fbpx

رمضان في كلمات

رمضان لحظة سنويةثابتة، يأتي محملا بأسراره المقدسة، وهي تذكرنا بمهد نزول آيات القرآن الكريم الذي تسير على هديهالأمة الاسلامية منذ أربعة عشر قرنا.

الشيءاللافت للانتباه، هو أنه شهر تتبدل معه أنماط حياة الناس وعاداتهم وسلوكياتهم، وتدخلهم في أزمنة تختزن سحرا خاصا تختلط فيه مشقة الصيام بفرح الإفطار وترسيخ سنن الاجتماع بين الأسر فيما بينها على إقامة الشعائر الدينية والمبادرات التضامنية.

يبدو أن زحف الحداثة وتطور وثيرة الحياة أخذ نصيبه من شريعة رمضان سواء على مستوى المتمثلات أو على مستوى فقه الممارسة، حيث لم يعد رمضان يحمل من البساطة ما يجعله كفا عن شهوتي البطن والفرج فقط ، بل تعداه إلى خلق مجالات تنتعش فيها تجارة الغذاء والصحة والألبسة والفنون، فضلا عن ازدهار المظاهر الاستعراضية.

يمكن القول، أن ثقافة الأكل وطهي ما لذ وطاب من الأطباق تطغى على هذا الشهر الفضيل، وهو سلوك كأنه يشي بتعويض صوم المعدة طوال النهار واللهفة للاستمتاع بلحظات من النشوة والتذوق تحمل في ابعادها الدينية العميقة فضل نعم الله على عباده وقيمتها العظيمة بعد مكابدة قهر الجوع والعطش، فيرتفع بذلك استهلاك مختلف أشكال السلع والمعروضات الغذائية ليصاحبها ارتفاع في الأسعار، مما يجعل هذا الشهر الكريم مؤشرا من المؤشرات الاقتصادية المهمة على مدار شهور السنة، فتستعد له بذلك الشركات بتوفير العروض من منتجاتها الجديدة.

من جهة أخرى، الثقافة الصحية ينتشر صداها بشكل واسع فيخرج جموع من الأطباء للدلو بدلوهم في شروط الصوم الصحية وسبل الوقاية مع تقديم وصفات من الأغذية المتوازنة والأدوية المناسبة، فغدا بذلك شهرا يهتم الناس أكثر بصحتهم طمعا في الحفاظ على جرعة ممددة من العمر.

المساجد تعمر بالمصلين إلى درجة الاكتظاظ  بل حتى الصلاة على امتداد الشوارع والأرصفة، فيحيي كثير من الناس تصالحا مع الذات والعودة إلى الله حتى ولو كان ذلك مظهرا من المظاهر المناسباتية التي بحكم المنطق هي نفاق اجتماعي وبحكم المتعاطفين المتساهلين هي هداية في طريق جادة الصواب وتقويم السلوك.

لرمضان أبطاله كذلك، وهم بطبيعة الحال الفقهاء الذين جادت أصواتهم وقريحتهم بأصوات خاشعة تسافر بالمسلمين إلى نفحات من الخشوع والتدبر في آيات كتاب الله الحكيم، وأصبحت المساجد تتنافس على أصواتهم بإغراءات وتحفيزات مادية مهمة لعلهم  يظفرون بخدماتهم أو تتلقفهم مساجد دول المهجر في أوروبا أو الخليج العربي.

في السياق ذاته، يعيش المواطنون تحت قصف إعلامي مكثف خلال هذا الشهر، فتنهال الأعمال والبرامج التلفزيونية من كل حدب وصوب، وتكون وصلات الإشهار قدرا ثقيلا على المشاهدين وفرصة ذهبية للقنوات والمحطات الإعلامية لقنص أموال طائلة من ذلك، فيزاحم الفنانون بذلك الفقهاء في النجومية ويحتلون كل الفضاءات الإعلامية وكأن الإعلام وجد من أجلهم ولأجلهم حتى بات مجرد ظهور مقدم برنامج تلفزيوني أو إذاعي على القنوات التلفازية العمومية هو في حد ذاته إشهار له يمنحه نجومية تجعله وجهة مفضلة من الشركات الإشهارية للتعاقد معه على أساس تقديم وصلات إشهارية للمنتوجات التجارية تدر عليه أموالا مهمة ليصبح بذلك الإعلام مصعدا مهما للنجومية المربحة.

عندما يدق رمضان على أبواب مجتمعنا، فإنك تلحظ حيوية وتدافعا مميزا، فالأسواق عامرة بالناس والتجار ينبتون كالفطر على زوايا المتاجر والأزقة، والهرولة تصيب النفوس في اتجاه التسابق على شراء المواد الاستهلاكية في منظر غريب يوحي بأننا مقبلون على قيام مجاعة أو فرض لحظر التجوال، فضلا عن مظاهر سلوكية تتسم بالعنف اللفظي والجسدي بين بعض الناس الذين في غالبيتهم تجدهم مدمنين على تعاطي السجائر والكحول والمخدرات وهي قد تبدو مناسبة ذهبية للإقلاع عن هذه السموم التي يكشفها رمضان ويعري ضعف الإنسان، كما يكشف اللثام عن عورة العلاقات القبيحة بين الإنسان والمقاهي والحانات وغيرها من شرور الفساد والإفساد التي هي مكمن شقاءه وسبب محنته النابعة أصلا من شهوتي البطن والفرج.

بقلم محسن زردان 

 

 

 

اترك رد