أخر تحديث : الثلاثاء 14 نوفمبر 2017 - 4:37 مساءً

هل وزارة التربية الوطنية تتحمل مسؤولية فشل المنظومة التربوية؟

بتاريخ 14 نوفمبر, 2017
هل وزارة التربية الوطنية تتحمل مسؤولية فشل المنظومة التربوية؟

بقلم الخبير التربوي عبد الرزاق بنشريج –

من نافلة القول ان النظومة التربوية بالمغرب تعاني من أزمات، ومن البديهي أن تنعت وزارة التربية الوطنية بتحمل المسؤولية كاملة فيما حدث ويحدث للجسم التعليمي/التربوي من أمراض متنوعة، لمسؤوليتها المباشرة على تدبير القطاع، ولم تعد المنظومة في حاجة إلى تشخيص لما كتب في هذا الشأن، ولا نحتاج التأكيد على أن أهم مظاهر المرض الخبيث الذي ينخر جسم المنظومة هو ظاهرة “الهدر المدرسي” بما فيه “التكرار” و”الانقطاع عن الدراسة”، كل هذا أصبح من المسلمات، لكن هل فعلا وزارة التربية الوطنية تتحمل المسؤولية لوحدها فيما حصل ويحصل؟
وللجواب على هذا السؤال لابد من الاعتماد على دراسات وتقارير المؤسسات حتى ننهج الأسلوب العلمي، وبالرجوع إلى أغلب التقارير الدولية والوطنية وكذا الدراسات الميدانية نجدها تتحدث عن مسؤولية جهات أخرى غير وزارة التربية الوطنية، فمن خلال البحث الذي قامت به منظمة اليونسكو سنة 2004 تبين أن نسبة الهدر المدرسي مرتبطة بالناتج المحلي للدولة، فبالنسبة للمغرب الذي يتراوح عائده الاجمالي بين 3350 أورو و1750 أورو، فــإن نسبة الهدر المدرسي به في السنة الخامسة من التعليم الابتدائي هو ما بين 6% و 22%، وبذلك فللمجال الاقتصادي دور أساسي في نسبة الهدر المدرسي، أما الدراسة التي أنجزتها كتابة الدولة المكلفة بمحو الأمية بتعاون مع اليونيسيف حول الانقطاع عن الدراسة بالمغرب، سنة 2006، فتخلص إلى أن كل سنة يقضيها الطفل بالمدرسة الابتدائية كفيلة بتحقيق12.7% من رفع مستوى الدخل مقابل10.4% بالمدرسة الثانوية، ويزداد الربح بنقطة عند الفتيات، وكل هدر مدرسي يتسبب في خسائر هامة للمجتمع، فحسب نفس الدراسة يصل مجموع الخسائر بالنسبة للمجتمع نصف نسبة الدخل السنوي لسنة2004، أي ما يقارب 2.8 مليار درهم، وبذلك فتعليم جيد يساهم في تحسين الدخل السنوي الذي هو مسؤولية الدولة، واعتمادا على الدراستين يتبين أن نسبة الهدر المدرسي مرتبطة بالناتج المحلي، و أن هذا الأخير مرتبط بنسبة الهدر المدرسي (علاقة تبادلية)، كما أن ما خلصت له دراسة قامت بها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم أليكسو أن الإحصاءات التي قامت بها في شأن الأميين تشير إلى ارتفاع مخيف لعددهم في البلدان العربية ومنها المغرب، بانتقال العدد الإجمالي من 50 مليون عام 1990 إلى 70 مليون عام 2005، وبذلك فارتفاع عدد الأميين يؤثر سلبا على الدخل السنوي وجودة إنتاج باقي المؤسسات الخاصة والعامة، وهو ما خلصت إليه دراسة المجلس الأعلى للتعليم سنة 2008 حيث أشار تقريره إلى أن التلاميذ الذين ينقطعون عن الدراسة بعد أربع سنوات يؤولون إلى الأمية، مما يشكل استنزافا للموارد البشرية والمادية للبلاد، إذ يمكن تقدير تكلفة عدم التمدرس والانقطاع عن الدراسة بنسبة 2%من الناتج الداخلي الخام، كما أن خلاصة تقرير منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعلم والثقافة الصادر سنة 2014، أشارت إلى أن المغرب احتل المرتبة ما قبل الأخيرة عربيا في عدد الخريجين، كما أن 10% من الأطفال لايلتحقون بالمدرسة، وحوالي 34.5% فقط هي نسبة التلاميذ الذين يلتحقون بالتعليم بالثانوي، هذا بالرغم من كل الإمكانيات التي توظف في قطاع التربية والتعليم، والتي تفوق 5% من الدخل العام للبلد، ومن هذا التقرير يتضح أن قطاع التربية يستنزف جزءا من الدخل العام دون تحقيق نتائج مرضية؛
رغم هذه الدراسات والأبحاث الدولية والوطنية ورغم ما قامت به وزارة التربية من مشاريع وبرامج مثل برنامج “المواكبة التربوية لفائدة التلاميذ المتعثرين”، وبرنامج “الدعم التربوي”، وبرنامج “الدعم الاجتماعي”، وبرنامج “تأهيل المؤسسات التعليمية” وتسريع وتيرة إنجاز “مشاريع البناءات المدرسية” وبرنامج “تيسير” وبرنامج “مليون محفظة” يبقى كل هذا إجراءات انفرادية وجزئية لم تكن في إطار برنامج شمولي تشاركي يهم المجتمع بأكمله، تعبأ له كل السلطات الحكومية والتربوية، والفاعلين السياسيين والمجتمع المدني، ورجال التربية والتعليم وآباء وأمهات وتلاميذ،
من خلال هذه التقارير وغيرها يمكن القول إن مسؤولية وزارة التربية الوطنية واضحة وجلية، لكن ليس لوحدها، فجل التقارير تركز على أسباب داخلية وأخرى خارجية كالأسباب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي لاتتحكم فيها وزارة التربية الوطنية، وبذلك فالمسؤولية الكبرى تقع على عاتق الحكومات المتعاقبة لكونها لم تدبر الشأن التربوي بنظرة شمولية تتعاون فيها كل القطاعات الأخرى، فالبنية التحية للطرقات والمؤسسات والبنايات، والماء الشروب، والحالة الصحية والنفسية للمواطنين وغيرها، ليست مسؤولية وزارة التربية الوطنية وحدها، فكل ما وصلت إليه المنظومة من تدهور تتحمل مسؤوليته الحكومات المتعاقبة قبل الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وأثناء الميثاق الوطني، وأثناء البرنامج الاستعجالي الذي سال حول اختلالاته الكثير من المداد،
إن أهم مؤشر على فشل المنظومة أو نجاحها هو نسبة الهدر المدرسي سنويا، وبالرجوع إلى لغة التقارير نجد أن المجلس الأعلى للحسابات يعيد التركيز والتذكير في تقريره لسنة 2017 على استمرار تدني واقع النظام التعليمي برمته، وكذلك استمرار ظاهرة الهدر المدرسي بشكل مقلق، بالرغم من البرامج الكثيرة والاستراتيجيات التي سعت، طيلة السنوات والعقود الأخيرة، إلى وضع حد لضعف النظام التعليمي المغربي وإخراجه من عنق الزجاجة،
على سبيل الختم:
تعتبر ظاهرة الهدر المدرسي أهم وأقوى مؤشر على فشل السياسة التعليمية لأي دولة، وأن مسؤولية ذلك تتقاسمها المؤسسات الحكومية، وتتحمل فيها وزارة التربية الوطنية القسط الأوفر، لأن تقاعس قطاع واحد –من قطاعات الدولة- يؤثر سلبا على مردودية الوزارة الوصية، كما أن تملص الحكومات السابقة والحالية من مسؤوليتها، حيث تعتبر التعليم مسؤولية جهات أخرى، ساهم بشكل مباشر في التدني و التدهور وارتفاع نسبة الهدر المدرسي؛
فمادام مبدأ اعتبار “التعليم أولوية وطنية بعد الوحدة الترابية” مجرد شعار للاستهلاك من طرف أغلب السياسيين الذين تحملوا مسؤوليات وزارية، وفي غياب الالتزام ببعض أركان دستور 2011 بما في ذلك ربط المسؤولية بالمحاسبة والحكامة الجيدة، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، فالمنظومة التربوية لن تزداد إلا هدرا مدرسيا وماليا.
عبدالرزاق بن شريج
خبير تربوي