أخر تحديث : الأربعاء 18 يوليو 2018 - 6:56 مساءً

من “سفر الموت” إلى “مسامرة الموتى” قراءة في ديوان “حبيق الموت” لعبد المجيد الباهلي.

بتاريخ 18 يوليو, 2018
من “سفر الموت” إلى “مسامرة الموتى” قراءة في ديوان “حبيق الموت” لعبد المجيد الباهلي.

انجاز : حمادي التقوا

-1-
قادما من الشعري الذي يلتف حوله السياسي في ديوانه الأول “سواك الخاطر” (2015)، ممتحنا طقوس العبور و آلامه، ينخرط الزجال المغربي “عبد المجيد الباهلي” في التوقيع باسمه الشخصي على صفحات تثري “سفر الموت” بتجلياته اللانهائية، صفحات اختارت أن تكون “أصيصا” لتبرعم أسئلة الموت: “حبيق الموت”(2018). أي مفارقة سحرية، هذه، أن يتم التأليف بين التبرعم الولادة (حبيق) من جهة وبين دلالات الفناء(الموت) من جهة أخرى؟ ألا يكون هذا التقريب بين أعناق المتنافرات ترجمة لوعي شعري به تشق الذات الشاعرة مسارب الكتابة عن الموت واستشكاله بآلة الشعر؟
-2-
لن نغامر إذا قلنا بأن “حبيق الموت” فتح شعري- زجلي يتفرد به “الباهلي”، لا يعني هذا الحكم أن أقطاب الزجل المغربي لم ينشغلوا بسؤال الموت (ذلك أن “أنطولوجيا الموت في الزجل المغربي” شاسعة)، وإنما يبدو انشغال شاعرنا أقرب ما يكون لاحتراق الفيلسوف بالمفهوم والصوفي بالمطلق. بهذا يرتقي متن الديوان لمدارج التجربة، شرط أن تفهم بالمعنى الذي يختاره لها “جورج باطاي” حين كتب: “أسمي التجربة سفرا في أقصى الذات. ليس كل فرد قادرا على السفر، ولكنه في حال الإقدام على المغامرة يفترض في فعله أن يتنكر لكل ما يحد من الممكن و أقصاه”. وصاحب “حبيق الموت” يذهب بالتجربة إلى ما وراء الممكن حين يكتب:
“بعد موتي
نحيا القصيدة
المعاني قوتي
و الذات تجريدة
معرية روح “المعري”
نظرة و تجريدة”
لا تتحقق الكتابة إلا بالانخراط في موت رمزي. أليس فعل الكتابة نفسه انتسابا إلى الموت، بما هو فناء عن ما يحجب الذات الكاتبة وهي بصدد التحديق في المجهول؟ ألا يكون استدعاء “المعري” رغبة في انتساب مضاعف إلى سفر الموت، حيث يجاور “حبيق الموت” رسالة الغفران والكوميديا الإلهية وأربعينية “غويتسولو”؟ هي شجرة النسب تتراءى لقارئ الديوان، شجرة بظلها تحتمي التجربة من حرارة السؤال:
“شكون قال الموت
تجي مرة وحدة؟”(ص90)
الموت، بهذا المعنى، تعدد أنطولوجي وليس وحدة ميتافيزيقية. تعدد يسم الموت بميسم المحايثة. ويرفع التجربة إلى فضاء الكشف عن مجازية الحياة واقترانها بالظل والوهم:
“كنت مشموت ف حياتي
موتي هي مولاتي
معلقاني جوهر و لويز
على صدر العبيد
ف غيابي حاضر عزيز
نتنشوى بغدر ساداتي”(ص86)

إن الذات وهي تعبر نهر الأشيرون تمنح لهذا العبور وجوده في حمى الكتابة. ها أنت الآن ترى الأشياء كما هي. منذور أنت للخروج إلى النهار، كما نعت الفراعنة الموت. الغطاء مكشوف والبصر حديد و الحجب انتفت. لك أن تنعم الآن بانفلات الروح من سجنها. لك أن تغنم الضيافة كما دونها “النفري” في إحدى “مخاطباته”: “مرحبا بعبدي الفارغ من كل شيء”. لك أن تترك طقوس الموت ومعها شروط قراءة “كناش الموت” وصية:
“باش تقرا
فقر هاد الكناش
خلص الكفن
و امنع التحراش
الحروف الحاصلة
تخرج تنغل
العين الزايغة
تبطل الترماش
و باااش
تغري العدم
المخيط الفراش
كون نعش
و رحب بالعزايا
ما تدهاااش”(ص58)

إن كتابة الموت و توصيف الطقوس قد يوحي للقارئ بسريان الفاجعة، بيد أن قراءة تحتمي بليل المعنى و ظلاله تمنح للموت صفة الاحتفال. احتفال يذكرنا بامتداح “سيوان” للموت:
“الولادة سؤاااال
الموت جوابو”(ص97)
هو الجواب الذي يضمر بذرة سؤال يحتفظ للموت بجذوة نار الحيرة، “حيرة ترادف الجسد المقطع” كما شخصا “لاكان”، جسد مقطع لا يلتئم إلا بنسيج التراب أو كما كتب المعري:
جسدي خرقة تخاط إلى الأرض
فيا خائط العوالم خطني
-3-
إن تجربة “حبيق الموت” بانحيازها لشعرية الموت لا تخون شعرية الكينونة، ذلك أنها لا تتأسس على عدمية ما قد تفرغ التجربة من بعدها الحسي-الجسدي، ليس همها أن تجرد الموت وأن تتجه به صوب المفهمة وإنما المسعى المضمر أن تكشف عن الموت “حيا”، نقرأ في باب “سكرات الموت”:
“غيبت
يمكن مت
عشت دنية الموت شهوة
ف رمشة عين فقت
يمكن حييت
ما سخاتش بي
ملايكة الحياة
نكون ع نزوة”(ص95)
هو الهجس بالموت: التفكير في عتمته شعريا، التحديق في شمسه بجرأة.. فإذا كان من العسير اختيار الموت و اختباره، فإن كتابته تخفف من إحراج انتظاره، إحراج صاغه “نيتشه” بقوله: “إن موتا ليس حرا، ولا يأتي في الوقت المطلوب، هو موت جبان.. علينا، حبّا في الحياة، أن نرغب في موت مغاير تماما، موت حر وواعٍ دونما صدفة أو مفاجأة”: هذا الموت الحر هو ما يمنح الذات قبسا من المطلق ويؤهل الحي الميت:
“باااش يكتب مكتابو
قصة مكتوبة بحروف
تداوي السقام
خطوة معبورة
اتحفن ترابو
من محيبق الموت”(ص32)

إن قراءة خطية للديوان لن تمنح القارئ كثافة كافية من ضوء المعنى، ذلك أن الموت يخضع لتبديد جريء. فلا غرو أن قراءة يقظة، تبتغي كشف السري، ستلفي الموت معروضا أمام مرايا لها اللانهائي. وستكون هذه القراءة مجبرة على استحضار الكشف الفكري عن أسئلة الموت مقرونة بالكشف الشعري بحدوسه و معارجه و تركيزه. نقرأ في “السكرات”:
“النعاس خو الموت
كلو حلم
الفياق خو الحياة
كلو هم”(ص85)

لن يتسنى لنا أن نلاحق تعدد المرايا، و ليس الاختزال إلا تعسفا قرائيا يحجب فائض المعنى، خصوصا إذا تعلق الأمر بحضور ضليع لما يربو عن خمس وخمسين عبارة تحاقل الموت في متن الديوان. لكن للقارئ أن يلازم اليقظة لتبرز أمامه أهوال تأويل تجربة شقت مسارب المنسي واللامفكر فيه بخصوص سؤال الموت وواستشكاله شعريا…
-4-
و بعد،
فإن الشاعر لم يتغافل عن زيارة الموت، بل فضل أن يرهف السمع لندائه، وأن يحدق في عيونه بقوة، ليضيف إلى مدونة الموت الشعرية السحيقة توقيعه الشخصي، وأن ينقل إلى القارئ نار “المسامرة مع الموتى”…

<