fbpx

المفتشية العامة وتدبير ملف المفتشين

عبد الرحمان العطار / باحث تربوي –

ملف المفتشين بالوزارة له ارتباطات تدبيرية ضبابية مع المفتشية العامة منذ مدة، وأول الانطباعات التي تظهر، هي كون تدبير هذا الملف تغيب عنه الحكامة الجيدة. في هذا المقال نقف على بعض تفاصيل تدبير هذا الملف في ارتباطه مع المفتشية العامة.

من أهم ما جاء في المرسوم 2.11.112 الصادر بتاريخ 23 يونيو 2011 والمحدد لمهام المفتشيات العامة بالوزارات أنه تناط بها “مهام تفتيش ومراقبة وتدقيق وتقييم تدبير المصالح المركزية واللاممركزة للوزارة”، وهذا يعني أن لا يكون للمفتشيات العامة أي ارتباط بموضوع التدبير، لأنه لا يصح أن تقيم التدبير وأنت جزء منه.

ضبابية ارتباط “المفتشية العامة” بملف المفتشين:

نقف من خلال بعض الوقائع والأمثلة على ضبابية هذا الارتباط:

1- “المفتشية العامة” تتخلي عن تدبير الحركة الانتقالية للمفتشين مباشرة بعد صدور المرسوم السابق الذكر سنة 2011 لصالح مديرية الموارد البشرية.

2- إعفاء جميع المفتشين التخصصيين المركزيين من مهامهم، وتفكيك تنظيم التفتيش مركزيا، سنة 2013.

3- إشراك المفتشين في عمليات افتحاص الأكاديميات لتقويم البرنامج الاستعجالي سنة 2012 و2013. واعتزاز الوزير السابق بتقرير افتحاص البرنامج الاستعجالي المنجز داخليا.

4- متابعة عمل المفتشين من خلال تجميع مجمل الأنشطة المنجزة من المفتشين (أي عدد الأنشطة المنجزة وليس التقارير المنجزة أو مضمونها)

5- مطالبة المفتشين ببرنامج عملهم بعد إرسال نماذج خاصة لتعبئتها وموافاة “المفتشية العامة” بها.

هذه بعض الأمثلة من إجراءات الواقع التربوي التدبيري الذي يربط “المفتشية العامة” بملف المفتشين، نقف من خلالها لنقيم مدى ضبابية ارتباط “المفتشية العامة” بهذا الملف.

تحليل الإجراءات:

ü الإجراء الأول:

“المفتشية العامة” تفك الارتباط بتدبير الحركة الانتقالية، معطى يتماشى مع مضمون مرسوم المفتشيات العامة للوزارات، إلا أن المشكل يتمثل في كون إنجاز هذه الحركة يبقى مرهونا بعد ذلك ب”المفتشية العامة” وبإرسالها للمناصب الشاغرة الخاصة بالمفتشين إلى مديرية الموارد البشرية. لماذا هذا الارتهان إذن؟ ومن أي مصدر تستقي “المفتشية العامة” المناصب الشاغرة إن لم يكن لها علاقة بتدبير ملف المفتشين؟

ثم كيف يصح ألا تكون لمديرية الموارد البشرية أي معرفة بعدد المفتشين العاملين وعدد الخصاص والمناصب الشاغرة؟
ü الإجراء الثاني:

“المفتشية العامة” تفك الارتباط بالمفتشين المركزيين التخصصيين، يفهم في إطار فك الارتباط التدبيري، وتؤكده المراسلة الوزارية رقم228/14 في موضوع برامج العمل السنوية الخاصة بهيئة تنسيق التفتيش الجهوي بتاريخ 11 دجنبر 2014 التي تطالب هذه الهيئة بفك الارتباط التام مع مهام التدبير ومع مجالس الجهوية لتنسيق التفتيش.

إعفاء المفتشين المركزيين التخصصيين وتفكيك تنظيم التفتيش مركزيا، يعني إلغاء مهام المفتشين التخصصيين المركزيين (انظر الوثيقة الإطار لتنظيم التفتيش، والمذكرات 113 و114 و115 و116 و117 و118 في موضوع تنظيم التفتيش) التي كانوا يقومون بها دون إسنادها لأي جهة، ومن المهام الأساسية التي كانت لدى المفتشين المركزيين التخصصيين، هي تزويد الإدارة المركزية (المديريات) بالتقارير والمعلومة الراجعة من ميدان الممارسة والفعل التربوي، وذلك من خلال التقارير المنجزة من طرفهم حول مشاكل سير المنظومة التربوية تقارير تركيبية عن تقارير المجالس التعليمية، وحول تقييم وسير الامتحانات والمراقبة التربوية، وحول سير البرامج ومدى إنجازها وتطبيق التوجيهات التربوية الخاصة بكل مادة ودرجة تحقق الأهداف المسطرة لها.

تقارير كان تنظيم التفتيش الجهوي يوفرها لمنسقي التفتيش التخصصي المركزي، أما الآن فليس هناك تفتيش تخصصي مركزي.

الإجراء الثالث:

وهو إشراك المفتشين في عمليات افتحاص الأكاديميات لتقويم البرنامج الاستعجالي هو إجراء يوضح حاجة “المفتشية العامة” للمفتشين لإنجاز مهامها على مستوى قطاع من حجم كبير يتوفر على أكثر من 250 ألف موظف – أكثر من نصف موظفي القطاع العام للدولة- وبالتالي لا يمكن مماثلة وزارة قطاع التعليم بوزارات قطاعات أخرى. ويظهر هذا الإشراك أن العمل المنجز الذي تم بتدبير من “المفتشية العامة” له ارتباط بالمفتشين.
ü الإجراءات الأخرى:

الإجراءات الأخرى المرتبطة بالمراسلات الموجهة من “المفتشية العامة” للإدارات الجهوية سواء منها التي تطالب ببرامج العمل أو بمجمل الأنشطة، من خاصيتها أنها تتسم بالطابع التدبيري، وبالتالي يمكن الاستنتاج أن “المفتشية العامة” قد أحيل عليها تدبير ملف عمل المفتشين، استنتاج قد يكون صحيحا أو خاطئا.

إذا كان الاستنتاج صحيحا و”المفتشية العامة” تدبر ملف المفتشين، فيعني أن أطر المراقبة التربوية هم موظفون تابعون “للمفتشية العامة”، وهي مسؤولة عن موظفيها فهي تتابعهم وتبقى كل العمليات التي تربطها بموظفيها هي عمليات داخلية، وهذا يفسر تتبع مجمل الأنشطة التي تتابعها المفتشية العامة، ومطالبتهم ببرنامج العمل، ويفسر أيضا إمداد مديرية الموارد البشرية بالمناصب الشاغرة قصد إنجاز الحركة الانتقالية، (مع اعتبار أن مديرية الموارد البشرية تقوم بالتدبير المفوض في بعض الجزئيات المرتبطة بالمفتشين منها الحركة الانتقالية، الترقية، …)، وعليها أن تتحمل مسؤوليتها كاملة في الوضوح وبالنصوص.

أما إن كان الاستنتاج خاطئا، نقول إن “المفتشية العامة” لا تدبر ملف المفتشين، إذن نصنف كل العمليات التي تقوم بها في خانة عملها المحدد في المرسوم المحدد لمهام المفتشيات العامة بالوزارات، أي “مهام تفتيش ومراقبة وتدقيق وتقييم تدبير” عمل المفتشين، فهي تراقب وتدقق وتقيم عملهم.

استنتاجات:

نطرح سؤال على “المفتشية العامة” أي علاقة تربطها مع المفتشين؟ أهي علاقة تدبير أم تفتيش؟

إذا كانت علاقة تدبير فيجب الإعلان على انتماء المفتشين “للمفتشية العامة” وضبط مجال العلاقة والمهام والهيكلة.

أما إذا كانت علاقة تفتيش، فنطرح الأسئلة التالية:

كم يلزم للقيام بهذا العمل؟ إذا كانت السنة لم تكف والسنتين لم تكف؟ والثلاث لم تكف و…، فالسؤال مطروح بحدة حول المدة اللازمة لإنهاء هذه المراقبة وهذا التدقيق؟

وبعد هذا العمل لهذه السنوات في هذا الملف، هل من تقدير “للمفتشية العامة” عن وضعية المفتشين؟ وهل يمكن أن تحدد المسؤول عن تدبير عمل المفتشين على المستوى المركزي للوزارة؟ ومن هي الجهة التي تستثمر تقارير وأعمال المفتشين في المجالات التي تشتغل فيها؟ ومن هي الجهة التي يفترض أن تحاسبهم؟

أين يمكن إدراج الأعمال التي يقومون بها وهي غير واردة في مهامهم؟ ما هي الوسائل التي وضعت رهن إشارتهم للقيام بعملهم؟ ما هي جوانب التقصير لديهم؟ و…؟

كل هذه الأسئلة كان من المفروض أن يكون لها جواب في تقدير “المفتشية العامة” ما دامت قامت بتفتيش المفتشين كل هذه المدة، وكذلك الأمر إن كانت تقوم بتدبير ملفهم.

ومما يجب أن يتضمنه تقديرها، والذي يدخل في مهامها الواردة في مرسوم المفتشيات العامة “تقديم الاقتراحات لتحسين المردودية والفعالية” للمفتشين.

عبارات، “المفتشية العامة تحتاج للمفتشين”، “المفتشية لها ارتباط تدبيري مع المفتشين”، “المفتشية تفك الارتباط التدبيري مع المفتشين”، هي استنتاجات صحيحة، وتدل على أن الوضع تشوبه ضبابية، وعلى الوزارة أن تحسم.

إجراءات عملية:

إجراءات عملية ملموسة على الواقع قد تعكس انطباعات من تقدير “المفتشية العامة” للمفتشين، منها:

– الموافقة على تفكيك تنظيم التفتيش التخصصي المركزي، عدم تجديد المذكرات المرتبطة بتجديد المنسقين الجهويين.

– الموافقة على إيقاف تكوين المفتشين وإغلاق مركز مفتشي التعليم من 2012 إلى2015 (قبل أن يتم تدارك الموقف هذه السنة 2015-2016)،

– بعض مراسلات “المفتشية العامة” بلغت إلى مستوى غير إداري وأدبي (نموذج مراسلة تعمم على الإدارات الإقليمية بأكاديمية مراكش شكاية أستاذ بمفتش مقاطعته (…) ومطالبتها باتخاذ إجراءات، اتهام المفتشين بالتزوير في موضوع التدريس بالمؤسسات الخصوصية بفاس). إجراءات عملية تعطي الانطباع أن المفتشية العامة اتخذت موقفا سلبيا من المفتشين.

إجراءات جاءت منذ أن تخندقت “المفتشية العامة” مع ردود أفعال غير محسوبة للوزير السابق في إطار التشنج مع المفتشين.

المصلحة العامة، ومصير الوطن لا يجب أن يكونا موقع ارتهان أو ردود أفعال أشخاص في مواقع المسؤولية، فإن هذا ليس من الحكامة الجيدة.

خلاصة:

إن كان الوضع على هذا الوصف فتدبير ملف المفتشين أقل ما يمكن أن يقال عنه: أن تدبيره لا يُمكن المنظومة التربوية من الاستفادة من كل أطرها بالشكل الإيجابي، ونقول أيضا أن هذا الارتباط الضبابي التدبيري للمفتشية العامة مع عمل المفتشين لا يمكن إلا أن ندخله في خانة سوء التدبير، الذي لايزال مستمرا، في سياق تنزيل “التدابير ذات الأولوية” وهو يتمظهر في سياق إصدار وثائق مرتبطة بمجال التفتيش دون تشاور أو تنسيق أو حتى إطلاع ممثلي المفتشين على فحوى ومضمون هذه الإجراءات (مثال مذكرة الأستاذ المصاحب).

أين “التنسيق وتعزيز التشاور مع الفاعلين وممثليهم، ولاسيما في التنظيمات النقابية والجمعيات المهنية وإشراكهم بانتظام، في عملية المتابعة والتقييم والمراجعة والاستدراك.” الذي تحث عنه الرؤية الاستراتيجية ليتأتى الحد من آثار المقاومات المفترضة للإصلاح. …/…

اترك رد