fbpx

عندما تنهار البنايات على ساكنتها

بقلم محسن زردان –

يبدو أن الهشاشة أمست عنوانا بارزا يصيب البشر والشجر بل حتى الحجر، لقد هوت وتلاشت في بحر الأسبوع الفائت ثلاثة بنايات متجاورة بمدينة الدار البيضاء لتخلف معها مآسي إنسانية تدمي القلوبوالنفوس ولازالت تداعياتها تتناسل لحد الساعة، فمنظر البنايات المتهاوية والأشلاء المتساقطة و المتناثرة هنا وهناك وجموع المواطنين والأمن والوقاية المدنية المتحلقين على المكان تحيلنا على مشاهد الحروب و عمليات القصف الجوي للأبنية المتهدمة.

السلطات العمومية وجدت نفسها في مأزق وإحراج كبيرين أمام الرأي العام الوطني، حيث مازال الأحياء على قيد الحياة ويطلبون النجدة إما عبر الاتصال بالهواتف النقالة أو بالمناداة والصراخ، وكعادتها تختار السلطات العمومية سياسة التكتم عن مجريات الأحداث التي تؤكد أن حصيلة الأموات فاقت 20 قتيلا.

مرة أخرى، يتم الحديث عن تحديد المسؤوليات التي تتضارب بين سماح السلطات لمالك العمارة بزيادة طبقة إضافية مما أثر على البناية التي لم تكن قادرة على التحمل، وبين هشاشة البناية التي قد تكون نتيجة عن الغش في البناء، ومهما يكن الأمر فالجميع يدرك أن هذا الحادث هو بمثابة الشجرة التي تخفي غابة المشاكل المتعلقة بالبنايات المتقادمة عبر السنين والتي تندر بحدوث كوارث في أي لحظة، فيكفي أن تمر عبر شوارع وأحياء البيضاء خصوصا منها القديمة لتلمح وأنت تهز عينيك فيها شقوق عدة، وعلى الرغم من ذلك مازال الناس يأهلونها نتيجة أسباب يختلط فيها الفقر بغياب الوعي بخطورة الأمر، إضافة إلى أزمة السكن وضيق العيش والحيلة التي تدفع الناس إلى درجة استعدادهم لبناء أي زاوية أو مساحة خالية حتى ولو اقتضى الأمر بناء حي صفيحي معلق في السماء ناهيك عن جشع لوبيات العقار التي تتاجر في هذا الميدان وتشجع على الرشوة والفساد، وصولا إلى عدم قدرة السلطات العمومية على إيجاد حلول لها، فضلا عن فوضى العقار التي تجعل معايير البناء يلفها غموض مراقبة جودتها ومدى احترامها للمعايير التقنية ، حيث نلحظ أن الكثير من البنايات الحديثة تظهر عليها عيوب منذ الوهلة الأولى قبل تسليمها لأصحابها من شقوق على واجهتها ، في حين أن ما خفي فهو أعظم وقد تفضحه كوارث طبيعية لا قدر الله إن حدثت كالزلازل والفيضانات وكثرة الأمطار.

الشيء الذي يثير الانتباه، هو أن هذا الحادث كشف مجددا عورة الوقاية المدنية التي بدت عاجزة عن إنقاذ الضحايا المحاصرين داخل الأنقاض في أسرع وقت ممكن، وأنها في حاجة ماسة إلى التكوين الإضافي وإمدادها بالوسائل والآليات الحديثة، وهنا نتذكر الحريق الذي شب مؤخرا في أحد المركبات التجارية بمدينة الناظور، حيث امام عجز الوقاية المدنية على إخماد الحريق فقد استدعى الأمر طلب النجدة من الوقاية المدنية الإسبانية للثغور المحتلة لسبتة وامليلية للتدخل والمساعدة على اخماد ذلك الحريق المهول، هذا الأمر يؤكده الحصار الإعلامي الذي مارسته السلطات على هذه الفاجعة حتى لا يطلع الرأي العام على محدودية وارتجالية تدخل الوقاية المدنية.

من جهة أخرى، تطرح مسألة التأمين على المباني من الكوارث الطبيعية التي هي منعدمة مما يجعل آهالي المتضررين عرضة للشارع وللمصير المجهول أو عالة على الدولة والمجتمع، فضلا على أن المصادر تؤكد أن البنايات المجاورة في تلك الأحياء صنفت على كونها مهددة بالانهيار وعددها يبلغ حوالي 8000 منزل وقد توصلت بإشعارات موقعة من طرف عمدة الدار البيضاء بخصوص ضرورة إخلائها، هذا الأمر يعد بالغ الخطورة ويطرح إشكالية عويصة تنضاف إلى السكن الصفيحي الذي لحد الساعة مازال عالقا ولم تتم تسويته وترحيل ساكنته بالبيضاء، على هذا الاساس، فعلى الرغم من مسؤولية الدولة في ضمان السكن اللائق للمواطنين، فهل يمكن القول بأن الدولة قادرة على مساعدة أصحاب المنازل المهددة بالانهيار من أجل ترميمها أو إعادة بنائها، يبدو أن هذا الأمر هو من الصعوبة بما كان أولا نظرا إلى أن عدد الأحياء التي تضم منازل مهددة بالانهيار هو كبير، فضلا على أن التجربة بينت أن الجشع يدفع بعض المواطنين إلى الاتكال على الدولة من أجل تعويضهم أو ضمان سكن آخر لهم ولعائلتهم وأولادهم حتى ولو كانوا قادرين ماديا على ضمان سكن لائق لهم.

هذه المعطيات تؤكد بالملموس على أن المنازل المهددة بالانهيار هي قنابيل موقوتة قد تنفجر في أي لحظة على رؤوس ساكنتها، وأن الألطاف الإلهية هي التي مازالت رحيمة بالساكنة مادامت هي في منأى لحدود الساعة عن الكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات التي إن وقعت ستكون تداعياتها جد مدمرة.

 

 

اترك رد