أخر تحديث : الجمعة 25 أغسطس 2017 - 11:33 مساءً

هويات قاتلة

بتاريخ 25 أغسطس, 2017
هويات قاتلة

محمد مفضل*-

مع توالي أحداث الدهس و الطعن في كل من اسبانيا و فنلندا و الشعور بالإحباط عند أغلب المهاجرين المسلمين و خصوصا المغاربة بأوروبا، يبقى الإنسان حائرا متسائلا عن أسباب استمرار هذا المد الجنوني في قتل الأبرياء مهما كانت الأسباب. يبقى المتهم الأكبر في الموضوع هو الدين أو على الأقل تأويل متطرف للدين. غير أن تحليل الظاهرة من وجهة نظر سياسية ثقافية لا يضع الدين كمحرك أساسي حقيقي لهدا الحقد القاتل، بل هناك اعتبارات أخرى يمكن توضيحها من خلال استعراض لعملية البناء الثقافي و النفسي و السياسي للتشدد و الانغلاق و اللاتسامح.
حسب الطرح الذي قدمه الكاتب اللبناني أمين معلوف فإن الهوية تتكون من مجموع ولاءات، منها الولاء للوطن، للأمة، للدين، أو الطبقة الاجتماعية و غيرها من الولاءات. غير أن هذه الولاءات تنتظم في شكل تراتبي و تكون القيمة الرمزية للولاءات نسبية حسب معتقدات الشخص و قناعاته. من الجدير بالذكر هو أنه في فترة معينة من تاريخ الشخص أو المجتمع، تتعرض إحدى الولاءات للهجوم أو الخطر. حينها يصبح هدا الولاء في قمة التراتبية التي أشرنا إليها و قد يصبح الولاء الوحيد الذي يتحكم في سلوك الإنسان. فعندما تتعرض دولة ما للهجوم من طرف عدو ما، فالكل يتجند لمحاربة هذا العدو على اعتبار أن الولاء للوطن يصبح الولاء الوحيد الذي يكون فاعلا و مؤثرا في تلك المرحلة. و نفس الشيء يحدث إدا ما تعرض ولاء آخر ما للهجوم أو الخطر.
لكن في الظروف العادية يجب أن تبقى جميع الولاءات فاعلة و مؤثرة، و كلما تنوعت و تعددت الولاءات و اتسعت مثلا لتضم كل المجتمع الإنساني كلما كان الشخص أكثر قبولا للاختلاف و أكثر تسامحا نحوه. إن توسيع دائرة الولاءات و الانتماءات و القضايا و القيم المشتركة مع المجتمع الإنساني لن يتم إلا بتعليم و ثقافة يشجعان على الحرية الفكرية و التفكير النقدي و ينفتحان على الثقافات الإنسانية الأخرى. السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا يتحول شخص ما إلى قنبلة موقوتة تنفجر في وجه الآخر أو إلى سائق شاحنة يدهس أبرياء لا علاقة لهم بما يدور في رأس السائق؟ ما دور الدين كانتماء؟
إذا كان الدين مسئولا عن التشدد المؤدي إلى الإرهاب، فلماذا لم يكن ذلك صحيحا عبر التاريخ. فعندما كان المجتمع الإسلامي في أوج الحضارة و التقدم كان أكثر استيعابا للاختلاف وللآخر. إدا كانت آيات القتل الموجودة في القرآن هي المحرضة على العنف، فلماذا لم تنتشر نفس الظاهرة في المجتمع الغربي و نحن نعرف أن الآيات التي تدعو لقتل العدو في الكتاب المقدس هي أكثر عددا من تلك الموجودة في القرآن؟
القران كالكتاب المقدس قابل لتأويلات مختلفة حسب السياق التاريخي الذي يتم فيه التأويل. إذا كانت الجماعات الإرهابية تؤول القرآن ليتماشى مع ايديولوجيتها السياسية المتمثلة في محاربة الغرب ورموز الغرب و كل ما يمثل الغرب ومن يتحالف معه و يدعمه، فإن تمرير هذا التأويل للمجندين الجدد يتم عبر آلية تستحضر الطرح الذي قدمه أمين معلوف الذي يتمثل في إلغاء كل الإنتماءات و الولاءات في ذهن المجند و الإبقاء على انتماء واحد و هو الانتماء لجماعة الإسلام التي تحارب الكفار في أرض الحرب.
لكن لماذا تغلف هذه الجماعة صراعها السياسي بغلاف ديني؟ طبعا، ليكون الصراع شرعيا و مقدسا، يحتاج إلى غطاء الدين. لكن لماذا يُستهدف الغرب و ليس الصين مثلا؟ ما جوهر الصراع إذا لم يكن دينيا في الأصل؟و هل هناك عملية تحويل لطبيعة الصراع؟
في الثمانينيات كان الآخر/العدو الذي تستهدفه الحركات الإسلامية هو الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، ثم أصبح الولايات المتحدة مع حضور دائم للقضية الفلسطينية في خطاب تلك الحركات. إن الصراع في أصله سياسي و هو صراع داخلي من أجل تحقيق حكم سياسي معين نظرا لعدم وجود ديمقراطية يتم بها تداول السلطة في الدول العربية خصوصا. يتم تدويل الصراع و ربطه بصراعات عالمية حتى يُرفع الضغط السياسي عن هذه الجماعات. إن الإرهاب هو ممارسة حرب ضد هدا الآخر باسم الدين، لكنه صراع سياسي بالوكالة تستبدل فيه الأنظمة العربية بأنظمة الغرب و مجتمعاته، و يُحمل أوزار التخلف و الفساد الذي تعيشه مجتمعاتهم الأصلية.
لكن كيف يتم تجنيد شباب للقيام بعمليات القتل؟ من الأكيد أن ما يتم تمريره لهؤلاء الشباب الذين يكونون غالبا يعيشون صراعات و قضايا من طبيعة أخرى [شخصية، اقتصادية، اجتماعية أو سياسية]، هو أن السبب الجوهري لما نعانيه من فساد و تخلف هي الأنظمة الفاسدة التي لا تطبق الدين و التي يدعمها الغرب لأنها تخدم مصالحه. فتصبح بذلك مهمة الإنسان على هذه الأرض مهمة واحدة و هي نصرة الإسلام لأنه في خطر و الانتقام من العدو الذي قد يتغير حسب ما تسمح به ظروف التأويل و الصراع. يتم حسب هذا الفهم التعالي عن الصراعات الأصلية و تبني الصراع الأساسي و يبقى الانتماء المهيمن في هوية هذا القاتل المحتمل هو الانتماء لهذا الإسلام المهدد. غالبا ما يكون هؤلاء الشباب مستعدين نفسيا لتفعيل هدا التحويل/الإزاحة[displacement]، كما يحدث تماما في الحلم [فرويد]، إما لصعوبة الحسم في الصراعات الأصلية و إما لأسباب أخرى لا مجال لسردها في هذا السياق.
رغم كل ما سبق، لا يمكن تعميم مثل هذه القاعدة الافتراضية على الجميع لان هذا التحويل و استثمار الطاقة السلبية و إعادة توجيهها للقتل يحتاج لشروط أخرى يكون أولها غياب الفكر النقدي و عدم التعود على الحرية في التفكير، و هده شروط لا يحققها سوى تعليم جيد و التنشئة الاجتماعية على التفكير بطريقة حرة و نقدية. الشرط الاقتصادي كالفقر قد يكون كذلك عاملا في بعض الحالات لكن لا يمكن تعميمه.
كخلاصة لا يمكننا إلا أن نقر بتعقد الظاهرة و صعوبة تحليلها في غياب توفر كل العناصر الفاعلة، لكن من الأكيد أن تربية الفرد على احترام كل الانتماءات التي تتشكل منها هويته في اختلافها و تعددها و العمل على توسيعها ما أمكن لتشمل كل المجتمع الإنساني و قيمه ستساعد هذا الفرد على أن يكون أكثر تسامحا و تقبلا للآخر و أقل ميلا للقتل المجاني.
أستاذ باحث بجامعة أبو شعيب الدكالي