fbpx

خطاب العرش لسنة 2014 أو ليس بالامكان أحسن مما كان.

إن غاية كل خطاب سياسي هو الاقناع و التفاعل. يكون الهدف من الاقناع هو التأكيد على صحة الخطابات السابقة ( خصوصا التحليلية منها) و إكساب المشروعية لكل القرارات والاجراءات التي اتُخذت، و إثباث مدى صحتها. اما التفاعل فيهدف إلى تداول الواقع بالخصوص عبر مواجهة فرضياته الهامة و محاولة فرض نمط تفكير صاحب الخطاب على المجموعة الموجه لها ذاك الخطاب.لذا فإن كل خطاب سياسي يسعى، بشكل او بأخر، الى اضفاء الشرعية على نفسه و تجريد الاخرين منها. وتكون وسيلة الاقناع اما سلطوية او اخلاقية اوعقلانية.

لنرى اذن في ضوء ماقيل في هذه المقدمة المقتضبة، كيف كان خطاب العرش لملك المغرب لهذه السنة؟ و هل استطاع ان يكون عقلانيا؟ وهل حافظ على مسوغات قيامه كخطاب و هي الاقناع و التفاعل؟.

بداية يجب ان نشير إلى أن خطب رئيس الدولة قليلة للغاية، فهو لا يتحدث بشكل مباشر إلا في المناسبات الوطنية، و هي قليلة ومتزاحمة.هذا بالاضافة الى أهمية هذه الخطب المستمدة من مركزية الملك في النظام السياسي العام الواضحة. وقد زكى هذا الدور المركزي للملك الدستور الجديد لسنة 2011 الذي أعطاه حجر الزاوية والمحور في كل مناحي الحياة و خاصة دوره في المجلس الوزاري الذي يعتبر المسؤول عن كافة السياسات القطاعية (في الرئاسيات التنفيدية يكون حديث رئيس السلطة بشكل دوري ولا يتعدى 15 يوما و حتى في عطلته يتحدث إلى الشعب عبر الراديو فضلا عن وجود مقابلات مستمرة مع المسؤولين في إدارته). هذه القلة للخطب الملكية الموجهة لعموم الشعب تجعل من الاهمية بمكان بشان كل خطاب على حدى.

قبل الدخول في تفكيك عناصر الخطاب يجب أن نطرح على أنفسنا هذا السؤال و نحاول الاجابة عليه، السؤال هو: ماذا كان يريد المغاربة سماعه في الخطاب الان؟.

في تقديري الشخصي و حسب معرفتي بواقع حالنا اظن أن المغاربة في عمومهم كانوا يريدون سماع ستة مواضبع في خطاب الملك و هي المعيشة، والتعليم، والصحراء، والشغل، والأمن، وحقوق الانسان. هذه هي العناصر الستة التي أظنها تشغل بال المواطنين اليوم وهي المواضيع الاكثر تداولا بينهم في حديثهم في دارهم و عملهم بين كبيرهم و صغيرهم ومعطلهم و موظفهم.

 

و قبل ان نعود الى هذه العناصر و نرى هل وكيف تطرق لها الخطاب لا باس من اعطاء بعض المعطيات الرقمية من خطاب العرش.في الخطاب لم تذكر الديمقراطية ولا الاحزاب السياسية،وجاءت الحكومة مشروكة مع البرلمان في لفظ واحد، وذكر مصطلح الامة في موضعين، نفس الشيء بالنسبة لكلمة العرش التي جاءت معرفة، الوطن ذكر ست مرات ومضافا الى كلمة أخرى في سبع صيغ.ذكر مصطلح الشعب غير أنه لم يكن القصد به الشعب المغربي الذي استعيض عنه بمفهوم الامة.

نعود الان للحديث عن المواضيع الستة التي قلت أني أظن أنها تشغل بال غالبية المواطنين اليوم، اي المعيشة،والتعليم،والصحراء،والشغل،والامن،وحقوق الانسان.

في الخطاب ليس هناك من ذكر لثلاثة مواضيع من بين الستة المشار اليها أعلاه، لم يذكر التعليم ولا الشغل ولا حقوق الانسان.وقد أخذ الخطاب حيزا مهما للمواضيع الثلاثة الباقية دون توازن في الحيز المخصص لها، فموضوع المعيشة أو عيش المواطنين كما جاء في الخطاب كان في صدارة حديث الملك، وإقرار الملك بوجود فوراق اجتماعية حادة ووجود “مظاهر الفقر والهشاشة”. لم يوازيه اقرار باسباب تلك الفوارق، بل لم يجد غير الحديث عن مقياس جديد للثروة ودعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي للقيام بدراسة لقياس ما اسماه الملك ” القيمة الإجمالية للمغرب” . هذه النقطة تحتاج لوقفة قصيرة، لانها أحدى أهم نقطتين في الخطاب الملكي، وقفة للتدقيق في بعض النقاط الواردة متن الحديث عن سبب الفرتورق الاجتماعية او سوء توزيع الثروة.

أولا وكملحوظة بسيطة،لقد طلب الملك أن تقام دراسة لقياس القيمة الاجمالية للمغرب بين سنة 1999 وسنة 2013، وقد ذكر هو نفسه أن المغرب كان ضمن الدول 120 التي أصدر عنها البنك الدولي تقريرين في كل من سنة 2005 و2010، فلماذا أذن نعيد الدراسة التي ستطلب من الجهات الدولية ذاتها، ثم لماذا فقط من سنة 1999، الا يقول الملك انه ورث العرش بما له وبما عليه.

الحديث اليوم عن طرح معايير جديدة لقياس الثروة ليس جديدا في حد ذاته، فالتقرير الذي منه يستقي الملك الافكار لعرضها على ” الامة” في خطابه قديم نسبيا، أنه تقرير البنك الدولي الصادر سنة 2006 باللغة الانجليزية ومترجم للعربية منذ سنة 2008 ويحمل عنوان : أين تكمن ثروة الامم؟ وهو تقرير يبحث في تقويم جديد لراسمال الالفية مع تقدير للمخزون من الثروة ودورها في خلق الرفاه، ويعطي تفصيلات أخرى في الموضوع.وللاشارة فإن التقرير يحصر تطبيق تلك المعايير على الدول النامية ويعتبرها فقط مؤشرا تهتدي به السياسات المتبعة يقول بالنص : ” لعل الدول النامية هي المكان الأفضل الذي ُ يرجح فيه لنظام المحاسبة −-;- المستند إلى حجم الثروة الشاملة وتحولاتها −-;- أن يكون مؤشرً ا نافعا, تهتدي به السياسات المتبعة في هذه الدول.”

غير أن المعايير التي طرحت من طرف البنك الدولي وزكتها فيما بعد بعض دراسات الامم المتحدة، يمكن أن تكون ذات أثر سلبي او ايجابي على قياس الثورة الاجمالية، كيف؟ لنرى ما هي تلك المعايير التي جاءت في التقرير اولا، يتحدث التقرير في قياس الرأسمال غير الملموس عن ثلاثة معايير اساسية وهي اولا الراسمال البشري والمهارات والدراية الفنية الكامنة في قوة العمل، ثانيا الراسمال الاجتماعي القائم على الثقة بيم افراد المجتمع وقدرتهم على الانجاز الجماعي لعمل ما، وثالثا الحكامة والادارة، ويمكن تفصيل هذه العناصر كما يلي: التعليم والمعرفة، الثقة وقوة العمل والقدرة على التنظيم،الاستقرار السياسي وانعدام العنف، فاعلية الحكومة، النوعية التنظيمية، سيادة القانون، ومراقبة الفساد.واجدني في حل من أن ادخل في ذكر تفاصيل كل مؤشر على حدى لما يعرفه الجميع من تقارير محلية وخارجية في كافة المواضيع المشار اليها اعلاه خاصة المواقع المتدنية في التعليم ومحاربة الفساد وسيادة القانون وفاعلية الحكومة.ولهذا فإن احتساب الثورة الاجمالية للمغرب اعتمادا لهذه المعايير لن يعطي افضل مما هو عليه الحال الان خصوصا إذا علمنا انه بالعموم يشكل الراسمال غير الملموس نسبة كبيرة تفوق 70% من حجم الثروة بحسب ما يطرحه البنك الدولي. أضف الى ذلك أن هذه المعايير نفسها هي متغيرة وغير ثابتة،فمثلا سيدخل حيز التطبيق في قياس الثروة في الدول الاروبية في بداية شهر شتنبر المقبل معيارين جديدين وهما عائدات الدعارة وتجارة المخدرات. فهل ستكون المملكة الشريفة قاردة على ادخال هذين المؤشرين في حساب الثروة ايضا؟ مع العلم أنه هناك تجارة كبيرة للمخدرات بكل انواعها ودعارة منظمة وواسعة.

إن الحديث عن قياس جديد للثروة الاجمالية المطروح من طرف البند الدولي والتي تسارع الكثير من المنظمات الدولية والجهوية لتنبيه ومعها الدول التابعة لها، ليس هدفه هو البحث عن خلق الرفاه او توزيع الثروة نفسها بل هو نفخ الحسابات النهائية لمعدلات النمو التي هي الارقام التدليلية التي تحب الامبرليالية سماعها.

وفي موضوع العيش أشار الملك الى ان المغرب يعتبر نموذجا في التنمية وقد بلغ مرحلة من النضج،كيف ذلك يا سيادة رئيس الدولة وانت تعترف بوجود الفوارق الاجتماعية وحدة الفقر والهشاشة.النموذج هو الذي يثبت صحته وفعاليته ونجاحه وليس من يولد الاخفاق ويسبب الفوارق ويكثر من الفقراء والمشردين.

 

أما في موضوع الامن، فهو لم يتحدث عن أمن المغاربة الى ضمن حديثه عن الشأن الديني حين قال أمنهم الروحي، الذي يقصد به ارتباط ” جماعة المؤمنين” بامارة المؤمنين والمذهب المالكي، أما أمن المغاربة الجسدي وسلامتهم البدنية فهي غير ذات أهمية، والغريب خاصة وان الملك هو من أعطى تعليماته قبل أسابيع للتعامل مع ما عرف وقتها بظاهرة ” التشرميل”، واكتفى بالحديث عن الامن الخارجي ودعا الى مواجهة جماعية لظاهرة الارهاب. وفي موضوع الصحراء فلم يذكر فيها جديدا ذا قيمة اللهم التأكيد على مقترح الحكم الذاتي في اطار الجهوية المتقدمة.

أن خطاب العرش لهذه السنة لايمثل حدثا مفصليا حتى لو اراد البعض أن يعطيه هذا النعت، وهو يعتبر استمرارية لسيرورة الدولة دون احداث قطائع مع الممارسات المخزنية( التغاضي على ملف حقوق الانسان) او تنشيط الملف الاجتماعي ( استبعاد الحديث عن الشغل وعن ظروف العمل). وهو يعكس حالة تردد واحتباس تتمظهر عند أول سلطة في الدولة.

اترك رد