fbpx

على من تضحكون يا وضعي مفكرة الباحث؟

 

حساين المامون –

 

                القراءة المتأنية للاستمارة المقدمة من طرف المندوبية السامية للتخطيط المعدة لإحصاء 2014 تحت شعار “قيمة بلادنا سكانها”، يجد أنها حافلة بمجموعة من المغالطات والتأويلات وأيضا بمجموعة الملاحظات حول طرق الصياغة والمسؤول عن صياغتها وتخصصاتهم إضافة إلى غاياتها، السوسيولوجية والديمغرافية ، فادا بدأنا مثلا بمفكرة الباحث التي صيغت بالدراجة المغربية على أساس مساعدة الباحث فان أول ملاحظة تسجل عليها هي غياب اللغة الأمازيغية علما أن الأسر المغربية يتداخل فيها البعد الامازيغي والبعد العربي والحساني والأجانب…،فكيف سيتواصل باحث مع أسرة مغربية لا تعرف التحدث سوى التحدث بالأمازيغية ؟ 

إضافة إلى هذا الجانب هناك حمولة انتقائية في الألفاظ والعبارات وخلفيات غير مفهومة  الموظفة فمثلا في العمود 12 ص 14 نجد السؤال التالي (نهار الاستفتاء على الدستور فاتح يوليوز 2011، فينا جماعة كان سكان فلان؟)، المتأمل في هذا السؤال يستغرب من الغاية والهدف ، حدث التصويت على الدستور حدث كباقي المحطات التي تشهدها المملكة، أو نقول كمسار نحو الديمقراطية وليس هو الديمقراطية وليس هو النموذج النهائي والغاية الكبرى التي يجب أن تتوقف عندها عجلة المطالب الدستورية، وإلا فلماذا لم يطرح نفس السؤال عن دستور 1992 وباقي التعديلات الدستورية التي شهدها دستور الممكلة.

أما ادا انتقلنا إلى ص 16 من مفكرة الباحث المعنون بالصعوبة في ممارسة الحياة اليومية فإنها تكشف أن دعوات “عيوش” إلى إدخال الدراجة إلى التدريس أتت أكلها في تجربة الإحصاء وإلا فما دلالة هذا السؤال :” واش فلان عندو شي صعوبة فانه يفكر ؟” ، بالله عليكم عندما سيطرح باحث هذا السؤال على المستجوبين كيف سيكون رده؟، الطامة الكبرى في الجواب الذي يقترحه واضعي المفكرة بقولهم ” ادا كان الجواب بنعم نسأل : واش  هذا الصعوبة قليلة ، كبيرة، ماكيفركش فمرة؟” ، هنا الطامة الكبرى أن الجواب يحمل دلالة الاهانة والنيل من كرامة المواطن ومن إنسانيته كيف لا يفكر بالمرة؟ أليس العقل ووظيفة التفكير هي التي تجعل الإنسان إنسانا؟ أليس في ذلك نوع النظرة الفوقية ؟ بصراحة هذه الترجمة تحمل دلالات عنصرية ودلالات الايثنومركزية التي كان يمارسها المحتل الفرنسي والتي للأسف لازالت في اللاشعور الجمعي لعدد من مسئولينا المغاربة، تلك النظرة التي تحمل ازدواجية بين المواطن من الدرجة الأولى و “الأوباش” أو “الهمج”…

وهو نفس الامر نجده في العمود 21 في مجال التواصل  عندما نجد السؤال :” واش فلان عندو صعوبة يهدر مع الناس ؟”، هنا يبدو كأن  واضعي الاستمارة كأنه لم يتقلوا أبجديات  المعرفة الأولية باليات وتقنيات التواصل التي تؤكد أن التواصل ليس دائما لفظي ولغة صوتية ، وأن هناك مستويات متعددة من التواصل المباشر والغير المباشر اللفظي والغير اللفظي، مادا سنقول عن البكم؟ مع العلم أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يجرم كل أشكال التميز أو الإساءة أو الاهانة لدوي الصعوبات في ممارسة الحياة، ثم ما الغاية السوسيولوجية والديمغرافية  من هذا السؤال؟ مادا يعني “فلان عندو صعوبة يهدر مع الناس؟” الا يمكن اعتبار عدم حديثه مع الناس اختيارا حياتيا بعد أن جرب وخبر طبائع الناس ؟  هل كل من يتحدث مع الناس ناجح في التواصل ؟ هل كل من يعاني صعوبات في ذلك فاشل في التواصل ؟؟

نعرج ألان على ما يطلق عليه واضع دليل الباحث النشاط الاقتصادي، وبالضبط بالعمود 30 ص 22 تحت هذا السؤال :” واش مادراش فلان شي خدمة وخا غير لمدة ساعة وحدة ؟” ويطرح حسب المفكرة بالصيغ التالية” واش مادارش شي بريكول فالسبع أيام اللي دازت؟”  هذا بالنسبة للذكور بمعنى أخر أي شخص اشتغل ولو لساعة في الأسبوع الذي قبل الإحصاء يحصى على أساس أنه مشتغل ونشيط ، وبالنسبة للإناث يطرح السؤال حسب المفكرة دائما بالصيغة التالية:” بلا شغل الدار، واش ماد ارتش فلانة شي خدمة بحال الخياطة أو الطرز أو الصوف فالسبع أيام اللي دازت”؟ هنا يقف الباحث مشدوها أما هذا المكر التخطيطي  في رسم أرقام مرتفعة للنسبة النشيطة وبالتالي تخفيض نسبة البطالة ، وإلا كيف يمكن اعتبار حياكة “الصوف” للنساء القرويات في بيوتهن عملا؟؟ أو الخياطة أو اشتغلت في الطهي لأهل عرس أو جنازة شغلا يدر عليها دخلا ؟ هنا نقف أمام مهنة ربت بيت حيت اعتبرها بدون شغل؟؟ أي أن عملها لا يتعبر شغلا؟ أليست هده اهانة لملايين المغربيات اللائي يشتغلن في بيوتهن دون أن ينتظرن اعترافا من أحد؟

أما بالنسبة للمدة أي الأسبوع الأخير فان أغلب المستجوبين حتى الطلبة والتلاميذ سيصرحون بكونهم اشتغلوا في مهن موسمية، ومن ثمة ستظهر في النتائج نسب مرتفعة من التشغيل وستكون البطلة في انخفاض بخلاف حتى أكثر الدول الصناعية كألمانيا ، وسيظهر الاستثناء المغربي في الاقتصاد وأن الأزمة العالمية لم تصلنا بعد كما كانت تطبل دار البريهي.

والسؤال المستفز أكثر هو في العمود 32 ” علاش ماكتقلبش على خدمة؟” صراحة عندما قرأت هذا السؤال لم أتمالك نفس من الضحك ، لكون السؤال فيه حمولة السخرية كأنه يقولوا بصيغة أخرى أيها المغاربة لما أنتم شعب كسول لهذه الدرجة ، لما لا تنهضوا إلى العمل أليس الشغل في كل مكان ؟؟ ألا تخجلوا من أنفسكم ؟؟ أيها المعطلون أنتم إفراد كسلي لكون الشغل في كل مكان أينما حللتم في وطنكم وأنتم متمسرون أمام حائط ” المبكي” عفوا على حائط البرلمان ، وعلى ذكر المعطلين فالدليل يشير الى عاطل(عط 1 وعط2) وكأنه تحاشى أن يذكر مسؤولية الدولة والمؤسسات في تعطليهم ليقول لهم أنتم عاطلون لكونكم لا تبحثون عن شغل….

دائما في قضية الشغل والتشغيل ففي عمود 35 أي المهنة الرئيسية فالدليل لا يعتبر مهنة البيت شغلا وكأن المرأة أو الأم المغربية  التي تحرس على القيام بمهام البيت ، لا تقوم بأي دور بل هو مجرد وهم أو خدمة إضافية أو مفروض عليها أن تقوم بهده المهمة الجليلة ، وبهذا يبخس الدليل القيمة الرمزية لكل أمهاتنا وكل النساء اللائي فضلن عمل البيت على العمل خارجه ، أو يزاوجن بين العملين، هنا نطرح السؤال العريض أين الجمعيات النسائية التي تدافع عن حقوق المرأة؟ أين الجمعيات التي تدعي الدفاع عن كرامة وشغل المرأة؟ للأسف تصنيف الدليل لا يخرج عن ما كان يدون ببطاقة التعريف الوطنية السابقة حيت نجد “بدون” في مكان المهنة بالنسبة لربة بيت، انه إعادة إنتاج نفس التمثلاث حول عمل المرأة داخل البيت بكونه لا يمثل عملا بل انه لعمري أكبر و أنبل مهمة هي التي تقوم بها الأم المغربية في مختلف البيوت من شمال المملكة إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها.

ومن الاكتشافات الجديدة للمندوبية السامية للإحصاء تسميات جديدة لمهن يجرمها القانون ومن أبرز  نماذجها مثلا “الشوافة””مولاة الكارطة” يصنفهما دليل الباحث في الإحصاء بكونها  في المهنة : خدمات شخصية أخرى، إضافة بائعات الهوى  : يصنفها دليل الإحصاء بكونها في المهنة: خدمات شخصية أخرى، أما الطامة الكبرى فهي بالنسبة لبائع المخدرات فهو يطلق على مهنته : بائع المواد الغذائية الأخرى، ففي الوقت الذي يجرم فيه القانون هذه “المهن” أبت دار ألحليمي إلا أن تعترف بهم وبهن….والأكثر غرابة أنه مهنة بائع السجائر بالتقسيط يعتبرها الدليل من المهن المدرة للدخل والتي يعمل فيها صاحبها بشكل “مستقل” مع العلم ان بيع السجائر بالتقسيط  محرم قانونيا، إضافة إلى ذلك نستغرب أن السؤال في الاستمارة يؤكد على ضرورة طرحه انطلاقا من سن 7 سنوات فما فوق ، في حين أن مدونة الشغل تؤكد على المنع المطلق لتشغيل هذه الفئات باعتبارها أطفال ومكانها الطبيعي هو المدرسة ، فهل غاب عن واضعي الدليل هذا؟؟ أم أن غايات في نفس “حليمة” أملت ذلك؟

تختتم مفكرة الباحث بما يسمى “يومية أهم الأحداث التاريخية بالمغرب” حيت يلاحظ المتتبع إغفال أو تعمد عدم ذكر مجموعة من المحطات الأساسية في تاريخ الأمة المغربية الضارب في عمق التاريخ وليس وليد قرن أو قرنين، المهم واضع هذا اليومية يبدأ ب 1873 بحكم مولاي الحسن لماذا هذا التاريخ بالضبط ولمادا بداية الحكم ، هل للأمر دلالات إيديولوجية ، لا نعرف هكذا تبدأ اليومية وادا القينا نظرة عليها نجد ذكر أحداث وسنوات معينة بخليفة معينة فمثلا يعنون 1902 ب “انتفاضة بوحمارة”  لماذا انتفاضة وليست ثورة؟؟ ولماذا تسمية  بوحمارة  ؟؟ ثم يتحدث عن 1921 ليطلق عيها بكل خبث ” عبد الكريم في حرب الريف ” ليقول لنا في 1934 نهاية “حرب الريف” علما أنه في كل قواميس العالم هي انتفاضة شعبية مسلحة لقنت العدو الاسباني الفرنسي  دروسا في المقاومة البسالة ، وأبدعت حرب العصابات ولولا تحالف اسبانيا وفرنسا واستعمال الأولى الغازات السامة ما كان لها أن تهزم المقاومة الباسلة، هنا يطرح سؤال جوهري ألا لهذه الدرجة يهون علينا تاريخا وتاريخ أمتنا وما قدمه المجاهدون الأبطال أهكذا نكافئهم ؟ كيف نسمي العدوان والاستعمار “حرب” ذات الدلالة الإيحائية بالتكافؤ بين قوتين أو دولتين من حيت السلاح والهيمنة بين الجلاد والضحية ، والعالم كله يعرف وباعتراف اسبانيا نفسها أنه عدوان واستعملت فيه أسلحة محرمة دوليا؟ الم تكن عدوانا  يا واضعي اليومية؟؟ ألا بجدر بكم أن تسموها “مقاومة عبد الكريم الخطابي العدوان الاسباني والفرنسي”…للأسف نحن أمة تنكر لتاريخها وتمارس فعل الاستهانة به، مع العلم أن أكثر أمة حاضرها مرتبط بماضيها هي الأمة المغربية، بل تتبول على تاريخها بكل قبح وقذارة ويكفي لكل زائر لمدننا العتيقة ان يلاحظ جوانب الأسوار التاريخية وما نفعله ببقايا تاريخنا، وما تصحيح المندوبية للفضيحة التي صنفت مدينتي سبة ومليلية المحتلين من المدن الأجنبية وسكانها على اعتبارها أنهم أجانب الا خير دليل على درجة البؤس الذي وصلنا إليه في اهانة تاريخنا ، ولا نستغرب ما نتعرض إليه ومن قبل بعض القنوات من حملات شعواء على هذه الشعب العريق وأيضا من بثر الخريطة لكون أهل الحال والدار يمارسون أقبح من ذلك في حق تاريخهم.

من الإبداعات الجديدة في اليومية ما سماه واضعها في 1957 ” الامبراطوية الشريفة تصبح مملكة مغربية” صراحة طيلة مساري الدراسي وما علمونا في المدارس وقراءتي العامة ، لم يسبق لي أن درست أن الإمبراطورية الشريفة تحولت إلى مملكة مغربية؟؟

تشير اليومية إلى تاريخ 1988 هو تاريخ الاكتتاب لمسجد الحسن الثاني، جميل أن نذكر إلى هذا الحدث باعتباره فرض على المغاربة خصوصا الفقراء منهم المساهمة في بناء المسجد أي مسجد المغاربة  وسمي بعد ذلك  بمسجد الحسن الثاني، وما رافق ذلك من تجاوزات السلطة التنفيذية في فرض ذلك على الناس وكل من يرفض يتم إجباره بعنف…لكن ما غفلته أو ما تغافلته اليومية إن صح التعبير أنه في نفس الفترة شهدت الدار البيضاء ثورة الجياع أو انتفاضة الدار البيضاء وعرفت شهداء بعد تدخل الجيش بعد رفع تمن الخبر، وهم من أطلق عليهم المرحوم البصري “شهداء الكوميرا” اهانة لهم ونكاية بهم على كونهم استشهدوا من أجل “الكوميرا”…..انه استثمار لإحداث معينة من اجل صورة معينة ، وهذا ما تجلى في التواريخ التي تلت الاكتتاب من اجل بناء المسجد ، فباستثناء الإشارة إلى “حرب الخليج” كل الأحداث تدور في فلك الاستفتاء على دستور 1992 و2011 ووفاة الحسن الثاني وبداية حكم محمد السادس وإحصاء 2004….فهل تاريخ الأمة المغربية يمكن إجماله في هكذا أحداث؟ الم يشهد تاريخنا محطات فيها أحداث تستحق أن تسجل كفواصل ؟؟ هل المواطن المغربي البسيط لا حظ له من تاريخ أمته؟ الا يكرس هذا تلك الصورة التي نتلاقها في المدرسة على أن التاريخ يدور دائما حول الأسر الحاكمة؟؟ هل المواطن البسيط الذي من أجله صممت هذه اليومية ظلما وعدوانا يعرف دستور كدا وكذا؟  

 

اترك رد