http://a106424.hostedsitemap.com
أخر تحديث : الأربعاء 20 ديسمبر 2017 - 11:36 مساءً

مغامرة سينما الطريق من أجل”حياة”

بتاريخ 20 ديسمبر, 2017
مغامرة سينما الطريق من أجل”حياة”

نورس البريجة: خالد الخضري –

من الأفلام المغربية الحديثة التي خرجت إلى القاعات السينمائية هذا الموسم كما شاركت في مهرجانات وطنية ودولية محصلة على جوائز متنوعة إضافة إلى إقبال جماهري ونقدي ملموس، فيلم “حياة” للمخرج الشاب رؤوف الصباحي الذي حصد عددا من الجوائز من بينها

— أحسن صورة في المهرجان الوطني الأخير بطنجة (الدورة 17)

–  الجائزة الكبرى لمهرجان السينما الإفريقية بهيلسينكي (الدورة 8)

– أحسن مخرج في مهرجان ” بلاتيني ريني أوارد (الدورة 50) بهوستون في أميركا

– الجائزة الكبرى في مهرجان الفيلم العربي ببروكسيل

– جائزة أفضل سيناريو في مهرجان “السينما والهجرة” بأكادير.-

كما كان لمهرجان “الأيام السينمائية لدكالة بالجديدة” شرف تقديم هذا الفيلم في دورته السابعة المنظمة في متم أكتوبر المنصرم 2017.. بحضور مخرجه وزوجته المخرجة خولة أسباب بنعمر..

1 – بطولة الطريق

 ورد بملخص الفيلم: ” السفر حياة.. فيلم طريق.. تدور أحداثه في فضاء مغلق -حافلة نقل عمومي- رحلة تنطلق من طنجة في اتجاه أكادير يتقاطع خلالها اللقاء بالفراق.. السعادة بالإحباط.. واليقين بالشك” وهكذا يتبين أن الفيلم ليس به بطل واحد بالمفهوم الكلاسيكي، وإنما مجموعة أبطال.. بل يمكن المجازفة باعتبار “الحافلة” بطلا رئيسيا في هذا المحكي الفيلمي، إن لم يكن هو “الطريق” في حد ذاتها بما تعج به من ذهاب وإياب.. وتقاطعات.. وحوادث.. وسلامة مع فرحة وصول.. أو قرحة ونكد بعدم الوصول، مما يخلق بالفعل حياة مشتركة بين أولئك الركاب من كلا الجنسين ومن مختلف الأعمار والأفكار والانتماءات.. إنها في الأخير ال “حياة” التي يحيل عليها عنوان الفيلم.-

هذا النوع من الأفلام الذي يتخذ من الطريق محورا أو بطلا رئيسيا نادر، ليس على مستوى السينما الوطنية فحسب، بل والعالمية أيضا.. ونكتفي في المغرب بذكر نموذج واحد شهير ورائد أيضا في هذه النوعية من الأفلام هو: (ابن السبيل) لمحمد عبد الرحمن التازي سنة 1981 سيناريو نور الدين الصايل وبطولة الإعلامي علي حسن. وهو بخلاف “حياة” التي تنطلق حافلتها من الشمال/طنجة إلى الجنوب/أكادير، تنطلق شاحنة (ابن السبيل) من الجنوب/أكادير (انزكان تحديدا) إلى الشمال/طنجة.

وتعود ندرة أفلام سينما الطريق في جانب كبير منها إلى صعوبة تنفيذها باعتبار ديكورها المتنقل الداخلي والخارجي.. وفضاءاتها المتعددة والمتباينة من منطقة لأخرى.. وفي أوقات مختلفة تتفاعل بين الفجر..والصبح..والنهار..والليل.. مع الأخذ بعين الاعتبار تغير حالات الطقس خصوصا إذا دام التصوير أياما متتالية، في الوقت الذي لا يتعدى فيه الزمن الافتراضي للفيلم يوما واحدا كما هو الشأن بالنسبة لهذا الفيلم

عن إكراهات هذا الصنف من الأفلام صرح المخرج في حوار أجري معه بجريدة(الصباح) بتاريخ: 10 أكتوبر 2017: “إن نوعية أفلام سينما الطريق، تعد من الطرق الصعبة في الصناعة السينمائية، كما أنها شبه جديدة على السينما المغربية، ولهذا الغرض حاولت العمل عليها. بالنسبة إلي أعشق البحث عن الجديد في أي عمل أقدمه، وقد حاولت رفقة الطاقم التقني والفني الذي اشتغلت معه ، العمل على مسايرة إيقاع الفيلم، خاصة الجوانب التقنية، لا سيما أن فضاء التصوير كان ضيقا وتطلب منا مجهودا كبيرا، والحمد لله، بفضل إرادة الجميع  تمكنا من تقديم فيلم “حياة”.

2 –زغردة الحياة

وفعلا تجسد مجهود طاقم الفيلم في خلق فرجة سلسة محملة برسائل وردت على ألسنة شخوص الفيلم وفيسلوكاتهم كل حسب تكوينه ونسقه الفكري والاجتماعي كما الانتمائي انطلاقا من الملتحي المعقد (عبد المالك أخميس).. والمهاجر الثوري (إدريس الروخ)..  والعانس المطلقة (لطيفة أحرار).. والأم الصارمة (سعاد النجار).. والأب المغلوب على أمره (عبد الرحيم المنياري).. مرورا بالموسيقييْن البوهيمييْن (صلاح بن صلاح وأسامة بصطاوي).. والسائق (كريم السعيدي) مع مساعده (المهدي فولان).. فالمقاوم المتقاعد والشيخ الهرم المثقل بسنوات الحرب ونياشين الجمهورية الفرنسية ( لعب الدور بكفاءة مشهود له بها الفنان عز العرب الكغاط).. فالعاهرتين المتحررة والمثقفة (ابتسام العروسي ومريم حمامي) إلى الشاب المغرم (هاشم بصطاوي) وصولا إلى أصغر ممثل هو الطفل (هيثم بصطاوي).. وقد فعل رؤوف الصباحي خيرا بجمعه لسائر أفراد عائلة المرحوم محمد بصطاوي في هذا الفيلم.. الذي كان من المقرر أن يلعب فيه دورا.. فجاءت هذه اللمة العائلية للبصطاوي تكريما لروح هذا الفنان القدير..

وبالتالي راهن رؤوف على أسماء لها وزنها الإبداعي كممثلين. فكل واحد من هؤلاء كان يتلفظ بالحوار الذي يناسبه بعيدا عن الوعظ والإرشاد كما الابتذال والكلام الخادش للحياء -فقط لأنه يصدر عن عاهرة أو سكير مدمن مثلما يحدث في بعض الأفلام المغربية الحديثة -.. كما تجنب التلاعب بالمصطلحات أو السحنات قصد انتزاع الضحك لتبقى اللقطات التي اتسمت بقدر من الترفيه، ذات كوميديا موقف بالدرجة الأولى، خصوصا ما يتعلق منها بالتناقض السافر بين خطابات المتدين الملتحي وبين نظراته المتلصصة وسلوكاته الشائنة……

هذاالالتزام بأدبيات الحوار السينمائي وملاءمته للشخصيات زكاه المخرج في نفس الحوار بقوله: “ضم الفيلم مجموعة من الشخصيات، بخلفيات ثقافية متنوعة. كل واحد منهم حاول أن يفرض رأيه بطريقة فنية بعيدة عن الخطابات المباشرة والوعظ والإرشاد.. بعدما وظفنا طرقا فنية مختلفة في إيصال دلالات الفيلم. فبالنسبة إلي أن كل شخصيةتمكنت من أن تقدم دورها في قالب يمزج بين مجموعة من الآليات، في الوقت الذي لعبت بعض الشخصيات، دور الوساطة لتفادي وقوع بعض الشجارات، وهذا ما نلمسه في الواقع أيضا في حافلات السفر”  .

وطبعا كان لابد لتلك الحالات أو “الحيوات” -مجموع حياة- التي عاشها الركاب داخل الحافلة وخارجها خلال الطريق أن تلتقي بقدر ما تفترق.. لكنها في الأخير توحدت حول قضية واحدة.. أو بالأحرى حول “عقدة” تحولت من ذاتية تهم امرأة حامل، إلى جماعية تهم كافة الركاب.. لتحيل على الجانب الإنساني الذي يعتمل في ذات كل واحد منهم.. فعبروا جميعهم عن روح المساندة والدعم لتلك السيدة -رغم معارضة زوجها الإخوانجي المعقد- بالتفافهم حولها مستنجدين بالطبيب المستخفي أو المقنع (محمد قاطيب) لتضع جنينها والرحلة توشك على نهايتها. فترتفع زغاريد الفرح والخلاص معلنة عن الحل أو – النهاية السعيدة  (هابيآند) قبل الوصول النهائي.. فالركاب كما الجمهور الذي شاركهم متعة ومعاناة الرحلة وتحمل مشاقها ومخاطرها وعبثها، في حاجة لتلك النهاية المشرقة.. ولتلك الانفراجةالمزغردة التي هي في الأخير ال “الحياة”

3 –تكريم مستحق

لمن لا يعرف رؤوف الصباحي وعائلته عن قرب، يمكن اعتبار فيلمه (حياة) وخصوصا عنوانه، تكريما لوالدته الصحفية والإعلامية الإذاعية والتلفزيونية المعروفة المرحومة حياة بلعولة، زوجة الإذاعي الشهيررشيد الصباحي – والد رؤوف –  رشيد الذي كان  ينشط عددا من البرامج في الإذاعة الوطنية فيجعلك تراها أكثر مما تسمعها  رغم أنه هو أصلا رجل كفيف.. فهذا الأخير نال حظه هو الآخر من التكريم في الفيلم الروائي الطويل الذي أخرجته زوجة رؤوف: خولة أسباب بنعمر تحت عنوان: (نور في الظلام) وشاركها زوجها كتابة السيناريو.

ففيلم خولة  يتابع حكاية مذيع كفيف يحلم بأن يصبح مقدما للأخبار في التلفزيون. ولم يكن هذا الصحفي في واقع الأمر سوى الزميل رشيد الصباحي الذي حبل الفيلم بتعليقاته المباشرة بصوته ردا على أسئلة السيناريست / ابنه. تكريم جميل مبرر دون سقوط في الوثائقية أو إثقال على المشاهد بنرجسية عائلية في كلا الفيلمين، من سينمائييْن شابيْن لاثنين من عمالقة فن التقديم والتنشيط الإذاعي الوطني على امتداد ثلاثة عقود وما ينيف…