fbpx

شهر غشت، الغلاء في انتظاركم

بقلم محسن زردان –

لقد أتى، إنه شهر غشت، يعد بمثابة إعلان عن انطلاق موسم العطلة، حيث أغلب الناس يستفيدون من التوقف عن العمل أو الدراسة في تلك الفترة ليوفروا لأنفسهم لحظات من الراحة والاستجمام مع أطفالهم ودويهم كل حسب إمكانياته، هناك من تسعفه ظروفه المادية بالسفر خارج أرض الوطن وحجز حجزات في أفخم الفنادق والقرى السياحية، وهناك من يكتفي باختيار وجهة داخلية بأحد المدن المغربية الساحلية للاستجمام والابتعاد عن شمس حمئة، بينما هناك من يدفعه ضيق العيش والحيلة فيكتفي بالانزواء في زوايا منزله مع عائلته وتعداد الأيام والليالي أو في أحسن أحواله تمضية أيام قلائل في البادية تحت لفحات الشمس الحارقة ولهيب رياح الشرقي.

اللافت للانتباه، هو أن هذا الشهر، تحول إلى شبح مخيف للأسر المغربية، حيث غول الغلاء يرخي بظلاله، فأين وليت وجهك لوجهة أنت موليها فإنك لن تجد إلا سعار ارتفاع الأسعار في كل شيء، وكأن المغاربة كانوا يعيشون على وقع بطالة مزمنة طوال السنة، فما يفتؤون قدوم هذا الشهر إلا ورفعوا الأسعار بشكل فاحش لمراكمة الأرباح، إنها هستيريا شهر غشت التي تتجلى ملامحها في كل الميادين  والمجالات، فأرباب النقل من الحافلات وسيارات الأجرة بمختلف أنواعها يرفعون الأسعار علانية أمام أعين السلطات، الخضر والفواكه والأسماك واللحوم الحمراء والبيضاء بدورها تسجل ارتفاعا ملحوظا، أما المدن السياحية فحدث ولا حرج، حيث أثمنة كراء الشقق والفنادق تتضاعف بشكل مهول ومخيف، إضافة إلى احتلال رمال الشواطئ المغربية التي بمجرد وضع مظلتك الشمسية أو رجليك على رمالها فإنك تجد أناسا مجهولي الهوية يقفون على رأسك لدفع ثمن كراء رمال الشاطئ، فضلا عن انتعاش حرفة السماسرة والوسطاء الذين يتكاثرون كالفطر ويبتزون المواطنين ويفرضون عليهم دفع مبالغ مادية حتى عن أتفه شيء يقومون به ولو كان مجرد تبادل الحديث معهم.

أما إن كنت من مالكي السيارة وتتنقل بها، فإنك ستذوق الأمرين، وستعاني من ظاهرة انتشار مخلوقات من زمن أهل الكهف غريبة على ارصفة الشوارع تلتحف سترات فاقعةاللون، يخرجون لك في أية لحظة من حيث لا تدري ويطلبون منك أداء ثمن حراسة سيارتك، وغالبا ما يضطر الناس لدفع تلك الإتاوة عنوة خوفا واتقاء لشرهم لأن قسماتهم توحي بأنك إن رفضت ذلك فإنهم سيشهرون في وجهك سيوفا تودي بك الى الهلاك المبين، حتى وإن التجأت إلى الأمن لحل هذا المشكل فإنهم لن يعبئوا بك، وهو شيء حقيقة يثير الدهشة والاستغراب، كيف أن السلطات الأمنية لا تحرك ساكنا لهذه الفئة علما أنهم يحتلون أرصفة الشوارع والساحات، غير أنه بقليل من التفكير سنجد أن غض الطرف عنهم من ورائه حكمة أمنية فريدة من نوعها، لا يدركها إلا العارفون في هذا المجال وهو أن تلك الفئة تمثل بالنسبة لهم عيونا لرصد الحوادث والتحركات بالأزقة والشوارع، حيث أمام عجز الأجهزة عن ضمان الأمن للمواطنين فإنهم يلتجئون إليها لمدهم بالأخبار متى كانوا في حاجة إليها.

لذلك بدأنا نفهم، لماذا أصبح كثير من الناس خصوصا ميسوري الحال وكذا بعض الطبقات المتوسطة يفضلون التوجه لقضاء عطلهم خارج المغرب، لأن ذلك غدا أقل تكلفة مالية من المغرب، فضلا عن تجنب مظاهر الفوضى وغياب الأمن.

ما ينبغي قوله، أنه أمام هذه الظواهر المشينة التي تؤكد مرة أخرى عن غياب الدولة من أجل التدخل والمراقبة لحماية المواطنينمن منطق الغابة و حرب الزيادة في الأسعار،فإنه يجب إعادة النظر في أسطورة أن المغرب بلد الأمن والأمان،  حيث أن هذه النقطة يجب التفصيل فيها، حقيقة فالأمن والأمان متواجد فيما يخص فقط حضر حمل الأسلحة النارية والمتفجرات بين المواطنين، أما ما عدا ذلك فلا شيء يذكر وكل شيء مباح، لا أمن صحي ولا أمن قضائي ولا وقاية مدنية ولا أمن تجاري ولا أمن ثقافي ولا أمن يحمي سرقة جيوب المواطنين وأرزاقهم من الغلاء في السلع والخدمات ولاهم يحزنون.

في السياق ذاته، لا يمكن إخفاء مسؤولية المواطنين الذين يتهافتون على الامتثال لهذه الزيادات بل هناك منهم من يتباهى بذلك على خلق الله كنوع من المظاهر الاستعراضية المرضية التي ترمز للثراء، وهي مؤشرات تدل كما أكد الكثيرون على غياب المجتمع المدني  الذي يفترض فيه وجود قوى حية مؤطرة تقدم المصلحة العامة على الخاصة، قوامها الجمعيات الوطنية والنقابات والأحزاب الحقيقية وليست تلك التي تقتات على المساعدات السخية للدولة وعلى الوصول إلى الكراسي الوثيرة، حتى يتسنى لها ممارسةالضغوط على لوبيات الفساد ومحترفي الربح السريع، وكذا على السلطات الحكومية للتدخل لحماية القدرة الشرائية للمواطنين.

 

اترك رد