fbpx

الحق في الإختلاف الفلسفي .. معركة فيلسوف في زمن التقليدوالتبعية(2)

 محمد عدي –

إن الناظر في تاريخ الفلسفة الإسلامية، وتأمل المواضيع التي كانت موضع اشتغال فلاسفة المسلمين، سيجد ارتباطها الشديد بالفلسفة اليونانية،[1] وهذا الإرتباط الموضوعي كان من الأسباب التي أدت في نظر بعض الباحثين إلى عقم الفلسفة العربية الإسلامية، إذ كانت تعالج إشكاليات المجتمع الإسلامي، من خلال نظريات منقولة من فلاسفة اليونان كأنها فلسفة خالصة، فنجد أبا نصر الفرابي مثلا، يقف أمام انقسام الأمة في عصره جراء الصراعات المذهبية، فحاول أن يجسد سعيه نحو الوحدة من خلال فلسفة المدينة الفاضلة، وذلك بالإظافة إلى جهود هؤلاء الفلاسفة في التوفيق بين الفلسفة اليونانية والدين الإسلامي، الأمر الذي كان يتجاوز حده إلى درجة التلفيق أحيانا، وهذا دون أن ننسى من الفلاسفة من سعى جاهدا إلى الفصل بين الفلسفة والدين بشكل علماني صارخ[2]، بعد أن رأى فشل محاولات التوفيق، وهذه الأشكال التي اتخذتها الفلسفة في الحضارة الإسلامية أدت إلى الإنحطاط الفلسفي وسط البلاد الإسلامية، بل أدت أحيانا إلى معاداتها، الأمر الذي فسره البعض تفسيرا سياسيا، وأرجع البعض الآخر الملامة فيه إلى الفلسفة اليونانية نفسها.

أمام هذا الواقع الفلسفي انطلق المفكر المغربي طه عبد الرحمن للدفاع عن الحق العربي في الإختلاف الفلسفي، مبينا الأسباب الخفية التي جعلت الفلسفة العربية الإسلامية ميتة لا حياة فيها، وهي في الحقيقة اعتقادات ومسلمات راسخة في مجالنا التداولي الفلسفي، الأمر الذي لم يتوانى طه عن نقده ونقضه، ليبين سبل تحقيق فلسفة حية مبدعة، وهذه ما سنتطرق إليه في الجزء الثاني من هذه القراءة الأولية لكتابه “الحق العربي في الإختلاف الفلسفي”.

الفلسفة بين الكونية والقومية :

يمكن حصر أقسام الفلسفة في قسمين كبيرين، التعاريف الإستشكالية، والتعاريف الإستدلالية، ورغم اختلاف هذين النوعين فإنهما يلتقيان في نظر طه عند اعتبار أسنده إليهما المشتغلون بالفلسفة، ألا هو “الكونية”، فتكون الإشكالات وفق هذا الإعتبار ذات مضمون كوني، والإستدلالات ذات منهج كوني، ويحتمل مفهوم الكونية مدلولين أساسين، أحدهما : أن تكون المضامين الفلسفية  “كلية” أي تصدق على جميع أفراد الإنسان من حيث هي كائنات عقلية، والمدلول الثاني هو “العالمية”  أي تصدق على جميع أقطار الأرض من حيث هي دول قائمة، أي كونية ذات صبغة سياسية.[3]

وبعد أن استعرض طه دعوى كونية الفلسفة وما تحمله من مدلولات، انطلق إلى بيان اعتراضاته على كلا وجهيها من “كلية” و”عالمية”، ويمكن أن نحصي أربع اعتراضات على دعوى كلية الفلسفة :

أحدها : ارتباط الفلسفة بالسياق التاريخي  والاجتماعي : إذ يستحيل أن نفصل أي فلسفة عن هذين السياقين الذين تأخذ بطابع خصوصيتهما.

ثانيها : ارتباط الفلسفة بالسياق اللغوي والأدبي : إذ تتعدد المضامين الفلسفية بتعدد الألسن واللغات التي يتشكل فيها القول الفلسفي، ولا منأى لكل فلسفة من التأثر بخصوصيات اللغة والادب الذين تشكلت في حضنهما.[4]

ثالثها : الاختلاف الفكري بين الفلاسفة : إذ الإختلاف شأن الفلاسفة، وما عرفوا بشيء مثل ما عرفوا باختلافهم حتى صار يضرب بهم المثل في ذلك، فيختلفون من أمة إلى أخرى، بل ويختلفون داخل الأمة الواحدة. من فلسفات أممية إلى فلسفات قومية، ففلسفات فردية.

رابعها : التصنيف القومي للفلسفة : حيث يقسم المؤرخون الفلسفة باعتبار وسطها القومي مراعين خصوصيات كل قومية، فنجد “فلسفة فرنسية عقلانية” وفلسفة إنجليزية تجريبية” و”فلسفة ألمانية مثالية”.[5]

كما يسجل طه على دعوى كونية الفلسفة ثلاث اعتراضات أساسية :

أحدها : رد الفلسفة إلى الفلسفة الأوروبية : حيث إن ما كان سائدا لدى المشتغلين بالفلسفة من أصالة الفلسفة اليونانية، أمر اعتبره الأوروبيون امتدادا لفلسفتهم لتصطبغ بهذا الشكل، فحاولوا بذلك أن ينزعوا عن الشعوب الأخرى حق التفلسف فزعموا بانفرادهم في الإبداع الفلسفي، وما دون فلسفتهم فليس بفلسفة.

ثانيها : رد الفلسفة “الاوروبية” إلى “الفلسفة الألمانية” :  إذن تفاوت الأقطار الأوروبية في المساهمة الفلسفية يظهر فضل ألمانيا في هذه الفلسفة التي ساهمت في النهضة الحديثة، حيث حرصوا على رفع أصولهم الفلسفية إلى الإغريق الذين تفرعت عنهم الفلسفة الأوروبية.[6]

ثالثها– تهويد الفلسفة الألمانية : إذ أن تأثر الفلسفة الألمانية بالثقافة اليهودية جلي وواضح، والذي اتخذ أشكالا منها تأثر فلاسفة الألمان بفلاسفة اليهود، مثل تأثر “ليبنتز” بابن مندل..، ومن أشكال هذا التأثر كذلك تقارب المسيحية مع اليهودية إثر الإصلاح الديني الذي تزعمه لوثر..،  كما ضمن الفلاسفة الألمان فلسفتهم مفاهيم محورية مستقاة من التوراة، دون أنننسى أن الفلسفة اليهودية لعبت دور الوسيط بين الفلسفة اليونانية والفلسفة اليهودية، حتى إن نيتشه اعتبر اليهود حفظة تاريخ اليونان وحضارتهم.[7]

رابعها–تسييسالفلسفة الالمانية المتهودة : وذلك إثر تمكن اليهود من السيطرة على دواليب الإقتصاد جراء  الحقوق التي أصبحوا يتمتعون بها في أروبا بعد الثورة الفرنسية، فعملوا على تقوية النزعات العرقية القومية، التي انطلقوا منها للحديث عن قومية خاصة بهم كشعب مضطهد يبحث عن حقه في انشاء دولة قومية على غرار الدول القومية الأخرى، فكسبوا عطف غير اليهود، فوجدت قضيتهم آذانا صاغية في أروبا الشرقية وأمريكا الشمالية، وأمام توغلهم في دواليب صنع القرار، تمكنوا من الهيمنة على المؤسسات الدينية والثقافية فهيمنوا على الإنتاج الفكري ووجهوه لخدمة أغراضهم، ليتمكنوا من خلق فضاء فلسفي يهودي، حاولوا جاهدا أن يلبسوه لباس الكونية، حيث يندمج فيه اليهودي وغير اليهودي، عن قصد أو غير قصد، هذا الأمر الذي وقف في وجهه بعض الفلاسفة، إذ كانوا يرون فيه تحريفا للفلسفة عن مقاصدها الانسانية، مثل الفيلسوف “هيدغر”، الذي اشتغل بوضع فلسفة “انطولوجية” تهدم هذا المشروع الفلسفي اليهودي، ولكن ما لبث أن اشتغل الفلاسفة الذين أشربوا روح هذه الفلسفة المتهودةبالإعتراض عليه نقدا ونقضا، حتى وصل بهم الأمر أحيانا باتهامه بمعاداة السامية.[8]

إذن فهذه الفلسفة التي يحاول أهلها أن يضفوا عليها صبغة الكونية العالمية ما هي إلا فلسفة قومية متهودة، تحاول بسط أمرها على كل مناحي التفلسف، فتقبل ما كان داخلا في إطارها وترفض ما كان خارجا منه.

 

 

ضرورة قيام فضاء فلسفي عربي :

لقد تغافل المتفلسفة العرب متقدميهم ومحدثيهم عن هذه اللطيفة التي أشار إليها طه، حيث سلم المتقدمون بكونية الفلسفة اليونانية،حتى إن أبا الوليد ابن رشد اعتبر بعض مراحلها أخلص الفلسفات وأتمها،[9] كما انبهر المتفلسفة المحدثون أمام الفلسفة الأوروبية وسلموا بعالميتها، إلا أن طه تفطن إلى قومية كل هذه الفلسفات، بحيث لا تكون في منأى عن التأثر بخصائصها الاجتماعية واللغوية والسياسية القومية، وبعد أن تقرر كل هذا أمام الدكتور طه عبد الرحمن جعل في الاعتبار كل تفلسف على معايير الفضاء المتهود تقليدا وتبعية لا مفر من تجاوزها، باعتبار هذا التفلسف نوعا من التطبيع الذي لا يحول دونه إلا قيام فضاء فلسفي عربي يحيي الفلسفة العربية ولا يميتها، أي فلسفة قومية حية  تجابه الفلسفات القومية السالفة الذكر،[10]فلسفة مبدعة لا ترى فيها فلاسفة المسلمين “يؤولون” إذا أول غيرهم، و”يحفرون” إذا حفر،و”يفككون” إذا فكك، سواءا أصاب في ذلك أم أخطأ،[11]  لينطلق طه إلى إبراز كل من خواص هذه القومية الحية وخططها، فذكر ثلاث خواص وثلاث خطط تفصيلها كالتالي:

خواص القومية الحية : “القيام” و “القوام” و “القومة” :

1-   القيام : وتقوم هذه الخاصية كما يظهر من مصدرها الصناعي، “القوم” المشتق من الفعل “قام، قياما”، هذا الفعل الذي يحمل مدلول الحركة والعمل، أي أن القوم جماعة عملية متحركة تربط بين أفرادها روابط واسعة ومتجددة ترفع من كيانها وترفع مكانتها، وهذا القيام على ضربين : قيام جهادي، وقيام اجتهادي، فالأول يقوم بدفع ما يضر هذه الروابط من داخلها أو خارجها، والثاني يقوم في جلب ما ينفع هذه الروابط من داخلها أو خارجها، إذن فالقومية الحية هي الجماعة التي لا ينقطع عملها بل هي أمة قائمة لا تتوانى عن جهادها واجتهادها.[12]

2-   القوام : وتنظر هذه الخاصية في المقومات الأساسية للقومية الحية، التي تتحد بواجبها ومشروعها، وتنقسم هذه المقومات إلى مقوم علمي وتقني ومقوم عملي قيمي، والأول مرتبط بالجانب المادي للحضارة الذي يمكن أن تتساوى وتتشابه فيه مع حضارة أخرى ويمكن أن تتفاوت، وقد لا يصحبه امتياز بالضرورة، والثاني هو المقوم العملي والقيمي، وفيه مجموع القيم المعايير التي يأخذ بها القوم، وهي بمثابة اللباس الروحي الذي يخلعه على الجانب المادي أو المقوم الأول، وهو المميز الحقيقي للقومية الحية.[13]

3-   القومة : وعادة ما يصطلح عليها بالثورة، ولكن هذا الأخير مرتبط بالمجال المادي والتقني، ولقد رأينا أن الجانب العملي القيمي هو المميز للقومية الحية، فإذ ذاك يكون من اللازم الأخذ بمصطلح يحمل هذه الدلالة القيمية، وهو القومة، وهي الفعل الجهادي الإجتهادي التي يأتيه القوم من أجل النهوض بالقوة المعنوية التي تورثهم القيم والمعايير العليا، بعبارة أخرى “ثورة قيمية عملية”.[14]

 

خطط القومية الحية : “المقاومة” و “التقويم” و “الإقامة” :

 

1-   خطة المقاومة : ويقصد بها ثبات القوم أمام قوة القيمية للخصم فضلا عن الثبات أمام قوته المادية، والثبات القيمي يقوم أساسا على مقاومة المفاهيم التي وجب اعتراض كل منقول منها حتى يثبت بالدليل صحته وفائدته في مجالنا التداولي.[15]

2-   خطة التقويم : أي وضع قيمة الشيئ أو تقديره حق قدره، وهو ليس مجرد تعديل لظاهر الشيئ، بل تثمينا لقيمته، لأن القيمة هي التي تحدد عدم اعوجاج ما تم نقله من مجال تداولي ما إلى مجالنا التداولي، وتقوم هذه الخطة أساسا على قاعدة مفادها، العمل على إنشاء مفاهيم فلسفية تتمتع بأقصى قدرمن الحركية داخل مجالنا التداولي عن طريق وصلها بقيمه العملية.[16]

3-   خطة الإقامة : ولقد رأينا وفق خطة المقاومة أن الفيلسوف العربي ينقل من المفاهيم ما صح دليلة وثبتت إفادته، كما رأينا أنه يقوم هذه المفاهيم في خطة التقويم ويصلها بقيمها العملية، أما خطة الإقامة فتتجاوز هاتين الخطوتين إلى إقامة مفاهيم ومسائل لا نجد لها بالضرورة مثيلا في الفضاء العالمي المزعوم، وذلك وفق قاعدة مفادها : ضرورة الإجتهاد في الإرتقاء بالمعاني الطبيعية التي تدور في مجالنا التداولي إلى رتبة المفاهيم الصناعية، وذلك بالإستدلال بها وعليها، فتتحق بذلك مشروعية المفهوم وإبداعيته.[17]

إذن فطه يرى أن الخلاص من الأساطير التي لحقت بفضائنا الفلسفي والتي تعرقل إبداعيته هو خوض معركة مفاهيميةإصطلاحية، ندفع بها آفات التهويد، من خلال مفاهيم مأصولة تستمد أصالتها من المجال التدولي العربي ومن خصائصه، الأمر الذي بدونه لا تفتح أبواب الإبداع الفلسفي ولن يخرج الفيلسوف من تبعيته وتقليد.

العبارة والإشارة وأسطورة الفلسفة الخالصة :

بعد عملية الترجمة  التي عرفها المسلمون في العصر العباسي، يقف فلاسفة الإسلام أمام مشاكل اجتماعية شتى، استدعت منهم محاولات للتوفيق بين الدين والفلسفة،[18]فحاولوامعالجة قضايا المجتمع انطلاقا من ما يوافق المجال التداولي العربي الإسلامي، ولكن ما كان من المسلمات عندهم أن الفلسفة نظر عقلي مجرد خالص، فكان من المشاكل التي اعترضت فلاسفة الإسلام هو ما أسموه “بقلق العبارة”[19]، والتي تصدى ابن رشد لرفع غموضها في عهد الخليفة أبو يوسف يعقوب بن عبد المومن الموحدي، من خلال شروحه على أرسطوا، وما حاول ابن رشد فعله هو تخليص النصوص الأرسطية المترجمة منالتوفيقات أو التلفيقات التي لحقت بها في المشرق، والتي أدت في نظره إلى قلق عبارتها وغموضها، حيث اعترض ابن رشد على مسألة التوفيق بين الدين والفلسفة واعتبر أن لكل منهما مسالكه،[20] معتبرا الفلسفة نظرا برهانيا، يميز الممارسة الفلسفية، هذا الذي اعتبره طه عبد الرحمن من العوائق التي حالت دون الإبداع الفلسفي العربي، وسماه “أسطورة الخلوص العقلي”.

يعرف ابن رشد الفلسفة بأنها : “النظر في الأشياء بحسب ما تقتضيه طبيعة البرهان”، وهي دعوى يعترض عليها طه مبينا المبررات التي دفعت الفلاسفة للقول ببرهانية القول الفلسفي، وأبرزها الإعتقاد في علمية المقال الفلسفي، وذلك أنه لما أخذ فلاسفة الإسلام عن اليونان تصنيفهم للرياضيات والطبيعيات ضمن أقسام الفلسفة، فإنهم انساقوا إلى نقل “الصفة العلمية” التي تطبع هذه العلوم إلى أقسام الفلسفة الأخرى التي ليست رياضية ولا طبيعية، وبالإضافة إلى هذا فإنهم سلطوا أدوات المنطق على القسم الميتافيزيقي من المقال الفلسفي، حيث بالغوا في الإعتقاد في صلاحية القياس الأرسطي فرأوا معه إمكانية قيام علم ميتافيزقي برهاني، كما بررو استنادهم إلى البرهانية بحماية المقال الفلسفي من عبث المتكلمين،[21] والرد على هذه المبررات يكون من الأوجه التالية، أولا أن المقال الفلسفي ما هو إلا بضع من اللغة الطبيعية، يجري عليه ما يجري عليها، فلا مضامينه بمعزل عن التأثر بمحتويات هذه اللغة ولا بمناهجه بمنأى عن توجيه وسائلها،فيستحيل معه أن يأخذ صفة برهانية إن اعتبرنا البرهان أنه نص اقتراني استدلالي،[22]إذن فالبرهانية الصناعية محكومة بأصولها التداولية، التي ترجع إلى أصلين إثنين، أحدهما اجتماعي والآخر تجريبي، ويقترح طه عبد الرحمن الحجاج بدلا من البرهان لأن حقيقة الإستدلال في الخطاب الطبيعي أن يكون حجاجيا لا برهانيا صناعيا، وحد الحجاج أنه فعالية تداولية جدلية.[23]

وقد وضع طه عبد الرحمن مبادئ منهجية وفرضية عامة لدفع أسطورة الخلاص العقلي، وذكر ثلاثة مبادئ أساسية، أحدها : مبدأ المعرفة الموضوعية،[24] ومفاده ضرورة خضوع الفلسفة للنظر الموضوعي، أي أن تكون الفلسفة نفسها موضع نظر عالم، وهو ما اقترح تسميته “بعلم الفلسفة”، أو “فقه الفلسفة”[25]، وثاني هذه المبادئ هو مبدأ التقسيم التركيبي للكلام، باعتبار أقسام هذا الأخير هي “اللفظ” و “الجملة” و “النص”، والتي تختلف باختلاف مقتضيات كل مجال من مجالات الكلام الإنساني، فيتخذ الكلام الفلسفي وفق ذلك ثلاث أقسام مختلفة، وهي “المفهوم” و “التعرف” و “الدليل”[26]، فيكون من اللازم إذ ذاك أن يكون شغل المتفلسف العربي هو كيف يجعل كلا من المفهوم والتعريف والدليل مفاهيم وتعاريف وأدلة عربية حية من شأنها أن تدفع عن الممارسة الفلسفية العربية الإسلامية أسطورة الخلوص العقلي ؟،..وثالث هذه المبادئ وآخرها، مبدأ التقسيم البياني للكلام : الذي ينقسم إلى قسمين بيانيين كبيرين وهما العبارة والإشارة.

العبارة : كلام دال على الحقيقة صريح لفظه محكم تركيبه، وتلتزم أساسا بضوابط العقل المجرد، وتوغلها في عالم المعقولات يجعلها منقطعة عن خصوصيات مجالنا التداولي، ومعلوم أن اللغة الرياضية هي التي تنال حظا وافرا من البيان العباري.

الإشارة : كلام دال على المجاز أو مضمر لفظه أو مشتبه معناه، وتنفتح أساسا على رحاب الخيال المجسد، وتغلغلها في عالم المعاني المشخصة يجعلها متصلة بمجالنا التداولي. ونجد أن اللغة الشعرية هي التي تنال حظا وافرا في البيان الإشاري.

ويؤكد الدكتور طه عبد الرحمن وفقا لهذه المبائ المنهجية أن اللغة الفلسفية باعتبارها بضعا من اللغة الطبيعية كما رأينا تحتوي على كل من البيان العباري والإشاري، فيضع وفقا لذلك فرضية عامة مفادها أن عقم الفلسفة الخالصة يتجلى في اعتبارها لجانب العبارة من الكلام الفلسفي المترجم دون الإشارة، مؤكدا على قصور النقل العباري وحده، وقد كان هذا واقع النقل الفلسفي عند متفلسفة العرب، حيث كان الترجمة الفلسفية عندهم ذات طبيعة عبارية محضة بسبب اعتقادهم بعلمية القول الفلسفي كما أشرنا سابقا.[27]

إذن فسبيل المتفلسف لتحصيل القدرة على الإبداع هو الأخذ بالخصوصية الإشارية التي تجعله موصولا بمجاله التداولي، دون أن ننسى ضرورة ازدواج الخصوصية الاصلية مع العمومية العقلية، مما يمكن الفيلسوف المسلم من تحصيل وسائل الإنتاج الفلسفي المبدع الحي من خلال مفهوم فلسفي حي وتعريف فلسفي حي واستدلال فلسفي حي.[28]

محمد عدي

باحث في الفكر الاسلامي

[1]- ينظر كتاب “الفلسفة الإسلامية وصلتها بالفلسفة اليونانية”، السيد محمد عقيل المهدلي، دار الحديث للنشر، الطبعة الثانية، 1988، القاهرة

[2]- فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من اتصال، ابن رشد، الصفحة 28 ،دار الرشاد الحديثة، الدار  البيضاء، 1432هـ – 2011م

[3]- الحق العربي في الإختلاف الفلسفي، طه عبد الرحمن، الصفحة 51 – 52، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية 2009، الدار البيضاء

[4]-المصدر نفسه الصفحة 53

[5]- المصدر نفسه الصفحة 54

[6]-نفسه ص 59

[7]- المصدر السابق الصفحة 60 – 61

[8]- نفسه ص 62-63-64-65

[9]- نحن والتراث، محمد عابد الجابري، الصفحة 241، المركز الثقافي العربي، الطبعة السادسة، 1993، الدار البيضاء

وهذا أمر لم ينكره حتي الدكتور محمد عابد الجابري، بل لم ينكره ابن رشد نفسه، فإعجابه بالفلسفة الأرسطية كان معروفا عنه كما يؤكد ابن سبعين.

[10]-الحق العربي في الإختلاف الفلسفي، طه عبد الرحمن، الصفحة 66، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية 2009، الدار البيضاء

[11]- فقه الفلسفة، القول الفلسفي، طه عبد الرحمن، الصفحة 12، ج 2، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة 2008، الدار البيضاء المغرب

[12]- الحق العربي في الإختلاف الفلسفي، طه عبد الرحمن، الصفحة 67، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية 2009، الدار البيضاء

[13]- نفس المصدر ، الصفحة 68 – 69

[14]- نفس المصدر ، الصفحة 69 -70

[15]- المصدر السابق الصفحة 71

[16]- نفس المصدر الصفحة 74

[17]- نفس المصدر الصفحة  77

[18]- أنظر كتاب الفلسفة الإسلامية بين الندية والتبعية، جمال المرزقي، التوفيق عند الكندي ص 37، التوفيق عند الفرابي ص 81، التوفيق عند ابن طفيل ص 223، دار الهداية للنشر، الطبعة الاولى، 2002.

[19]- نحن والتراث، محمد عابد الجابري، الصفحة 235، المركز الثقافي العربي، الطبعة السادسة، 1993، الدار البيضاء

[20]- فصلالمقالفيمابينالشريعةوالحكمةمناتصال،ابنرشد،الصفحة 28 ،دارالرشادالحديثة،الدارالبيضاء، 1432هـ – 2011م

[21]-في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، طه عبد الرحمن، الصفحة 62، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة، سنة 2007، المغرب .

[22]-نفسه الصفحة 63

[23]-نفسه الصفحة 65

[24]- الحق العربي في الإختلاف الفلسفي، طه عبد الرحمن، الصفحة 86، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية 2009، الدار البيضاء

[25]- في كتابه : فقه الفلسفة، ج 1: الفلسفة والترجمة، ج 2 : القول الفلسفي، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة 2008، المغرب

[26]- المصدر السابق، الحق العربي في الإختلاف الفلسفي، ص 87

[27]- المصدر نفسه، الصفحة 88-89

[28]- المصدر السابق، الصفحة 90-91

اترك رد