fbpx

القضية الأمازيغية والقضية الفلسطينية…أية علاقة ؟

أية علاقة قد تجمع بين قضييتين في نظر البعض تختلفان كل الإختلاف ؟ الشعب الأمازيغي المضطهد على مر التاريخ، المسلوب هويته، والمعرض للإحتلال على  مدى فترات الدهر، والشعب الفلسطيني المحتل لما يقارب ثلث قرن من الزمن على يد المحتل الصهيوني،..إن القضيتين في نظري هي قضيةواحدة  لشعبين مختلفين من أمة واحدة وأمل واحد.

إن ما نجده من انقسام على مستوى مواقع التواصل الإجتماعي، بخصوص التنديد بالعدوان الصهيوني، ناتج عن النظر القومي المتطرف للقضيتين معا، بين قوميتين أعلن كل منهما الحرب على الآخر في شمال إفريقيا، قومية عروبية مصرة على عروبة المغرب ومتمسكة بخرافة العالم العربي “من الخليج إلى المحيط” ومثلها خرافة “المغرب العربي”، وقومية أصيبت بالعربفوبيا، لها حساسية من كل ما فيه رائحة العرب، مثل خرافة “الإسلام العربي”.

إني أنظر إلى كل هذه القضايا المتناحرة بمنظور إسلامي معتدل، يحترم ما جبل عليه الإنسان من حب أرضه وقومه وهويته، الامر الذي ما تعارض يوما مع تعاليم الإسلام، بل بالعكس أمر أقره وأثبته، وإن نفى الغلو فيه والتعصب إليه.

وكمسلم أقول إن القضية الأمازيغية قضية عادلة مشروعة، ولا ينكر ذلك إلا جاهل أو معاند، أو من أشرب قلبه نتونالقومجية والعصبية، فعادى بذلك فطرة الإنسان، ويظن بذلك أنه يحسن عملا، حيث إن اختلاف البشر في لغاتهم وألوانهم جبلة إنسانية وحقيقة واقعة وأمر أقره القرآن وجعله آية من آية الله، أي إشارة إلى حقيقة وسنة ربانية، في قوله تعالى : ” ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين”[1]، وبين العلاقة بين هذه الشعوب المختلفة، هذه العلاقة القائمة على التعارف كقيمة أخلاقية أساسها الكرم والإحتراموالإعتراف بالآخر، في قوله تعالى : “ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير”[2].

كما لا يمكن إنكار ما أظهره بعض القوميين العرب من معاداة للهوية الأمازيغية في موطنها شمال إفريقيا، فحاولوا بذلك تعريب الأمازيغ تارة بدعوى التثقيف[3] والتحضر وتارة أخرى بدعوى نشر الإسلام، وهذه مسألتين من السهل بيان تهافتهما وذلك من خلال الأوجه التالية، أن تبرير تعريب شعب وطمس هويته لا يختلف في شيئ عن الإستعمار الغربي الذي تعرض له العالم الإسلامي، مع العلم أن المستعمر لم يكن شيطان خرج من قمقم يكن للشعوب التي استعمرها الشر، بل العكس من ذلك كان يرى نفسه في مرتبة من التحضر هذه الشعوب دونها، فكان استعماره في نظره تنويرا لهذه الشعوب، وحتى بعض الإديولوجيات المعروفة برفضها للإستعماراعتبرت الأمر كذلك فهذا كارل ماركس يعتبر أن أول بوادر الثورة الثقافية عرفها المغرب والجزائر هي في ظل الإستعمار، والامر نفسه بالنسبة للهند على يد الإنجليز، وما دام القوميون العرب رافضون من باب المبدإ لهذا الإستعمار، فالأولى أن لا يكونوا ممن يقرونه لأنفسهم، أما التبرير الثاني المتعلق بمسألة الإسلام، فإنه أسهل من الأول من حيث بيان أوجه فساده، وهي أن الإسلام رسالة واضحة أهدافها وغاياتها، إذ كيف لدين أقر الإختلاف بين الشعوب وفقا للآية السابقة أن يكون هدفه طمس هويات الشعوب وتغييرها، كما أن الإسلام باعتباره خاتم الرسالة، إنما هو دين الإنسانية جمعاء، في قوله جل شأنه : “وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا”[4]، والبشر شعوب متنوعة مختلفة كآية من آية الله، فكيف يمكن مع كل هذا أن نجعل غاية الإسلام هذا الفعل الشنيع.

لقد قلنا سابقا إن القضية الفلسطينية والقضية الأمازيغية، قضية واحدة لشعبين مختلفين من أمة واحدة وأمل واحد، وأضيف إلى ذلك أن جريمة تعريب شمال إفريقيا لا تقل شناعة عن جريمة تهويد القدس.

لعل القارئ تبصر أن القضية الأمازيغية قضية إسلامية فضلا عن كونها قضية قومية يعنى بها الأمازيغي وحده، فهي قضية يعنى بها كل المسلمون أمازيغيهم وعربهم…

ماذا عن القضية الفلسطينية ؟ وما علاقتي بها كأمازيغي ؟ أليست قضية قومية عربية تخص العرب ؟ ما دام العرب يقرون شرعية تعريب شمال إفريقيا،؟ !!! أليس من الشرعي لإسرائيل أن تهود فلسطين لنفس الاسباب الدينية منها والقومية..؟ أليست مساندة إسرائيل أقرب لي من مساندة أعدائي ؟ أليس عدو عدوك صديقك ؟

إنها أسئلة شرعية ما دمنا نعالج القضيتين من منظور قومي إقصائي ضيق، تحكمه المصلحة المادية النفعية، ولكن ما دمنا ننظر للعلاقة بينهما من منظور إنساني واسع الأفق، فلن يسعنا إلا نجد أمل كلا الشعبين واحد، وذلك في غاية كل من الأمازيغ والفلسطينيين، إنها الحرية والدفاع عن الذات والهوية.

إن القضية الفلسطينية فضلا عن كونها قضية قومية عربية، أو كونها قضية دينية إسلامية، فإنها قضية إنسانية، فكل من في قلبه ذرة من الإنسانية ما كان ليسكت عن جرائم التنظيم الإرهابي الصهيوني، وهذا أمر نجد له سندا من الواقع في شخصيات ليست بعربية ولا مسلمة، أظهرت من المواقف الشجاعة ضد الإرهاب الصهيوني، ما لم يظهره جبناء الجامعة العربية المزعومة، مثل إليتشراميريز سانشيز، من فنزويلا المناضل الذي أفنى عمره في التنديد بالإحتلال الصهيوني، وكذلك المؤرخ اليهودي “إيلان بابي”، صاحب كتاب : “التطهير العرقي”، وكذلك “تشومسكي”، وكذلك جورج غالاوي السياسي البريطاني والنائب السابق في البرلمان الإنجليزي، المعروف بآرائه المناهضة للحرب والمناصرة للقضية الفلسطينية…، فما علاقة هؤلاء بهذه القضية يا ترى..إن العلاقة واضحة جلية، رغم الإختلافات القومية والعقدية والإديولوجية، فإن هناك فريقين في ميدان المعركة، جبهة إنسانية، وجبهة معادية للإنسان.

لما قلت إن القضية الفلسطينية قضية إنسانية لا يعني فقط أننا يجب أن نتناولها من جانب التضامن الإنساني، بل الأمر أعمق من ذلك، إن معركة القدس هي معركة من أجل الإنسانية جمعاء، ضد تنظيم إرهابي يقود الحضارة الإنسانية بلا إنسانية، حيث بسط نفوذه على كل المقاليد السياسية والإقتصادية والفكرية، ونفوذه في الصهاينة في السياسة والإقتصاد واضح، فماذا عن الفكر؟ لست أبالغ إن قلت إن نظمنا التعليمية ومنتدياتنا الفكرية والفلسفية كلها تحت الرعاية السامية للصهاينة من حيث ندري ومن حيث لا ندري، إذ ليس من اللازم أن يقلدونا هذه المهام، أو أن يجودوا علينا بالموارد اللازمة لذلك، ولكن يكفي أن نكون أغبياء ونخدم مصالحهم، وهذا أمر له كذلك من الواقع الفلسفي سند ليس بخاف، إذ معالم صهينة الفلسفة الأوروبية قد وضحت بوادره منذ نجاح الثورة الفرنسية، هذه الصهينة التي تحولت إلى تسييس على مستوى الفلسفة الألمانية وهي أكثر الفلسفات تميزا في الفلسفات الأوربية،وذلك إثر تمكن اليهود الصهاينة من السيطرة على دواليب الإقتصاد جراء  الحقوق التي أصبحوا يتمتعون بها في أروبا بعد الثورة الفرنسية، فعملوا على تقوية النزعات العرقية القومية، التي انطلقوا منها للحديث عن قومية خاصة بهم كشعب مضطهد يبحث عن حقه في انشاء دولة قومية على غرار الدول القومية الأخرى، فكسبوا عطف غير اليهود، فوجدت قضيتهم آذانا صاغية في أروبا الشرقية وأمريكا الشمالية، وأمام توغلهم في دواليب صنع القرار، تمكنوا من الهيمنة على المؤسسات الدينية والثقافية فهيمنوا على الإنتاج الفكري ووجهوه لخدمة أغراضهم، ليتمكنوا من خلق فضاء فلسفي صهيوني، حاولوا جاهدا أن يلبسوه لباس الكونية، حيث يندمج فيه اليهودي الصهيوني وغير اليهودي، عن قصد أو غير قصد، هذا الأمر الذي وقف في وجهه بعض الفلاسفة، إذ كانوا يرون فيه تحريفا للفلسفة عن مقاصدها الانسانية، مثل الفيلسوف “هيدغر”، الذي اشتغل بوضع فلسفة “انطولوجية” تهدم هذا المشروع الفلسفي اليهودي، ولكن ما لبث أن اشتغل الفلاسفة الذين أشربوا روح هذه الفلسفة المتهودةبالإعتراض عليه نقدا ونقضا، حتى وصل بهم الأمر أحيانا باتهامه بمعاداة السامية،[5] إذن فهي معركة على مستوى الفكر الإنساني واسع الأفق وليس فقط معركة قومية او دينية.

لقد عرف الأمازيغ بتعايشهم مع كل الشعوب التي انتهى بها الترحال إلى شمال إفريقا، وأنا كأمازيغي منحذرا من إفران الأطلس الصغير، وهي بلدة لها تاريخ عريق مع اليهود، والتي يقال إن يهودها قدموا إلى المنطقة أيام النبي سليمان عليه السلام وسكنوا هذه القرية وتعايشوا فيها مع الأمازيغ واستمر الأمر حتى بعد إسلام أمازيغ المنطقة.[6]

وانطلاقا من هذا الارتباط العميق بين تاريخنا وتاريخ اليهود، وإيمانا بتسامح الإسلام واحترامه لكل الديانات، أؤكد أن معاداة الصهيونية لا يعني أبدا معادة اليهود كما يزعم البعض، بل إن هذا التنظيم الإرهابي هو أكبر معاد للصهيونية، إذ حرف عقيدتهم السمحة وحولها وفقا لتفسيره التلموذ إلى عقيدة إرهابية، مع العلم أن هناك منظمات يهودية معادية للصهيونية ونحن في تواصل دائم معها في محاولة بناء جسور الأخوة الإنسانية للوقوف في وجه هذا التنظيم الإرهابي، وأخص بالذكر المنظمة اليهودية ” ناطوري كارتا”natori  karta “، التي ترى في الدولة الصهيونية تنظيما معاديا ومستغلا لليهود ومخالفا للشريعة اليهودية والنصوص التوراتية بل ومخالفة لكل أعراف اليهود.

وختاما أقول إننا نجرم كل محاولات صهينة الأمازيغ سواءا بدرت مثل هذه التصرفات المسيئة للإنسان الأمازيغي من القومجيين المتطرفين العرب، أو بدرت من أمثالهم من القومجيين المتطرفين الأمازيغ، وكفاكم شيطنة للإنسان الأمازيغي، الإنسان الحر النبيل المساند لكل الشعوب التواقة للتحرر.

 

محمد عدي

باحث في الفكر الإسلامي وناشط أمازيغي

[1]- سورة الروم الآية 21

[2]- سورة الحجرات الآية 12

[3]- “وجهةنظر..نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر”،عابدالجاربي ص28، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى بيروت

[4]- سورة سبأ الآية 27

[5]- مقتطف من دراسة لي على كتاب الفيلسوف المغربي “الحق العربي في الإختلاف الفلسفي”

[6]ألف فيها اليهودي المنحدر من إفران  “أشر كنافو” رواية بعنوان “صبي من إفران الأطلس الصغير”

اترك رد