أخر تحديث : الأحد 7 فبراير 2016 - 11:46 صباحًا

مقاربة نقدية لديوان : “أحكي للغياب” للشاعرة حكيمة عامر

بتاريخ 7 فبراير, 2016
مقاربة نقدية لديوان : “أحكي للغياب” للشاعرة حكيمة عامر

محمد عبد الفتاح –

اختارت هذه المرة أن تطل علينا من خلال غواية الشعر، بديوان شعري جميل موسوم بعنوان: “أحكي للغياب”. إنها الممثلة والمخرجة المسرحية والشاعرة حكيمة عامر التي استهواها عالم الركح، فأنجزت أعمالا مسرحية كثيرة منها: ” بيمنيال، مي الباشا، ملحمة السالفا”.
من خلال تصفحنا لهذا العمل الشعري، يستوقفنا العنوان باعتباره علامة بصرية وأيقونية محملة بالدلالات والرموز، وباعتباره أيضا عنصرا سلطويا يفرض علينا سلطته ويوجهها، ما دام هو مفتاح الديوان وبوابته، والعتبة الأولى التي تؤطر أفق انتظارنا كمتلقين، وتدفعنا إلى إنتاج فرضيات ممكنة تكون مفتاحا لقراءة قصائد هذه التجربة الشعرية، تساوقا مع ما تحيل عليه باقي العتبات.
يتمظهر العنوان: “أحكي للغياب” من خلال تشكيله الكاليغرافي باحتلاله حيزا مهما على مستوى صفحة الغلاف، مع اختيار اللون الأحمر الذي يدل على القوة والطاقة المتجددة، وأيضا على الحب والإثارة والعاطفة الجياشة، وحب الاستطلاع والمغامرة وسط سواد قاتم يكاد بسواده يطغى على واجهة الغلاف، بما يحيل عليه هذا اللون من الغموض، والأناقة والجدية، وعلى الفخامة والرسمية أيضا. ثم الباب الموصد الذي ينفذ من زجاجه ضوء واهن يتسرب إلى وجه الشاعرة ليضيء قسمات وجهها الذي يطل على القارئ/ المشاهد بنظرة حالمة نحو الأفق، بما يجعل الدلالات والمعاني تتفجر من خلال هذه العتبات مولدة الكثير من الأسئلة المتشابكة والمترابطة والتي يحيل عليها “نص العنوان” أيضا في مستواه اللفظي، التركيبي الذي وظفت فيه الشاعرة ضمير المتكلم مقترنا بالفعل المضارع الدال على الحركة وحيوية الفعل (أحكي)، فجاء كاشفا عن روح غنائية تحول فيها فعل الحكي إلى مكاشفة صريحة بلغة عكستها أكثر، القصيدة الشعرية التي اختارتها الشاعرة لتزين بها ظهر الغلاف وصهرت فيها صهد مشاعرها، وما يعتمل في دواخلها من هواجس وأفكار حبلت بالكثير من الشجاعة، والكثير من التمرد على ذلك الغائب الذي تعرفه الشاعرة حق المعرفة، وتتحدى غيابه بغياب أكثر جرأة متسلحة بقصيدتها، سلاحها الأجمل.
تقول الشاعرة في قصيدتها المتمردة “عن الغياب”:
على مدى رحلتي خنتك
كنت دائمة الغياب عنك
حرصت أن يكون الغياب قصيدتي الأجمل
وأن لا أرحل
أرجوكم
لا تشكلوا حروفي
ولا تنتظروا صورا
أو كتابة تترجل
ماهي إلا غيمات ورقية
لامرأة تسبح في عالم لا يسأل..
يتأسس العالم الإبداعي للشاعرة حكيمة عامر في تجربتها الشعرية هاته حول تيمة الغياب، حين تصهرها كفكرة وتضعها في محك التجربة والتأمل، ماذا يعني هذا الغياب في عالم الشاعرة؟ هل هو عطش وشوق، يكون الغياب فيه مدعاة لاختبار من نحب، ومن نعتقد أنه يكن لنا هذه المشاعر ؟ هل هو عدم التواجد في الحيز المكاني؟ إن الغياب قد يتحقق كشرط مادي، لكن المشاعر تكاد تنطق صارخة بأصوات تنبعث من الداخل تقول إن الغائب حاضر بقوة، ويتجلى ذلك من خلال تخصيصه بالحديث، ما دمنا لا نأبه لغياب من نعتقده عدما في في حياتنا. في حالة الشاعرة حكيمة عامر ومن خلال قراءة قصائدها يتمظهر الغياب كموقف تتخذه الشاعرة ضدا على الفراغ، وكموقف احتجاجي ضد هذا العالم، حين نحشر في زمرة أناس يملأون الحيز بتفاهتهم وتهافتهم ووضاعتهم، هنا يفرض وجودهم على الذات اللجوء إلى العزلة، وتشييد عالم محايث تنصت فيه الذات الشاعرة إلى بوحها العاري، ثم تقف معجبة بصوتها الشادي، تماما كما يفعل طفل صغير حين يقذف الأحجار في النهر، ثم يقف معجبا بالدوائر والحلقات التي ترتسم على الماء كأثر يحرز فيه رؤية شيء من فعله.
تقول الشاعرة في مقتطف من قصيدة “حل القطار” ضمن الديوان:
أسافرُ
في خضم الغياب
غير آبهة بصقيع الجمارك
يقودني الدركي
والأمن دونك
على أهبة ارتباك.
لقيآك
تبدِّد عتمة الرحيل
وتنثر القبل على سائر الإباحات
لقيآك
يشبعني يروي الواحات
لكن السقي بالتقطير
يزيد من عطش أرضيَّ البوار.

وفي قصيدة “غياب تموز”، ومن خلال استحضار رموز من قبيل: (رمح، تاريخ، بكارة، نفوس، عروس…)، تشيد عالمها الشعري الساحر غير مستسلمة لفكرة أفول الأصنام، تلك التي أعلنها “نيتشه” حين يقتل الماضي، والمنطق، والآخر.. قال نيتشه: “إن اليونان نصبت تماثيل بيضاء أمام الهاوية لكي يحجبوها عن الأنظار، أما أنا فأحطم التماثيل لأكشف عن الهاوية”، ومؤكداً أن الشروع في عملية استعادة الماضي عن طريق التفكير فيه، لن تقود بالضرورة إلا إلى الوهم والكذب. يقول “نيتشه” بهذا الصدد: “لا شك أن المنطق نشأ من اللامعقول، فحين يشرع الإنسان في التفكير، فهذا يعني أنه سيخرج للتو بكذبة”. تسكب حكيمة عامر مشاعرها القلقة منصتة إلى ما يعتمل في نفسها حول فكرة الحضور والغياب/ الخفاء والتجلي، التي يمارسها هذا الغائب بسطوته عندما تلبسه الشاعرة رمز “تموز”، ومن خلال هذه الرمزية تهيم الذات الشاعرة في محاورة ووصف التاريخ كتجسيد حقيقي تظهر من خلاله هذه المتناقضات التي يحبل بها هذا الشهر “تموز”، ابن الحياة وإله الخصب عند البابليين، الذي يوصف بكونه دائم التنقل من بلاد لأخرى، وينهض منتصرا على موته، تماما كما تنهض ذاتها المنكسرة لتعيد الحياة إلى نفسها من جديد، وتعيد ترتيب العالم من حولها. تقول في مقتطف من قصيدة “غياب تموز”:
الرمح يهدد التاريخ
يعيد كتابته
كما الفحول تهدد الأرحام
ترمم بكارته
ينتهي الاحتدام
تورق النفوس
وفي لمح البصر
لا يترك أثرا نقتفيه
وأنت هناك يا تموز
. تراقب العروس
تجنح الشاعرة حكيمة عامرة في هذه التجربة الشعرية إلى تشييد عالم تكون فيه القصيدة معبرا للخلاص نحو ذلك العالم المثالي الذي تترجاه مكانا صالحا للإقامة، وممارسة جنونها الشعري، بعيدا عن نزق هذا العالم وضجيجه، وبالتالي الهروب نحو ضجيج “الأنا”، ذلك الصوت الشعري الساحر الذي ينبعث من نفس الشاعرة حين يصمت العالم.