Search

هامشية المعنى وغرائبية المبني في رواية روائح مقاهي المكسيك

ذ. الكبير الداديسي

في إ طار تفاعلنا مع الرواية العربية المعاصرة  نفتح في هذه الدراسة نافذة على باكورة الكاتب المغربي عبد الواحد كفيح بعدما ترجل عن القصة القصيرة وركب غمار المسافات الطويلة عبر  أول  عمل روائي له ( روائح مقاهي المكسيك) الصادرة في طبعتها الأولى سنة 2014 عن دار ليكي أخوين في 159 صفحة من الحجم المتوسط

وكباكورة أي روائي حاول كفيح أن يقول كل شيء في هذا العمل الذي ينزل بالقارئ إلى العوالم السفلى حيث الفقر،واليتم والتهميش والجنس الرخيص في الأوساط الدنيا من المجتمع في مرحلة معينة من تاريخ المغرب:

 الرواية يحكيها  بضمير المتكلم ساردان لتجسد بذلك  السرد الذاتي والرؤية المصاحبة مادام السارد راوٍ وموضوع رواية، وأحد أبطال الحكاية:

  • سارد ثانوي مثقف يوجد بعربة قطار يطالع رواية (أنا والشيبة العاصية؟أولمَ لمْ تنتظريني يا أمي) ص6 التي اقتناها من محطة القطار ورافقته عبر رحلته يلتهم صفحاتها لا يلهيه عنها إلا ما يعرفه القطار من صخب أو توقف في بعض المحطات يستغلها يطل على القارئ من حين لآخر لتوجيه الأحداث،
  • والسارد الرئيس “بوقال” الذي يحكي حياته منذ ولادته إلى أن استوى كهلا والذي قضى معظم حياته  بمقهى المكسيك. المحال عليها في عنوان الرواية، وشكل ما سرده “بوقال” النصيب الأوفر من المتن المحكي.

 لتتمحور بذلك رواية (روائح مقاهي المكسيك)  حول حياة بطل لم يذكر له السارد اسما واكتفى ببعض أوصاف عرف بها بين شخصيات الرواية أهمها “بوقال” (عريض القفا): ولد بوقال في أسرة يتيما بأبوين على قيد الحياة: أمه اختفت عن الأنظار بمجرد ولادته وأقنعوه أنها مات وأن غلظ رأسه سبب وفاتها، وأب انشغل عنه بزوجتيه ( من ظل يعتقد أنها أمه أم أخيه عمر، ودادازهوة أم أخيه حسن) ليجد نفسه فريسة التهميش والتمييز، ومحط سخرية واستهزاء لا يعرف الفرح طريقا لقلبه، ولا هو عرف طريقا سالكا للفرح فنشأ يعتبر نفسه ( ذلك الحائط القصير الذي تعلق عليه كل الآثام والذنوب.) ص .13 يقول: (كنت ضحية كل عمل شيطاني لا يرضي الكبار ارتكبه الصغار حتى أصبحت كخرقة بالية تمسح بها … زلات إخوتي بل وحتى أبناء الجيران) ص.13 ، ممنوع من الاستمتاع في أية لحظة، بما فيها لحظات الأعياد التي تستحيل أمامه تعاسة وشقاء ومعاناة داخلية دامية أمام اهتمام زوجتي أبيه بأبنائهما حتى أضحى يوم العيد بالنسبة له سجنا  ((كنت أسجن نفسي في زنزانتي ولدي شعور بدواخلي أن أحدا من أخوي يراقبني من عدسة الباب ويضحك فلا أخرج إلا ما بعد الظهر) ص.18

طرد من بيت الأسرة شر طردة بعد مأساة ختانه  فامتهن التشرد، متنقلا بين مهن وضيعة كثيرة عجزت أي منها في تأمين قوت يومه، قبل أن يمهد له السارد الطريق ويلقي عصاه بمقهى المكسيك بين شخصيات من العالم السفلي للمجتمع أهمها مالكي المقهى  (الشيبة العاصية وزوجنه العايدية) ويعيش غرائب لا تخطر على بال، قبل أن تختاره العايدية زوجا لابنتها الخالدية المتزوجة من فلاح عجوز  في قرية منسية منذ اغتصبها زوج أمها ( الشيبة العاصية) معتقدا أنه سيصب سيد المقهى عقب وفاة “الشيبة العاصية” وإنجاب ولد من الخالدية، لكنه استيقظ على كابوس خيانة زوجته له وكون الصبي ليس ابنه…

وينتهي في حالة شاذة عصية على الفهم و التصنيف في مجتمي نمطي لكل مكانته، يقول: ( أجدني إنسانا مجهولا لا أصل ولا فصل، لا بطاقة لدي ولا أوراق ثبوت الهوية ) (ابن لي رغم أنفي من زوجة مازالت في عنق رجل آخر، قيل انه ليس ابني ، وعودة الأم المشؤومة بصحبتها أخت لي لا أعرف من يكون أبوها ) ص. 145 

 وعبر هذا الخط السردي تتوالد حكايات هامشية كثيرة تتناسل منها أحدات ترصد تذبذبات واقع مختل، تمتزج فيه كل الأمراض الاجتماعية من خرافة، شعوذة، جهل،أمية، جشع وفقر…  والطفل فيه الضحية الأولى ، هكذا نشأ بوقال يعاني الحرمان من كل شيء يقول عن نفسه( ما لعبت الكرة مع أقراني مرة، ما سبحت إلى اليوم في نهر أو بحر، ما تعلمت ركوب دراجة هوائية أو نارية، ما أخذت لي صورة قط في حياتي، أنا ما نجحت مرة كسائر الأطفال و حتى كررت مرة ، لا رسمت ولا فرحت ولا ضحكت مرة من أعماقي… أنا ما حكت لي جدة في حضنها الدافئ كسائر الجدات … ما قتلت يوما عصفورا وك كسرت غصنا ولا قتلت مرة نملة …) ص 15

في مقهى الشعب الذي أصبح فيما بعد مقهى المكسيك تدور معظم أحداث الرواية ، وهو مكان حاول السارد تنميطه لدرجة  جعل كل قارئ يعتقد أن يوجد في مدينته العتيقة، فهذا المقهى كان (مأوى من لا مأوى له، مأوى الحشاشين والسكارى والمشردين والمقامرين والافاكين والسماسرة ولاعبي الثلاث ورقات والحمقى والمعتوهين والجواسيس والغرباء ومروجي الإشاعات والمساجين…)ص26  أبوابه مشرعة كما يقول على الدوام …وهو ما جعل من الرواية عالما مفتوحا على كل جراحات المجتمع المغربي، وشلالا من المعاني السالبة المرتبطة بالفقر الجوع، الفقد، الأحلام المجهضة، صراعات الفقراء ، الخيانة ، الشعوذة، الجنس… السياسة والنضال ضد المستعمر.. في إصرار وسعي مقصود من الساردين إلى قول الكثير في كلمات قليلة عن مرحلة هامة من تاريخ المغرب (مرحلة ما بعد الاستقلال) مع السماح للشخصيات في أحيان كثيرة للتعبير عما يختلج صدورها ، وهو ما وسم الرواية بتعدد الرواة ، تعدد أفلت الحبل في كثير من المرات من المؤلف فسقطت الرواية في تداخل الرواة، وتمرير مواقف السارد / الكاتب  عبر مواقف الرواة الآخرين في تورط مكشوف وإن كان مقصودا، كما تجلى في انتقاد بوقال لممارسة الأطفال الجنس على الحيوان في جمل تحمل أحكام قيمة صادر عن المؤلف وليس عن الراوي بوقال، فمن يستمع لبوقال وهو يقول ( لا يوجد مسوغ معقول لأن يمارس هؤلاء تفاهتهم باستمرار على هذا النحو .. إلا إذا كان القهر والكبت والقمع قد شل تفكيرهم ويسر لهم سبل الانحراف المشين، في المقابل ما أظن أن طبقة راقية تمارس الجنس بهكذا طرق منحرفة … تصل قمة الحقارة وخدش الحياء . كيف لا فشهوة الجنس عدو مارد وغول اعمى لا يرحم..)ص. 37  يدرك أن الكلام  للكاتب / السارد عبده القابع في مقصورة القطار والمتماهي في بعض اللحظات مع بوقال كقوله (هكذا سرحت بي الذاكرة كبطلنا هذا إلى الأيام الخوالي..)ص. 46 ،  ولا غرو إن توارى الكاتب/ السارد عبده أوتسلل  عبر الشخصيات الأخرى ليمرر مواقفه، أو وقف شاخصا يحكي حكايات تبدو للقارئ البسيط  شاردة كحكايته لإحدى سفرياته ببلاد الطليان ( آآآآه يا إلهي ، آه يا أنت يا عبده ما الذي أتى بك على هنا) ص65 أو حكايته لقصة ( عنزة السيد سوغان)…

 ولما كانت رواية (رائحة مقاهي المكسيك) حبلى بالحكايات والقضايا وملتقى لنماذج بشرية شتى، بلغة سردية تأسر القارئ، نعلن استحالة مقاربة كل جوانب الرواية في مقال مهام طال حجمه، لذلك سنقتصر على عنصر  بسيط من اللغة السردية  نقصد به لغة السارد وطريقة وصفه للمكان و لأهم الشخصيات التي تفاعل معها في الفضاء الروائي ، لقناعتنا أن الوصف يتضمن تعبيرا عن المواقف، ورسما لأبعاد المكان والشخصيات، مع الإشارة إلى أننا سنقتصر في الوصف على التشبيه بعدما استوقفتنا شعرية اللغة ، وغرائبية التشبيهات التي كان يستعين بها السارد لأعلان موقفه ممن يحيطون به، ولعل أهم ما نال حظه من سياط هذا التشبيه تلك الشخصيات التي جعلت حياة بوقال جحيما ومجرد سلسلة من الخيبة والازدراء، فلم يجد أمامه سوى أن يجرد لسانه، ويفتح مخياله  لينتقم منهم واحدل واحدا بأن شبههم بكل شيء موجود حوله أو تخيله، وقدمهم للقارئ في هذه الصور :

1 – العايدية:   لم يكن يرى فيها سوى ( كثلة لحمية متراصة البنيان تخطت عتبة القنطار وما يزيد… سمينة غليظة مترامية الأطراف والأرداف، تحتاج إلى مقعدين في الحافلة لأن مؤخرتها، ولا حسد، بناء مهول تداعى بلا كوابح ولا ضوابط… تقتعد وسادة لا أقول غنها متسخة لكن إذا عصرتها في فم كلب يتقيأ قبل أن يصاب بالسعار ويسقط على قنة رأسه ميتا) ص. 47  وفي ملامحها  (كالقبرة تغمض عينا كئيبة غائرة مبللة خامجة تبول على الدوام وتفتح أخرى منتوفة الأهداب وسط حفنة من التجاعيد)ص.47  لم تسلم من سخريته وتهكمه وأوصافه القاسية حتى (وهي في المرحاض تطلق ضرطا كمفرقعات ذات قوة تدميرية هائلة )ص.48 (كانت إذا ما دخلت المرحاض تهز أركان المقهى عاصفة من روائح كريهة نتنة كأنها لحصان مات جيفة على قارعة الطريق، وكانت تسمع لها أنات حزينة وحشرجات أليمة تثير حفيظة الرواد حتى البكم والصم )ص. 73 لا شئ فيها جميل فهي إذا مشت( تمشي مقوسة كدب يكاد يمشي واقفا) ص.73 ( تمشي كالإوزة … تمشي وعجيزتها في الشرق وصدرها العرمرم في الغرب بينهما مسافات ..)76  وإذا ركبت كان من الصعب إنزالها (بذلنا مجهودا شاقا في زحزحتها وإنزالها ككيس قمح من العربة)ص. 74.  لذلك تخلص منها روائها بأن أنهاها محنونة على حين غرة ، فقبيل جنونها ( خرجت تعب الماء … كعاملة منجم خارجة للتو من الغار) ) وبدون سابق إنذار (رمت بلغتها ثم حملتها إلى صدرها واندفعت في هياج وغضب كبقرة جنتها نعرة الطاكوك) 131

2 – الشبة العاصية :  يبدو موقف السارد من هذه الشخصية من خلال الاسم الذي اختاره لها، وزاد في انتقامه منه الأوصاف التي أضفاها عليه : (أذناه المدببتان ووجهه الذي يشبه الصقر، حتى ليبدو أنفه المعقوف كنسر وحشي… بعباءة قديمة بلون الفئران)ص.23  (  يخفي صلعته على الدوام … يدك على الدوام سرواله في جوربيه فيبدوا كأنما هو في تأهب دائم للهب ..)ص.40. ولعل هذا الوصف والتشبيه يختزلان كل ما يريد السارد  قوله في حق الشيبة العاصية: ( الجلد ملتصق بالعظم وكأنه رسم كاريكاتوري أو هيكل عظمي في حفل تنكري)ص. 41  (أراه بلا نفع ولا جدوى أراه حطاما أصابه التلف والخرف يحمل على الدوام سطلة ماء متأهبا على الدوام للوضوء بيد أني ما رأيته قط يمم وجهه شطر القبلة مؤديا فرض ربه ، ما خلا أيام الأعياد حيث يتأبط سجادة مرائيا بها المرائين..) 41 ولم يرحمه حتى وهو  فراش الموت ( أخذني من يدي فأحسست بملمس يده الخشن وكأنني أقبض على غصن شجرة البلوط أو سمكة الشابل) أي جامع يجمع بين شجرة البلوط وسمكة الشابل غير حقد  السارد الذي لا تسعه الأرض والممتد من قمم الجبال إلى ملتقى النهر والمحيط حيث سمك الشابل، لذلك اختار السارد التخلص منه مثلما تخلص من العايدية، فاختار له شر قتلة روائية تحاملت كل عناصر الطبيعة فيها ضد الشبية العاصية:  المحمل تكسر به، الأمطار أخرت دفنه بعد أن( كفنوه بل قل لموه داخل صرة بيضاء قرب النعش ووضعوه على شكل كيس بلاستيكي على وشك رميه في علبة القمامة) ص.123   ويكون الخلاص عند الدفن (هكذا ردمناه على وجه السرعة كقشرة بطيخ تافهة في أتون حفرة موحلة باردة)ص.127

  • – الأم التي ارتبطت في الذاكرة والوعي الجمعي بالحب ، الحنان التضحية… جعلها السارد رمزا للتنكر والخديعة ، وحتى وإن لم يبين سبب هروبها يوم ولادته ، فقد ظل يحملها مسؤولية معاناته ، لذلك لا غرو أن يكيل لها الصاع صاعين، وأن يتنكر لها لما رجعت إليه، وأحال عودة الأم التي يفترض فيها أن تكون مخلصا للبطل من معاناته،  لم تسلم من معول تشبيهاته القاسية ( ها هي تعود  تجر خطواتها بمكر الثعالب)ص. 140 ب( أنفها دقيق كمواعيد الخونة واللصوص )141 مختصرا كل ما يريد قوله في الاسم الذي اختاره (اشتوكية لخواض)
  • زوج الخالدية: على الرغم من كون هذه الشخصية لم تؤذ السارد في شيء فإنها هي الأخرى أصابتها شظايا مفرقعات أوصافه وتشبيهاته المشحونة بالحقد فقدم زوج الخالدية ك(جثة محنطة… يكشر عن أنيابه، ظننته مسعورا… أنف معقوف كقوقعة حلزون … يشمر على ساعدين انسلخ جلدهما كجلد أفعى …  يلتفت ذات اليمين وذات الشمال كالمرعود… أحسست بملمس يده لينا جدا حسبتها جناح خفاش كانت يده باردة مثل يد ميت )ص. 82/81  يشتم من رائحة أوصافه أنه يتمنى له الموت (شيخ شرس أضحى حطاما وما زال يصر بعناد على البقاء متشبثا بالأرض والحياة كنبتتة برية لا تثمر إلا شوكا) 87 وقد تخلص منه هو الآخر بإبعاده عن مجريات الأحداث.
  • نفسه: على طريقة الحطيئة توجهت سمات الهجاء للذات  منذ الولادة ( كل مولود ينزلق عند الولادة بسهولة كالسمكة وأنت كالبغل الحرون يقف معاندا في وسط الطريق ، هذا الرأس الضخم لم تجن منه الا اليتم النكد والإغراء بالضرب)ص.20 … يصف رأسه (تحمله هكذا ثقيلا منتصبا فوق كتفيك  كنقطة كيلوميترية على جنب الطريق يرهق جسدك )20 / (متشردا صابرا … تشبثت بالخواء واللاشيء كنتة برية شحت عنها السماء وطمعت ريح شرقية في اجتـثاثها) 23  وبخلاف الأسوياء الذين يفتخرون بالذات، ظل البطل يرى نفسه غبيا بليدا غليظ الرأس فكل اللعنة على  (هذا الرأس الذي جلب لي من الضرب م لا يتحمله الطبل يوم العيد هذا الرأس الذي كابدت في سبيله اليتم وكل أنواع التعب والظلم)24  لم يترك لحظة إلا أذل فيها نفسه بين أخويه، بين زوجتي أبيه كلما أمرته إحداهما يقول (أذعن للأمر الصاعقة.. وفمي يقطر لعابا ككلب بافلوف )ص.39  … بين العايدية وابنتها الخالدية  ظل ( كقرص خبزة تدلكه العايدية صباحا لتكرصه ابنتها كيفما تشاء مساء)ص 101… وأمام زوجته يقول (استرخيت تهاويت كدمية من القماش بين يدي طفلة تدمن لعبة العرائس )ص.108 ( دثرتني في خمائلها كحمل وديع يستجير من رمضاء اليتم والعزلة وكيد الأعداء) 109… لتكون نتيجته حتمية شخصية فريدة والد ما ولد ….
  • زوار المقهى : هي نفس النظرة الساخرة الناقمة  كان ينظر بها لكل زائري المقهى، فيرصد حركاتهم وسكناتهم، ملامحهم ولباسهم، مساويا في ذلك بين المرأة والرجل، بين الكبير والصغير. فرواد المقهى كانوا(من الغرباء البدو الذين لا يعرف لهم أصل ولا فصل لا مناطق انطلاقهم ولا أين هم ذاهبون … غرباء رحل كالغجر، أو كالهنود الحمر رجال ونساء من الأعراب والبربر نزحوا من القرى  فرار من شدة الجدب وغدر القحط محملين بالأكياس والحقائب  والصرر والأطفال العراة على الأذرع …) منهم الجنود الذين عندما ينزلون بها  ( ينزلون هنا كقطعان البقر الجافلة)30  والحصادون بأدواتهم (أكاد أسمع صليل المناجل وقعقعات الصباعيات كما في فيلم للمعارك التاريخية) 31 ليالي الصيف القائظة كانوا يوثرون التمدد متراصين كما علب السردين أمام المقهى)43… ونظر لتعدد زبائن المقهى نكتفي بهذه الإشارة لبعضهم كتلك المرأة  عجوز التي  يقول فيها ساخرا من طريقة عبادتها (كنت أراها كلما هجعت لصلاتها تخلع سروالها وترمي به جانبا لتنخرط في صلاة وابتهال ما عرفه القدامى والمحدثون .. طقوس تعبدية ما أنزلتها  شرائع السماء ولا بشرت بها نواميس الأرض ، كل يوم تيمم وجهها شطر مكان تارة صوب الباب وتارة تجاه المرحاض … تبدأ في قراءة آيات من القرآن لا جامع بينها إلا باسم الله الرحمان الرحيم)ص41…  ويمتد الحقد في الوصف، والسخرية والتنكيل بالشخصيات الأغنياء والحكام  فلا يجد ما يشبههم به إلا الكلاب والذباب، وأن زمن متعهم قصير لأنه في الأخير (يموتون جيفة كالكلاب الضالة ، الذبابة لا تعيش إلا عمرها خمسة عشر يوما على أكثر تقدير ) ص 42

هذه الشخصيات وغيرها كانت تتحرك في فضاءات  لا تقل اتساخا وبؤسا بؤس ووساخة الشخصيات؛ فالمقهى يغص بالأوساخ به مرحاض رائحته قاتلة ( ما بخارج المرحاض أفظع وأبشع حيث تنتشر فضلات الطعام وقشور الدلاح والبطيخ وعظام الدجاج وعلب السردين الصفيحية وقشور البيض ورائحة البول وما تجلبه هذه القاذورات من صراصير وبعوض وناموس وسحائب من ذباب) 30، لا شيء فيه نافع و ذا قيمة (جهاز التلفاز لا ادري ما نوعه يعود إلى العصر الجوراسي … مروحية ثلاثية الأجنحة  مذبوغة بذرق الذباب … وفي أقصى اليمين ترقد ثلاجة ) يتخذها الشيبة العاصية مخزنا للملاشيات .. وحتى وسائل النقل كانت فضاءات جـحيمية ففي هذا القطار في لحظات دخول بين الراحة ( يبدأ التهافت والازدحام على مرحاض المقصورة شي غادي شي جاي … كقسم لمستوى التحضيري البول السريط والمريط والضريط.. ) وتلك الطاكسي تصبح علبة سردين يقول : (ركبنا طاكسيا أبيض كبيرا … تفنن السائق في حشرنا داخل السيارة كالسردين بل قل كالدود بطريقة فنية لا تخطر على بال مهندس بارع ) 71

هكذا تكون رواية (روائح مقاهي المكسيك) قد اختارت أن تقدم صورة عن مجتمع يعاني أزمة قيم، وفقد بوصلة المعيارية، الأبوة والأمومة فيه فاقدة لكل معاني الحب والحنان، والفقيه الذي يسلمه الأهالي فلذت أكبادهم ليعلمهم ( يعمد إلى إجلاس التلاميذ بالقرب منه حتى إذا استأنس للبعض منهم، جر واقتعد أقربهم إليه بين فخذيه، حتى إذا ما مسه شيء ناتئ كالغضروف من بين فخذيه قفزت قلوبهم إلى حناجرهم وتعالى اللغط والصراخ كتبعات مداهمة فاشلة لثعلب هتك خم دجاج)ص.70، هكذا يغدو والمقهى (وهو مجتمع مصغر وصورة للمجتمع المغربي والعربي عامة) مأوى البسطاء  وكرا للوشاية  و الشعوذة  والاستغلال والاغتصاب والجنس الرخيص فهذا شاب  يقود امرأة عجوز إلى المقهى ليقضي منها وطره  متظاهرا بأنها أمه 38 ، و بوقال شاهد على كل ما يقع بالمقهى يرصد إحدى تلك المشاهد قائلا ( حاولت أن أحدق في الظلام أن أعرف سر ما يفعلون… تشابك واندغام والتحام سبيه بالعراك المكتوم تماما كما يفعل الدجاج أو بعض الحشرات كالعقارب والأفاعي حركات لا علاقة لها البتة بمراسيم وطقوس الالتحام الجنسي البشري لكن ما كنت متأكدا منه هو … تلك السمفونية من الشخير المثير للرعب والتقرقير والضرط والضرطير مثل مستنقع يعج بملايين الضفادع في مواسم التزاوج والإخصاب ، هذا علاوة على الزحير والطهير واللهات كثيران تعلف الملح والشعير …)39

  

هذه باختصار شديد بعض تلك  الروائح التي تفوح زاكمة الأنوف من مقاهي المكسيك كما رصدتها عيون عبد الرحيم كفيح ، في رواية ركزت على قضايا الهامش بمنى سردي متعدد الرواة وما المقهى إلا فضاء من فضاءات مجتمع “المواطنين” فيه سواسي كأسنان القط في الحقوق كل ينال نصيبه بالقسطاس مما أنتجته عبقرية المخزن من وسائل التعذيب 117 ، وأن كان تعدد الرواة قد يخلق مشكلا للقارئ البسيط، كما أن اعتماد السرد الذاتي وضمير المتكلم ، المرادف للرؤية المصاحة، والتي يكون فيها السارد راو وموضوع رواية ، وأحد شخصيات الحكاية، ولا يفسر الأحداث إلا بعد وقوعها فإن كان السارد في رواية (روائح مقاهي المكسيك بدا عكس ذلك متحكما في الشخصيات يسيرها على هواه، يرسم لها مستقبلها ويتخلص منها وقتما يشاء يقتل ويحيي ، يبعد ويعيد للمشهد من يريد، يصفها في نومها وفي يقظتها، ويبين ما تحلم به وما تفكر فيه  حتى وهي في المرحاض، بل ألفينا السارد/ الكاتب متحكم أشد ما يكون التحكم  في مسار البطل فنجد السارد يضيق الخناق على بوقال ويرميه كرها من مهنة إلى أخرى ويجعله كاللعبة في يد الشخصيات تسلمه الواحدة للأخرى وهو عالم بمستقبله وما ينتظره على عادة ما نجد في الرؤية من الخلف حيث السارد يعرف كل شيء عن شخصيات بل يعرف أكثر ما تعرف هي عن نفسها، لذلك ركزنا في هذه المقاربة السريعة على هامشية المعنى، وغرائبية المبني من خلال شعرية اللغة….

انتظرونا في رواية أخرى

 




أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *