fbpx

نساء عربيات في قبضة أحابيل الصور (2/2)

ترجمة أحمد رباص –

تقديم
مخلوقات ضعيفة ومضطهدة مختفية تخت تشادور أو برقع. تلكم هي الصورة الخالدة النمطية عن النساء العربيات التي تقترحها وسائل الإعلام الغربي، عن طريق الخلط باستخفاف بين السياقات والقوميات. هل ستكون إذن هاته النساء خارج التاريخ؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فكيف نفسر النكوص الكبير الذي شهدته حقوقهن خلال العقود الأخيرة؟ عن هذين السؤالين وغيرهما سوف تجيب الكاتبة الفلسطينية سحر خليفة من خلال مقالها الذي كان في الأصل محاضرة ألقتها الكاتبة يوم 05 مارس 2015 بمركز الدراسات الفلسطينية التابع لمدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن. تعميما للفائدة، أقترح ترجمته من الفرنسية إلى العربية.
نص المقال
كانت أمي تلف رأسها في شاش شفاف أسود اللون يغطي نسبيا وجها وشعرها. كان باقي لباسها يتمثل في تنورة أو كسوة بسيطة كانت تصل حتى ركبتيها، بالإضافة إلى معطف ضيق كان يبرز صدرها وقامتها. لا شسء يمت بصلة لما نعتبره اليوم “لباسا إسلاميا”، يحول الجسد النسوي إلى كيس بشع الشكل.، كتلة معتمة، عمود دخان.
في بداية سنوات الخمسينيات، التحقت أمي بحركة “سفور”، إلى جانب نساء كثيرات من جيلها. بعضهن كن مثلها متحدرات من الطبقات المتوسطة في كبريات المدن. يكفي مشاهدة تسجيلات سهرات المطربة المصرية أم كلثوم في نفس الفترة لملاحظة كيف أن أي امرأة ضمن الجمهور لم تكن تحفل آنئذ بهذا الزي المضحك.
أدى الاحتلال المشؤوم لفلسطين من طرف إسرائيل إلى تقهقر في الوضعية الاقتصادية كان له تأثير مباشر على الحياة اليومية للنساء. آلاف الأسر التي فقدت أرضها، بيتها، وسقط رجالها في المعرك، وجدت نفسها مضطرة لإبعاد النساء عن شؤون البيت من أجل إرسالها للعمل أو للدراسة.
هكذا بدأنا آنذاك نشاهد آلاف الشابات الفلسطينيات المثقفات يسافرن بدون خمار، يعشن وحيدات دون زواج ويحافظن مع ذلك على احترام أقاربهن في المجتمع: كن يستجبن إلى حاجيات أسرهن اعتمادا على مداخيل زهيدة. لقد وصفت حالتهن في روايتي “الميراث” L’Héritage (غير مترجمة، 1997). مع مرور الوقت، لم يعد من المقبول فقط بل من الملاحظ كذلك أنهن صرن يمولن الدراسات الجامعية لأخواتهن في مصر، في سوريا أو في لبنان، سامحات بهذا النحو لهن بالحصول على شهادات في الطب، في الصيدلة، في الهندسة، في القانون أو في تخصصات اخرى. هاته النساء الشابات، الجسورات والمتفتحات على العالم أطلقن حركة من أجل تحرر المرأة والمجتمع، حتى وإن كانت معرفتنا بالفكر النسائي تتوقف في ذلك الوقت عند المقالات المنشورة في الجرائد المصرية من قبل ثلة من الرائدات مثل أمينة سعيد، سهير قلماوي وذرية شفيق، تلكم كتابات لا تتجاوز مواضيع من قبيل التخطيط العائلي، الزواج المبكر أو تعدد الزوجات.
لكن، مباشرة بعد هزيمتنا أمام إسرائيل سنة 1967، تحالفت أنظمة عربية دكتاتورية، معادية للاشتراكية، مدعومة من طرف الولايات الأمريكية المتحدة، مع جماعات إسلامية أصولية، مولتها بسخاء. جميع من كان، مثلا، يرتدي “اللباس الإسلامي” الشهير، يتلقى مرتبا شهريا من 15 دينار أردني (19 أورو) بالنسبة للرجل ومن 10 بالنسبة للمرأة. الرجال، الذين نمت ظهرت لحاهم طويلة شعتاء، كانوا يرتدون “دشداشة” قصيرة و”جلابية” ونعالا من الجلد؛ أما النساء فكن يضعن على رؤوسهن خمارا خفيفا ويلبسن جلبابا يصل حتى إبهام الرجل. كلهم شوهدوا أيضا وهم يتلقون هدايا هي عبارة عن سبحة وردية (بكسر الواو)، طبعة أنيقة للقرآن وزربية جميلة لأداء الصلاة.
بدأت الجمعيات الإسلامية باستهداف الشباب الذين كانوا قد اشتهروا بصفتهم قادة وباعتبارهم يمارسون تأثيرا على الآخرين. كانت تريد أيضا الوصول إلى النساء في بيوتهن. ثم انتقل اهتمامها إلى المساجد، المدارس والجامعات. كل هذا لم يكن ليتم لولا المساعدة – خصوصا المالية – الممنوحة من طرف النظمة العربية التي تبرز ولاءها، بل خضوعها، للولايات المتحدة وهي تتبنى استراتيجيتها، على أمل أن تقضي النزعة الإسلاموية على الاشتراكيين والتقدميين بداخل مجتمعاتهم.
مع ذلك، لم يكتف الأصوليون بفرض ألبستهم، مرتباتهم الشهرية والأمكنة التي فيها يلتقون. فمن أجل غزو العقول ابتداء من المدرسة الابتدائية والإعدادية، تم إعطاء الأولوية لشغل المناصب لمعلمين إسلاميين، ذكورا أو إناثا، مع تكليغهم بمهمة غرس إيديولوجيتهم في نفوس وعقول التلاميذ. لإتمام هذه التربية، يتابع المراهقون تداريب يترسخ من خلالها في أذهانهم النظام العسكري وفنون الحرب، في معسكرات أقيمت في الصحاري العربية وكذا في أفغانستان وفي باكستان.
من سخرية الأقدار أن الولايات المتحدة وانصارها أدركوا مدى خطورة الأحابيل التي تركوها تتجه نحوهم، كان الشر أمرا واقعا، والمنظمات الأصولية تراهن على إقامة نظام سياسي معاد للغرب.
نجتاز حاليا أزمة فكرية، اجتماعية وسياسية رهيبة. نحن مهددون من كل الجهات دون أن نعرف من هذين التهديدين أيهما أكثر قساوة: من جهة، الغرب، الذي سبق لنا أن عانينا من دسائسه، من استغلاله واستعماره؛ من جهة أخرى، النزعة الإسلاموية، التي رجعت بنا تجديداتها المزعومة إلى عهود الاضطهاد والحريم. بعبارة أخرى، لنا أن نختار بين غرب مرادف للحرية، للعلمانية والعلم، وللاستعمار كذلك، وبين إسلام عديم الشفقة يدعو إلى مقاومة الغرب، لكنه يتعارض مع العلم، مع الحداثة وكذا مع تحرر المرأة والمجتمع.
هذه الفوضى العارمة لن تقف عند منطقتنا؛ إنها تمس الغرب ذاته. هكذا أصبح عنده الحجاب والتشادور أشياء تثير الخوف والإنذار، إلى درجة أن بعض الدول منعت الألبسة الإسلامية ووضع الحجاب في المدارس والأمكنة العمومية. نرزح من الآن تحت أحكام عنصرية.
من جهتي، أعلن للذين يشاطرون هذه الرؤية الضيقة عن كوننا أقرب إليهم مما يتخيلون. ألن أكرر على مسامعكم أن العالم أصبح قرية صغيرة؟ سوف نأتي عبر موجات بشرية لنتجرع مرارة الفشل على شواطئكم. ومهما فعلتم من أجل الحد من هجرتنا، سوف نجد دائما الوسائل للوصول إليكم، لاجتياز العراقيل التي تضعونها أمامنا ولتأكيد حضورنا إلى جانبكم. من جهة اخرى، نحن متواجدون هناك قبلا. لاتستطيعون نفي حضورنا، لأننا جزء لا يتجزأ من عالمكم.
المصدر الإلكتروني :www.monde-diplomatique.fr

اترك رد