fbpx

احصاء المغاربة

بقلم محسن زردان –

 

من الواضح أن المغاربة مقبلون في الأيام القليلة القادمة على عملية الإحصاء العام للسكان والسكنى، وهي عملية دورية تتم كل عشرة سنوات، يبقى الهدف منها هو رصد لبنية المجتمع وتطور السكان ومعرفة حاجياته، التي من المفروض أن تخضع للتحليل والاستثمار ونشر معطياتها.

يبدو أن البيوت المغربية، ستعرف زيارة ضيوف لن يكونوا إلا الباحثين الاحصائيينالمحملين باستمارات حبلى بعدةاوراق لملئها بمجموعة من المعطيات، التي سيطلب من المغاربة الإجابة عن أسئلتها.

إذا تأملنا جيدا عقلية المجتمع المغربي، فإننا سنقول أن هذه العملية غير مرحب بها، وينظر إليها أغلب المغاربة بعين الريبة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالإدلاء بمعلومات هي في حكم الخصوصيات، ويأتي مصدرها من الأجهزة الرسمية التي مازالت تعاني من غياب الثقة بينها بين المواطنين، حيث قساوة الواقع تجعل المواطنين دائما يقيسون جدوى أية عملية بمقدار الربح والخسارة، والحق يقال، أن المغاربة إلى حدود الساعة ما زالوا لم يلمسوا أهمية العمليات الإحصائية وتأثيرها على واقعهم المعاش.

على هذا المستوى، يمكننا التساؤل، هل الأمر يتعلق بضعف الحملات التواصلية للشرح والتوعيةبالغاية من هذه العملية الإحصائية، أم أن مقاربة المواطن للموضوع كما أسلفنا الذكر فيها جانب من الصحة والموضوعية.

ما يثير الانتباه والتناقض في الآن ذاته، أنه يطلب من المواطنين ابداء التعاون وحسن النية لإنجاح عملية الإحصاء وجمع المعطيات والإجابة على أسئلة الباحثين بكل دقة وصدق، في حين أن المواطن عندما يحتاج لبعض المعطيات الإحصائية من السلطات المختصة فإنه يواجه صعوبات وعراقيل للحصول عليهاإن أفلح في ذلك، فمثلا إذا توجهت إلى إحدى المديريات الجهويةالتابعة للمندوبية السامية للتخطيطوقمت بطلب بعض المعلومات الإحصائية التي قد تحتاجها في إعداد بحث أو دراسة معينة، فإنك أكيد ستعاني الأمرين وستتعرض لتحقيق الهوية، وسيطلب منك تحرير طلب في الموضوع مع تعليل الأسباب وانتظار موافقة السيد المدير،وفي أحيان عدة يجيبونك بأنهم لا يتوفرون على تلك المعطيات وبالتالي فأنت بحاجة لرفع طلبك إلى المصالح المركزية بالرباط.

من جانب آخر، لا زال النقاش جاريا ويثير جدلا كبيرا حول صحة ومصداقية المعطيات الإحصائية التي يتم تجميعها، خصوصا إذا ما رجعنا قليلا إلى الوراء واستحضرنا الحرب الكلامية التي دارت بين مكونات الحكومة الحالية وأرقام المندوبية السامية للتخطيط حول معدلات النمو الاقتصادي، حيث كيف يمكن للحكومة كجهاز رسمي لا يثق ولا يعترف بأرقام ومعطيات إحصائية صادرة عن مؤسسة رسمية تابعة للدولة كالمندوبية السامية للتخطيط، في حين يطلب من المواطنين البسطاء فعل ذلك، ناهيك على كون نتائج الإحصاء تكون في الغالب موجهة لخدمة اغراض سياسية كالتغطية على حجم البطالة الحقيقي مثلا، حيث يعتبر كل شخص اشتغل ولو ساعة واحدة في السنة من السكان النشيطين.

المعطيات الإحصائية دائما كانت تحوم حولها الشكوك بخصوص أهدافها والغاية منها، وكذا المعايير التي يتم اتباعها، حيثنستحضر في هذا السياق إحدى ابرز الأقوال الشهيرة، تقول، أنه توجد ثلاثة أنواع من الأكاذيب، هناك الأكاذيب الكبيرة، وكذا الأكاذيب الصغيرة، فضلا عن الإحصاءات.

لقد فوجئنا كما تفاجأ الكثيرون على غير العادة بخلو الوصلات الإشهارية المقدمة على منابر الإعلام العمومي لحث الناس على المساهمة في الإحصاء، من وجوه السياسيين والفنانين والرياضيين، الذين يتهافتون على الظهور على شاشات التلفاز لحث المواطنين على الاقلاع عن التدخين أو الحد من انتشار السيدا أو التبرع لمواجهة السرطان، وكذا المساهمة في انجاح بعض المبادرات الوطنية، إذ هذه المرة، الأمر يختلف فالمسألة جدية ومحرجة، حيث سيطلب من المشاركيناستقبال الباحثين الإحصائيين ومساعدتهم على ملئ تلك الاستمارة، وهي مسألة لا يحبذونها على ما يبدو، نظرا لخوفهم من افتضاح أمرهم والتصريح بمعلومات لا يريدونها أن تصل للعموم، وهذا ينساق مع الشكاوي المستمرة التي يدلي بها الباحثون الإحصائيون الذين يؤكدون على معاناتهم من إحجام الطبقات الميسورة على مساعدتهم واستقبالهم في بيوتهم، حيث يجدون الأبواب موصدة بمجرد سماع خبر وصولهم.

وعليه، فمن المطلوب أن يعطي الساسة والوزراء والبرلمانيون والمنتخبون والنخب المثال على انجاح هذه المبادرة، حتى لا يتكرس الانطباع لدى المغاربة أن عملية الإحصاء تقتصر فقط على المواطنين الضعفاء والفقراء، أما الطبقة الغنية والميسورة فهم خفافيش الظلام،لا يرون ولا يحصون.

سوف يقول الكثيرون، أن خطابنا يحمل في طياته مقاربة عنوانها التحامل على عمليات الإحصاء في المغرب، لكننا نرى أن هذا الخطاب يتماشى تماما مع ما جاءت به خلاصات تقرير المجلس الأعلى للحسابات الخاص بمراقبة التدبير لبعض المديريات الجهوية التابعة للمندوبية السامية للتخطيط الصادر بتاريخ 27 فبراير 2014، حيث جاء فيه ما يلي:

–         غياب سياسة للتواصل والتحسيس بأهمية البحوث الإحصائية، الشيء الذي يفضي إلى احجام بعض الأسر عن التعاون مع الباحثين الاحصائيين.

–         عدم ملاءمة الباحثين لطبيعة البحوث الإحصائية.

–         تعرف عملية تسجيل المعلومات الإحصائية بالحواسيب عدة أخطاء، ترجع بالأساس إلى العدد الهائل للاستثمارات التي يتم ملؤها بطريقة يدوية.

–         نتائج البحوث الإحصائية المنجزة من طرف المديريات غير قابلة للاستثمار على المستوى المحلي.

–         غياب تقييم لمردودية وجودة أعمال الباحثين الإحصائيين، وبذلك فإن تقييم مردودية الباحثين الإحصائيين وتحديد مبلغ تعويضاتهم المادية يتم فقط على أساس الجانب الكمي، حيث لا يؤخذ بعين الاعتبار سوى عدد الاستمارات التي تتم تعبئتها دون مراعاة جودة وصحة المعلومات.

–         استغلال ونشر متأخر لنتائج بعض البحوث والدراسات الإحصائية، قد يصل التأخير إلى ثلاثة سنوات بعد انجازها، مما يجعل نتائجها تنطوي على مغالطات تاريخية وبالتالي عديمة الجدوى.

–         استفادة موظفي المديريات الجهوية من تعويضات عن التنقل رغم عدم مشاركتهم في العمليات الاحصائية الميدانية.

أمام هذا المشهد الماثل أمامنا، هل يمكن القول بأن عملية الإحصاء العام هي استمرار لسياسة الريع، التي يكون شعارها إثارة الضجيج والبهرجة والفرقعات الإعلامية لإيهام الناس بأن بلادنا قادرة على التخطيط  ووضع الاستراتيجيات، في حين أن الواقع يقول أننا لا نفلح إلا في استنساخ النموذج الفرنسي بشكل ممسوخ ، حيث العارفون عن قرب بالموضوع يدركون أنه حتى الاستمارة التي من المفروض أن يتم ملئها بمعطيات المواطنين هي بدورها ترجمة حرفية للاستمارات الفرنسية، وفي المحصلة لن يكون عنوانها بطبيعة الحال، إلا هدر المال من دون منفعة تذكر.

 

 

اترك رد