيبا في هذا المركز الاستشفائي.

وقد حظي مستشفى بلعياشي إقليميا ووطنيا بصدى كبير، لما كان يوفره لحاملي داء السل من عناية خاصة، من تطبيب، وتلقي الأدوية ومراقبة وتغذية وراحة.. إلا أن تفاجأ الجميع بقرار إغلاقه، سنة 2017، وبإلحاق المرضى بالمستشفى المحلي بأزمور.

وكان مستشفى “بلعياشي”، ذو طاقة استيعابية تصل حد 80 سريرا، يستقبل أكبر نسبة من المصابين بداء السل، الناتج عن جرثومة ”كوخ”، منه غير المعدي (M-)، الذي يصيب جميع الأعضاء في جسم الإنسان (العقد اللمفاوية، العظام، المخ، الجلد..)، وكذلك المعدي (M+)، السل الرئوي، الذي ينتقل من شخص إلى آخر، عن طريق خروج رذاذ من الشخص المصاب، عند عطسه أو سعاله دون وضع منديل أو اليد أمام أنفه أو فمه، في مكان مغلق، يفتقد أدنى شروط التهوية والتشميس، مع التواجد الدائم مع المريض.

والجدير بالذكر أن 800 حالة إصابة بداء السل، يتم تسجيلها سنويا بإقليم الجديدة، من أصل 30000 حالة إصابة، تنضاف سنويا في المغرب.

و”تعرف ساكنة أزمور ارتفاعا في نسبة الإصابة بهذا المرض”، حسب بلاغ المديرية الجهوية لوزارة الصحة بجهة الدارالبيضاء–سطات، الذي عممته، الجمعة 05 يناير 2018، على وسائل الإعلام، ضمنها “هبة بريس”.

وبالمناسبة، فقد وقفت الجريدة على واقع مستشفى “بلعياشي”، الذي شيد في مكان معزول عن الساكنة، حوالي أقل من 3 كيلومترات شمال مدينة أزمور.. على الطريق الساحلية، الرابطة بين أزمور والدارالبيضاء. وقد كان يستجيب، قبل قرار إغلاقه، لجميع شروط ومعايير الاستقبال والتطبيب والعلاج، داخل قسمين خاصين بالمصابين من الجنسين، سيما بداء السل الرئوي، المصنف مرضا معديا (M+).

فبنايته وبنيته التحتية مازالت صالحة، ناهيك عن جمالية معمارها، وعن توفره على قاعات كبيرة للعلاج والاستشفاء، ذات طاقة استيعابية تصل حد 80 سريرا، وتخضع للتهوية والتشميس.. وسط غابة كثيفة من أشجار “الأوكلبتيس” (l’eucalyptus)، التي تكسو مساحة تناهز 17 هكتارا، كما يظهر في الفيديو رفقته.

وكان يعمل لدى هذا المستشفى طاقم صحي مؤهل، يتوزع ما بين طبيبة أخصائية، و7 ممرضين، من هم من زاول بهذا “السبيطار” مدة 30 سنة. ما كان يوفر أجود الخدمات الصحية، في أحسن الظروف، وبالتالي، هذا ما كان يكرس فعلا على أرض الواقع سياسة القرب المتوخاة.

الإغلاق.. قرار متسرع:

اتخذ المندوب الإقليمي السابق لوزارة الصحة بالجديدة، السنة الماضية، قرارا مثيرا للجدل، بإغلاق مستشفى “بلعياشي”، وتحييده عن العمل، وشله عن تقديم الخدمات الصحية. قرار قد تم، بغض النظر عن ظروفه وتبريراته، دون اتخاذ الترتيبات اللازمة، والتحضير المسبق، بالاستعانة بخبراء صحيين، لضمان انتقال سلس من ذلك المستشفى، إلى وحدة استشفائية متخصصة، سواء أكانت في مدينة أزمور، أو في أي مكان بتراب إقليم الجديدة.. على غرار الانتقال السلس الذي عرفه المستشفى الإقليمي بالجديدة، قبل نقله وتشغيله رسميا الخميس 19 دجنبر 2013، إلى مقره الجديد. انتقال سلس تطلب ما يناهز السنتين، بغية تدبير وتدبر تجهيزاته ومعداته وموارده البشرية، الإدارية والصحية.

أي تقريب للخدمات الصحية؟!:

عمدت وزارة الصحة العمومية، في عهد الوزير الأسبق، محمد الشيخ بيد الله، إلى بناء مستشفى إقليمي بالجديدة، في إطار ما سمي ب”مستشفيات الجيل الجديد”، ومستشفي محلي بأزمور، ومستشفى محلي بالزمامرة، بإقليم سيدي بنور، الذي أصبح إقليما مستقلا، بعد أن خرج، سنة 2009، من رحم تراب إقليم الجديدة.

غير أن سيدي بنور والزمامرة وأزمور، رغم توفرها على مستشفى إقليمي ومستشفيين محلييين، مازالت هذه المدن، والجماعات الترابية التابعة لها، تصرف مشاكلها الصحية، على حساب المستشفى الإقليمي بالجديدة. حيث تحيل مرضاها ومصابيها على قسم الإنعاش.. والنساء الحوامل، للوضع في قسم الولادة.. ولا تستثنى في ذلك حتى جثت الموتى والقتلى، التي تحال على مستودع حفظ الأموات، لإخضاعها للتشريح الطبي أو الفحص الخارجي (..).

هذا، ويستشف بالواضح والملموس أن برنامج بناء مستشفيات محلية بإقليمي الجديدة وسيدي بنور، تجسيدا لأهداف “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”، قد أعطى نتائج سلبية، عكس ما كانت وزارة الصحة خططت له، وما كانت تطمح إلى تحقيقه، والغايات التي كانت حددتها، والتي تكمن نظريا أو على الورق، في الرقي بجودة التغطية الصحية، والخدمات الطبية لساكنة إقليمي الجديدة وسيدي بنور، وإرساء عرض صحي قريب، متوازن وموزع بشكل جيد، وكذا، إنعاش أقطاب وسيطة للتنمية الصحية، إلى جانب تعزيز اللاتمركز، والمساهمة في إنعاش التنمية المحلية، وتخفيف الضغط عن المستشفى الإقليمي بالجديدة.

وقد كشف الواقع “الكارثي” للخدمات الصحية المتدنية، أن المستشفى الإقليمي بسيدي بنور، والمستشفيين المحليين بالزمامرة وأزمور، لم يحققوا البتة الاستقلالية المتوخاة، وأن تبعيتهم مازالت قائمة للمستشفى الإقليمي بالجديدة.. وأن الوعود “الوردية”، التي قطعها على أنفسهم، القائمون على الشأن الصحي، ما هي إلا مجرد خطابات فضفاضة وجوفاء.

خلفيات ومغالطات وتكتم:

كانت الغاية من خلق مستشفى محلي بأزمور، وتجهيزه بالمعدات الصحية، وتوفير الموارد البشرية، من أطقم صحية وإدارية، الرقي بجودة الخدمات الصحية، وتقريبها من ساكنة المدينة، ودائرتها، والجماعات الترابية الخاضعة لها. لكن بعضهم يحاولون نسف ما تحقق على أرض الواقع، على خلفية “المزايدات السياسوية”.. كما الشأن بالنسبة، على سبيل المثال، للأزمة المفتعلة وتأجيج الشارع، بالترويج لمغالطات بشأن فتح مصلحة لعلاج الأمراض الصدرية وداء السل بمستشفى أزمور.

فلماذا أخفى إذن “من حركوا الاحتجاجات” عن “مناضليهم من العجزة والأحداث والصبية”، الحقيقة، والحقائق التالية:

1/ كون علاج داء السل الرئوي، المصنف (M+)، لم يعد يحتاج ملازمة السرير داخل المستشفى، وأن بإمكان المصابين أن يتابعوا العلاجات في بيوتهم، بتناول الأدوية بانتظام، أو عند انتقالهم بشكل دوري ومنتظم، إلى المراكز والوحدات الصحية القريبة منهم. وتتراوح مدة العلاج والقضاء على هذا الداء، ما بين6 أشهر وسنة.

وفي هذا السياق، فإن فقط 3 إلى 5 بالمئة من الحالات، هي التي تستوجب الاستشفاء، حسب وزارة الصحة.

2/ وكون الطاقم الطبي الموزع بين ظبيبة أخصائية و7 ممرضين من ذوي الكفاءات العالية، الذين كانوا يمارسون، طيلة 30 سنة، وظائفهم ومهامهم لدى “سبيطار بلعياشي”، قبل إغلاقه، السنة الماضية، هم أنفسهم من قرروا، بمحض إرادتهم ورغبتهم، الالتحاق للعمل بمصلحة علاج داء السل، التي كان من المقرر فتحها بالمستشفى المحلي بأزمور.. حيث إن لا أحد ضمن هذا الطاقم الطبي، لم يصب قط عن طريق العدوى بداء السل، رغم احتكاكهم يوميا، طيلة سنوات عملهم، بالمرضى المصابين، الذين كانوا يخضعون للاستشفاء في “سبيطار بلعياشي”.

3/ وكون داء السل لو كان سينتشر، كما تم الترويج لذلك بنية مبيتة، عن طريق العدوى، عند فتح المصلحة المتخصصة بمستشفى أزمور، لكان انتشر، طيلة السنوات التي مضت، علما أن مرضى داء السل، كانوا يتنقلون في ما مضى، يومي الثلاثاء والخميس من الأسبوع، إلى مستشفى أزمور، بغية إجراء الفحوصات الراديولوجية والمختبرية.

هدر للموارد والطاقات:

هل يعقل أن من من المفترض والمفروض فيهم الدفاع عن الحقوق الكونية للإنسان، ومحاربة اقتصاد الريع، وتخليق الحياة العامة، وترشيد النفقات والموارد البشرية.. أن يبقوا على طاقم صحي متخصص بأجمعه، طبية أخصائية و7 ممرضين متمرسين، في وضعية “الفائض”، بعد قرار إغلاق “سبيطار بلعياشي”، وعقب قرار التراجع عن فتح المصلحة الصحية المتخصصة بأزمور. في حين أن المصلحة الصحية المتخصصة، الموازية، التي تقرر فتحها بالمستشفى الإقليمي بالجديدة، والتي تبلغ طاقتها الاستيعابية 30 سريرا، مازالت مصفدة الأبواب، لعدم توفر موارد بشرية متخصصة، من أطباء وممرضين.

فعدم توفر الأطقم الصحية المتخصصة، جعل مستشفى الجديدة يكتفي حاليا بتشغيل وحدة استشفائية محدودة، قاعتين ب4 أسرة. أما الحالات الزائدة من الإصابة بالأمراض الصدرية، فيتم الاحتفاظ بها، بعد الكشف عنها في قسم المستعجلات بالجوار، في قاعة الملاحظة، مع باقي المرضى، باختلاف طبيعة أمراضهم وإصاباتهم. ما قد يعرضهم ويعرض الأطباء المعالجين والزوار، لخطر الإصابة، في حال ما إذا كان المصابون يحملون داء السل المعدي أو الرئوي، من صنف (M+).

وبالمناسبة، فقد كانت طبيبتان تعملان بمستشفى الجديدة، تعرضتا لعدوى الإصابة بداء السل الرئوي.

ومن جهة أخرى، فهل يعقل أن ينحصر دور المستشفى المحلي بأزمور، والمستشفى الإقليمي بسيدي بنور، والمستشفى المحلي بالزمامرة، في مد المرضى ب”ورقات توجيهية”، تحيلهم على الأقسام والمصالح الصحية بالمستشفى الإقليمي بالجديدة.. وما ينطوي ذلك على إهدار للموارد والطاقات الصحية، وشللها وتحييدها عن الخدمة، وإهدار للميزانيات والنفقات.. علاوة على تأزيم الحالة الصحية للمرضى، وتعريض سلامتهم للخطر، جراء نقلهم ذهابا وإيابا على متن سيارات الإسعاف.

نضال.. وعالم بالمقلوب”:

لا يجادل اثنان في كون مدينة أزمور مافتئت تعاني، في ظل المجالس الجماعية المتعاقبة على تدبير الشأن المحلي، من الهشاشة والفقر، وضعف البنيات التحتية، ومن “الشوماج” القاتل، ومن تدني المستوى المعيشي للساكنة، وتكدس الأسر في بيوت سكنية ضيقة، وغياب الحدائق والفضاءات الخضراء.. ناهيك عما آلت إليه مدينة “الوالي الصالح مولاي بوشعيب”، التي أصبحت مثقلة بالمحظورات والمخدرات، التي مصدرها غابة “سيدي وعدود”، على ضفة نهر أم الربيع. ما يفسر كون ساكنة أزمور تعرف، حسب بلاغ المديرية الجهوية للصحة بجهة الدارالبيضاء– سطات، ارتفاعا في نسبة الإصابة بداء السل.

ولعل ما يثير حقا للغرابة والاستغراب أنه في الوقت الذي يطالب فيه “حراك الحسيمة” أو “حراك جرادة”.. ضمن المطالب الاجتماعية المشروعة، بإنجاز مشاريع تنموية، من ضمنها بناء المستشفيات، فإن بعضا من ساكنة أزمور، ومن يحركونها، يدعون في “احتجاجاتهم” و”ملفهم المطلبي”، وكأن “العالم أصبح بالمقلوب” (le monde à l’envers)، إلى إلغاء فتح مصلحة للأمراض التنفسية وعلاج داء السل بالمستشفى المحلي بأزمور، وإبعادها إلى مدينة الجديدة.

فكيف تسنى لبعضهم، بذريعة مطلب غير عادل وغير مشروع، وتحت غطاء “باطل يراد به حق”، ليس ثمة ما يبرره على أرض الواقع، اللهم غير “خلفيات غير معلنة”.. أن يضربوا عرض الحائط بسياسة القرب، وتقريب الخدمات الصحية من الساكنة والمواطنين بأزمور، وأن يتنكروا لمرضى داء السل، هم مثلهم مغاربة، يتساوون معهم في المواطنة وفي الجنسية المغربية التي يحملونها، وهم أولا وقبل كل شيء بشر من بني جلدتهم وجلدتنا، وحتى أنهم لم يأتوا من كوكب آخر، ولا من مناطق أخرى، ولو بإقليم الجديدة.. فهم من مدينة أزمور التي يتحدرون منها جميعا..؟!

فكيف لهم أن يتخلون عنهم، ويتنكرون لهم.. بدعوى كونهم مصابين بداء السل، وكونهم يشكلون خطرا محدقا على الساكنة، بسبب انتقال العدوى.. وبالتالي، يحرمونهم من حقهم المشروع في التطبيب الذي وفرتهم لهم الدولة المغربية، من خلال إحداث وحدة استشفائية بالمستشفى المحلي بأزمور. حق إنساني وكوني، بغض النظر عن لون البشرة والانتماء والديانة والعقيدة.. فحتى العدو في الحروب الطاحنة، يحظى بحق العلاج والتطبيب.. وحتى الحيوانات تحظى بهذا الحق..؟!

فأن يصبح مرضى داء السل بأزمور، ينظر إليهم، ويعاملون وكأنهم مواطنون من الدرجة الثانية، أو مثلهم مثل طبقة “المنبوذين” في الهند (les parias/les intouchables)، فإن الأمر في غاية الخطورة !!

أوليس في التخلي عن هؤلاء المرضى بأزمور، وحرمانهم من حقهم المشروع، القانوني قبل الإنساني والأخلاقي، في التطبيب والعلاج، خرقا خطيرا لدستور المملكة، الذي يكفل جملة من الحقوق الأساسية، منها أساسا ما جاء في الفصل 20، الذي هذا نصه: “الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان، ويحمي القانون هذا الحق”، وكذا، الفصل 31، الذي نص على ما يلي : “تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في : العلاج والعناية الصحية (..)”..؟!

أولا يضرب ذلك في العمق قرار وزير الصحة رقم 16-003، الصادر بتاريخ: 04 يناير 2016، بشأن إحداث وتحديد اختصاصات وتنظيم المصالح اللاممركزة لوزارة الصحة.. ؟!

“النضال الملتزم”:

إن النضال الملتزم والدفاع عن حقوق الإنسان، يجب أن ينصب، من أجل مصداقيته ونزاهته، على تحديد الأسباب الحقيقية، التي هي فعلا وراء ارتفاع نسبة المصابين بداء السل في أزمور، وذلك طبعا بإقرار صريح من المديرية الجهوية لوزارة الصحة بجهة الدارالبيضاء–سطات، في البلاغ الذي عممته على وسائل الإعلام، والذي تتوفر الجريدة على نسخة منه..

ألم يكن حريا بمن جندوا “العجزة والأحداث والصبيان” في “حراك” يوصف ب”الشعبوي المفتعل والانتهازي” (mouvance populiste factice et opportuniste)، لا يمثلون فيه إلا أنفسهم، أن يبوحوا لساكنة أزمور بحقيقة وأسباب الإصابة بداء السل، والتي تكمن بالواضح والملموس في الهشاشة والفقر، وفي غياب الحدائق والفضاءات الخضراء، والكثافة السكنية العالية، في فضاءات محدودة وضيقة (عدة أسر في بيت واحد)، وضعف البنيات التحتية.. التي تتخبط في مستنقعها مدينة أزمور وساكنتها. ولعل هذه الأسباب هي التي تولد “فقدان المناعة” عند الإنسان، وتسهل الإصابة بالأمراض..؟!

فلماذا إذن “المزايدات السياسوية”، من أجل تحقيق “غايات براغماتية”، ب”طرق انتهازية”..؟!

ولماذا التغطية بالغربال عمن تسببوا في مآسي مدينة “الوالي الصالح مولاي بوشعيب”، وجعلوا منها خزانا للأصوات الانتخاباوية..؟!

فلماذا لم يطالب هؤلاء الحقوقيون بتفعيل مضامين خطاب العرش، وبتطبيق مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة”، في حق من أظلموا في حق مدينة أزمور. أزمور التي كان يضرب بها المثل في الحضارة، ولا أدل على ذلك مما جاء في التاريخ: “من قرية فاس إلى مدينة أزمور”..؟!

سابقة خطيرة:

إذا كان قرار فتح المصلحة المختصة بمستشفى أزمور، الذي اتخذته المديرية الجهوية، قد جاء مبررا من الوجهة الواقعية، فإنه ليس ثمة ما يبرر قرار المندوبية الإقليمية بالتراجع عن ذلك القرار المرجعي، سوى كون وزارة الصحة قد رضخت، في سابقة خطيرة، ل”الحراك الشعبوي المفتعل والانتهازي”، الذي كانت انطلاقته الأسبوع الأخير من عمر السنة الميلادية 2017، التي تم إقبارها على وقع مآس اجتماعية. ما يمس بهيبة الدولة المغربية، وبمؤسساتها الحكومية، وبسلطاتها العمومية، وحتى بمصداقية القرارات الرسمية.

إلى ذلك، فإن الجريدة، إذ تدق ناقوس الخطر، تتساءل عما قد يحصل غدا، بعد هذه السابقة الخطيرة، لو أن العدوى انتقلت.. وخرج من يدعون الدفاع عن حقوق الإنسان، وعن قضايا وهموم الشعب، سواء في أزمور أو غيرها، إلى الشارع العام، وطالبوا بإغلاق قسم من الأقسام الصحية، أو رفعوا شعار “ارحل” في حق مسؤول صحي، أو، أبعد وأخطر من دلك، بإعفاء وإبعاد أي مسؤول من المسؤولين لدى قطاعات وإدارات أخرى، بذريعة من الذرائع “الجاهزة”.. فهل سترضخ “الإدارة المغربية” تحت الضغط، وتستجيب لمطالب، تحركها “مزايدات سياسوية ونقاباوية”، و”خلفيات وغايات براغماتية”.. ؟!!!




One thought on “مرضى السل بأزمور .. منبودون تنكر لهم الحقوقيون

  1. Anine Mohamed

    تحية حقوقية كونية أستاذي الفاضل،
    لقد استرعى انتباهي عنوان هذا المقال، وما يرمز إليه من تنكر للحقوقيين، لهذه الشريحة من المجتمع، لكي أجدني مضطرا للتذكير بأن المكتب الجهوي لجهة الدار البيضاء-سطات، التابع للمنتدى المغربي للمواطنة وحقوق الإنسان، كان من السباقين لإصدار بيان ناري في الموضوع؛ وهو البيان الذي تبنته مجموعة من فعاليات المجتمع المدني لأزمور.
    .. واسألوا ساكنة أزمور، فعندها الخبر اليقين !
    وعليه فلا بد من إنزال الناس منازلهم، وتمشيا مع الرسالة النبيلة التي يحملها الصحفي.
    مع خالص تحياتي واحتراماتي
    عضو المكتب التنفيذي للمنتدى المغربي للمواطنة وحقوق الإنسان؛
    الكاتب الجهوي لجهة الدار البيضاء سطات؛
    عبد ربه؛
    ذ. محمد أنين

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *