fbpx

الديموقراطية والعلمانية: وجهان لعملة واحدة

مبارك أباعزي –

لئن كانت مبادئ الديموقراطية من قبيل الحريات الفردية، والتعددية  الحزبية، والانتخابات، وتداول السلطة، وفصل السلط، واستقلال القضاء، وحقوق الأقليات، وسيادة القانون، وغيرها، متعارفا عليها في بلدان العالم الثالث على مستوى الخطاب دون التطبيق، فإنها تتجاهل أمرا أساسيا تصر على تغييبه باستمرار، وهو أن المغزى من الانتخابات ليس هو تغيير المعتقدات الدينية للشعوب لكي تتلمس بعض الأحزاب السياسية طريق الأديان؛ أي أن الأحزاب الإسلامية، بتبنيها لشعار الدولة الدينية، تنطلق من مسلمة مفادها أن الشعب كافر، أو ضعيف الإيمان، والحال أن مجتمعاتنا تقاسي ظروف العيش غير المناسبة، وتعاني من شطط المسؤولين في الإدارات وتزايد البطالة وغيرها من الموبقات، لكنها، حتما، لا تحتاج إلى من يعلمها ألفباء الدين، أو من يشكك في اعتقاداتها الدينية.

إن من معاني الديموقراطية الحقة عدم استغلال مشاعر الناس في العمل السياسي، وتقديم برنامج سياسي قائم على مصلحة الأفراد والجماعات، وعدم خداعهم بالشعارات والأماني، ومصارحتهم في التفاصيل الدقيقة، وفي تفاصيل التفاصيل، فالعمل السياسي الجاد لم يخرج يوما في الدول الغربية الديموقراطية عن السجال السياسي حول البرامج السياسية أمام الملأ، وعلى مرأى من العالم. لكننا في العالم الثالث، نشاهد السياسيين لا يراهنون سوى على مخاطبة ومناجاة العواطف واستمالة القلوب الطيبة. وأبين نموذج دال على ما نقول، هو السيسي، مرشح الرئاسة في مصر، فخطاباته تحوم حول رحى الشعارات العاطفية. يقول مثلا: “مصر أمانة في رقبتنا”، أو “عايزين نشوف مصرنا في السماء السابعة”. كما أن بعضا من خطاباته السياسية لا يخلو من استحضار ثيوقراطي حين يقول مثلا: “والله العظيم..”، مما يدل على أننا يجب أن نكون حذرين ممن يستعمل الدين في السياسية، سواء كان من عباد الله الثقاة، أو من العباد العاصين، أو ممن لا نعرف تشريقهم من تغريبهم.

والنموذج الأكثر شيوعا هو الإسلام السياسي، فهو يرفض حرية المعتقد وحرية الارتداد، وغيرهما، مع أنهما مسألتان مرتبطتان بالإنسان الفرد، فهو الوحيد الذي سيحاسب أمام ربه، كما أن المفتي إذا زاغ وأخطأ في أمر من أمور الدين مثلا، فهو لن يقف مكان المسلمين يوم الحساب.

 إن الديموقراطية تضع الحريات المختلفة، بما فيها حرية المعتقد، في القائمة الأولى لمبادئها الرئيسية، وقد أشار مصطفى حجازي في “الإنسان المهدور” إلى هذا قائلا: “لطالما تم ربط التنمية والتقدم بالديموقراطية وحضورها، وتم ربط التخلف والتقهقر بغيابها. تماما كما اعتبر تقرير التنمية الإنسانية الأول (2002).. أن الحرية هي الشرط اللازم لتحقيق التنمية” (ط.1، 2005، ص.23). فالحرية جزء لا يتجزأ من الديموقراطية، وبدونها لا يمكن تحقيق التنمية، وهي أيضا من إساس العلمانية التي لا تقوم بدونها.

وغالبا ما يرفض الخطاب السلفي الأكثر تزمتا، وبعضٌ من اتجاهات الإسلام السياسي،  كل حديث عن الديموقراطية، لأنها، في نظرهم، تسند السلطة التشريعية للشعب، في حين أنه يعتقد بضرورة إسناد الحكم لله. لهذا تجد محمد قطب مثلا يقول في كتابه الضخم “مذاهب فكرية معاصرة”، بعد أن استعرض تاريخ التجربة الديموقراطية في الغرب بشكل مغرض، يقول: “إن البديل ليس هو الديموقراطية .. إنما هو الإسلام !” (ط.7، 1993، ص.256). ويضيف قائلا: “إن الديموقراطيات في سبيلها إلى الانهيار، بما تحمل في طياتها من عوج، وانحراف قائم في أصل النظام. وسيبقى الإسلام.. سيبقى لأنه دين الحق.. ولأن الله تكفل بحفظه.. ولأنه الشيء الوحيد الذي يمكن أن ينقذ البشرية كلها من ضلالها البعيد الذي لجت فيه…” (ص.207). والحال أن الإسلام اختلف الناس حوله منذ الفتنة الكبرى، وتقاتلوا وتناحروا، وما زالوا يفعلون، قاتلوا بعضهم كما لم يفعلوا مع ذوي الديانات الأخرى، وإذا دخلنا على موقع “اليوتيوب” وتأملت الخلافات بين شيوخ السنة، بله ما بين شيوخ السنة والشيعة من قطيعة عظيمة، فستجد أنهم لا يتحدثون عن إسلام واحد، بل عن إسلامات متعددة، ولا يتفقون إلا في عدد الركعات والصلوات وصوم رمضان، لهذا يبدو غريبا أن يحدثنا محمد قطب عن الحل الأمثل للتنمية المجتمعية، وهو يدرك تماما أن الناس حول الإسلام مذاهبُ وشعبٌ وتيارات.

وقد تساءل عبد السلام ياسين، الأب الروحي لـ”جماعة العدل والإحسان”، في حواره مع محمد شفيق، المضمن في كتابه “حوار مع صديق أمازيغي”، عن الفرق بين العلمانية والديموقراطية، إذ يقول: “لا أزال أنتظر من يقنعني نظريا وبالمثال الواحد الحي أن الديموقراطية واللاييكية يفترقان ويبقى للديموقراطية مدلول كامل” (ط.1، 1997، ص.49). وموقفه هذا فيه درجة كبيرة من الصحة، لأن الديموقراطية لم يستسغها الإسلام السياسي إلا في الآونة الأخيرة، فقد كانت تهمة مثل العلمانية تماما، وعندما أصبحت لها المقبولية المعروفة بين مختلف تيارات الممارسة السياسية، تنكر الإسلام السياسي لكثير من مبادئها، ونتج عن ذلك ديموقراطية بدون آذان تسمع، وبدون عيون ترى. كما أن النص يدل على أن الإسلام السياسي واع بالتلازم بين الديموقراطية والعلمانية، وأنهما شبيهتان بصفحتي الورقة الواحدة.

هكذا حصلت شعوبنا على ديموقراطية تبارك استغلال مشاعر الناس، إما بالوسيط الديني، حين يعفي أحدهم لحيته ويصنع للناس وعودا لا تتحقق لهم إلا في الجنة. أو بالوسيط الفني، حين نرى طائفة من الممثلين والمغنين يعتلون منصة البرلمان وهم في السياسة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وقد استغلوا حب الناس لفنهم للوصول إلى المناصب السياسية التي وصلوا إليها. أو بالوسيط البلاغي، حينما يدبج السياسي لغة مجازية لا محل فيها للمعنى، وتراهن على إغفال كل ما له علاقة بالتدبير السياسي للمشكلات الاجتماعية. وأظن أنه لا سبيل لتجاوز هذه الهفوات في الطرح الديموقراطي إلا بالأخذ من معين العلمانية، ومحاربة كل الأعمال السياسية المقيتة التي تنهل من خارج العمل السياسي، سواء كان ذلك دينا، أو فنا، أو خطبا رنانة.

http://www.facebook.com/mbark.abazzi

 

 

اترك رد