fbpx

عبد العزيز مخيون : ” كل ما أشيع عن محمد عبد الوهاب بأنه بخيل غير صحيح .. الرجل كان كريما وذو برنامج صارم في حياته “

حاوره: خالد الخضري –

• س 1- الأستاذ عبد العزيز مخيون ، بعد قراءتك للحوار الذي أجريته معك في باريس لمدة 24 سنة خلت، ما تعقيبك عليه؟ وما الذي لم يتغير فيه بالنسبة إليك كأفكار ومبادئ لك ؟ ثم ما تغير منها طبعا؟
• ج – أعدت قراءة الحوار الذي أجريته معي بمعهد العالم العربي في باريس فوجدت كأنني أقرأ كلاما قد صرحت به اليوم أو الأمس، والحمد لله كما قالها لي ذات يوم أخونا الفاضل محمد حسن الجندي: ” أنت يا عبد العزيز لا تتغير” فالمبادئ هي هي، والإيمان هو هو.. وإيماني بالعروبة وفلسطين ثابت لا يتغير، بل لا يزداد إلا رسوخا عاما بعد عام.
• س 2- حين حاورتك لأول في باريس سنة 1992، تمنيت أن يتم استدعاؤك للمغرب وقد حصل.. فزرته عدة مرات، ما ارتسامك الحقيقي عنه؟
• ج – زرت المغرب مرات عديده في مراحل عمرى المختلفة وقد تركت المدن المغربية شمالا وجنوبا انطباعا قويا في نفسى، فأنا فنان وقيمة الجمال أبحث عنها في الفن كما في بقية مرافق ومظاهر الحياة، فأقول إن التنسيق الحضاري يشاهد ويلمس في كل مكان بالمغرب ويترك أثرا قويا في نفس الإنسان سواء كان مواطنا أم زائرا ..وعلى هذا أنا أعتبر المغرب من أجمل البلاد العربية ريفا وحضرا وتتمتع بشبكة طرق سيارة ممتعة..
لا شك أن المغرب يشهد نهضة عمرانية شامله وتقدما حضريا في المدن الكبيرة والصغيرة، هذا بالإضافة للتصنيع في الدار البيضاء وطنجة وأغادير وأخيرا ورززات، حيث مشروع الطاقة الشمسية الهائل هناك. كلما حللت بالمغرب أشعر براحة نفسيه واطمئنان وأن البلاد تخيم عليها حالة من الاستقرار والأمان في ظل جلالة الملك محمد السادس المحبوب من شعبه ومن أشقائه العرب جميعا، والذى استطاع بحكمته أن يخطو بالمغرب خطوات واسعة نحو التقدم والازدهار.
• س 3 – جسدت عدة مرات شخصية الفنان محمد عبد الوهاب: هل سبق لك أن التقيته؟ هل استشرته في طبيعة دورك وعلاقتها بشخصه الحقيقي؟ وهل حقا كان بخيلا كما كان يشاع عنه؟ ثم ما هو الانطباع العام الذي خلفه لديك؟
• ج – قمت بأداء شخصيه محمد ع الوهاب في أكثر من عمل أهمها مسلسل: (أم كلثوم) تأليف: محمود عبد الرحمان، إخراج: إنعام محمد على سنة 1999، بطولة الفنانة صابرين… لكن أول مرة أديت فيها دور شخصية الفنان محمد عبد الوهاب كانت في مسلسل تلفزيوني بعنوان: (أمير الشعراء) الذي أدى دوره الفنان محمود ياسين ..أخرجه إبراهيم الصحن سنة 1983 .. بينما كتبه رجل كان يشغل منصبا هاما في عهد جمال عبد الناصر ألا وهو الأستاذ كمال اسماعيل مدير إذاعة صوت العرب في العهد المذكور. وقتئذ كان الفنان محمد عبد الوهاب رحمه الله حيا طبعا، فسعيت للقائه بعد محاولات عدة حتى حصلت على موعد منه والتقيته في منزله بحي الزمالك. وكان بحق لقاءا مثمرا حيث استفدت من الملاحظات التي أبداها عبد الوهاب على السيناريو.
كان إنسانا ودودا مرحبا ومشجعا.. ومن يومها بدأت اهتم بشخصيته وأجمع المعلومات عنها سواء من الصحافة أو من معاصريه.. وكل ما أشيع عن عبد الوهاب بأنه بخيل، غير صحيح بالمرة.. هو كلام الصحافة التي تسعى دائما للإثارة وافتعال الموضوعات.. الرجل رحمه الله كان فنانا منضبطا، له نظام وبرنامج حياتي صارم. وعلى العكس كان كريما ومحسنا. وأنا أعلم أنه قبل دعوة أحد الوزراء العرب على العشاء وكان من الأثرياء.. وبعد انتهاء العشاء، فوجئ الوزير الثرى بأن عبد الوهاب قد دفع الحساب مقدما !! عبد الوهاب ينتمى لعصر وزمان غير زماننا وتربى على قيم ومبادئ لا يعرفها هذا الجيل.
*******
• “نجيب محفوظ كان يستمع أكثر مما يتكلم.. وكان قمة في المجاملة و الذوق”
• س 4 – هل سبق لك أن التقيت وجالست نجيب محفوظ؟ حدثنا عنه بإيجاز إذا ما تم ذلك؟
• ج – في العام 1968 كان لقائي الأول بنجيب محفوظ …كنا نعد رواية (ميرامار) لتتحول إلى مسلسل تليفزيوني وكان التلفزيون في ذلك الوقت فقط باللونين الأبيض والأسود…ورواية (ميرامار) من أعمال نجيب محفوظ النادرة التي تقع أحداثها خارج القاهرة وبالضبط بمدينة الإسكندرية حيث كنت أمثل شخصية منصور باهى المذيع الشيوعي المثالي الذى يعانى من عقدة تأنيب الضمير..
وكان المسلسل من إخراج الراحل إبراهيم عبد الجليل وسيناريو الراحل سيد موسى.. شاركني البطولة فيه فطاحل الممثلين أمثال: عبد الرحيم الزرقاني، صلاح منصور، زوزو ماضي، أبوبكر عزت، ، وحيد سيف، عزت العلايلي… وكان سنة1968. أبلغني العاملون في المسلسل أن هناك موعد هام في مقهى “ريش” مساء يوم الجمعة للقاء الأستاذ نجيب محفوظ.. فذهبت للمقهى واقتربت على استحياء، فلمحنى الزميل عزت العلايلي وناداني ثم مال على نجيب محفوظ معرفا فرحب بي الأستاذ نجيب قائلا: “تفضل تفضل”.. كان اللقاء بغرض أن يشرح لنا صاحب “ميرامار” خبايا الرواية ويتكلم عن شخصياتها. ..قبل أن ينتهى اللقاء بقليل، سألته على استحياء عن شخصية منصور باهي فأجاب ببساطة: “هو كده زيك” …ولم يزد.. بعدها عرفت قيمة هذه الإجابة المقتضبة.
تكرر حضوري ندوة نجيب محفوظ .. فلاحظت أنه يستمع أكثر مما يتكلم.. وأنه رجل هادئ الطبع.. مجامل وقمة الذوق في تعامله مع مريديه من الأدباء الشبان والفنانين.. وأنه قوى الملاحظة.. شديد الانضباط في مواعيده وجلسته.. وأحيانا عندما كان يصدر منى رأي فيه شيء من الغلو، كان يصحح لي ما أبديته برفق. أذكر هذا عندما ذكرت رأيا حادا عن موسيقى محمد عبد الوهاب.. كنت حريصا على لقاء نجيب محفوظ في هذا المقهى بالقاهرة وفي الصيف بمقهى “بترو” بالإسكندرية.. وقد مثلت له زيادة على (ميرامار) 1968، فيلم (الجوع) المأخوذ عن (سارق النعمة) ضمن ملحمة (الحرافيش) من إخراج علي بدرخان سنة 1984.. وقاسمني البطولة فيه كل من: الفنانة الراحلة سعاد حسنى، يسرا ومحمود عبد العزيز… ثم مسلسل: (قشتمر) سنة 1994 من إخراج علية ياسين.. شاركني فيه البطولة: محمود الجندى، مدحت صالح، جمال إسماعيل، سمية الألفي، وائل نور، محمد الشويحي، وسوسن بدر … وهكذا بقيت واستمررت دائما معجبا بعادات نجيب محفوظ وسلوكه وحكمته قدر إعجابي بأدبه الروائي.
• س 5 – منذ زمن بعيد ونحن ننادي ونناشد الجهات العليا من المسؤولين على الشأنين الثقافي والفني بكلا البلدين المغرب ومصر، على تكثيف سبل التعاون وفتاح آفاق أوسع لتنمية هذا التعاون.. ما رأيك في هذه الإشكالية: هل تبدو لك أن إمكانية هذا التعاون قائمة بشكل عملي؟ أم ترى المسألة مجرد حلم فنانين ومثقفين من كلا البلدين ليس إلا؟
• ج – آفاق التعاون الثقافي والفني المشترك بين المغرب ومصر مليئة بالإمكانيات والفرص والموضوعات سواء من التاريخ القديم أو من العصر الحديث.. وعلى سبيل المثال توجد في مصر عشرات المقامات والأضرحة لعلماء وفقهاء وصوفيين قدموا من المغرب إلى مصر وتعلموا وعلموا وانتهت حياتهم بها.. كان الاتصال بين المغرب والمشرق أقوى مما في عصرنا هذا ..وهذا ما ينبغي أن نتناوله في الأعمال الدرامية المشتركة.
ولو خطونا خطوات جادة في هذا التعاون، ممكن أن ننجح في عمل سوق توزيع في العالم العربي وفى المهجر يساعد في تمويل هذا النوع من الأعمال التراثية القيمة.. فقد آن للمغرب أن يتواجد في المشرق بالتلاقح الثقافي والحضاري.. فلا مصر ولا المغرب تنقصهما الإمكانيات من مبدعين وتقنيين وفضاءات وبيئات التصوير متوفرة في القطرين.. ولو نشأت شركات الإنتاج المشترك بين البلدين، بالضرورة سوف تستوعب مبدعين من سوريا وتونس والجزائر ومن سائر الأقطار العربية ..
*********
• “كنت معجبا بشخص الملك محمد الخامس وبعروبته وهندامه وأناقته”
• س 6 – أراك تلبس كثيرا الطربوش المغربي ذا الشكل المثلث والذي نسميه نحن المغاربة ب “الطربوش الوطني” حيث كان يلبسه دائما الملك الراحل محمد الخامس طيب الله ثراه.. فما سر ولعك بهذا النوع من الطرابيش بالذات؟
• ج – بدأ الوعى القومي العربي يتفتح عند أبناء جيلنا على كفاح المغرب العربي من أجل الاستقلال فها هي الجزائر تخوض حرب التحرير.. وتونس تكافح والمغرب يقاوم الاستعمار الفرنسي والإسباني… ولما زار الملك محمد الخامس مصر وشاهدناه بصحبة جمال عبد الناصر يحولان مجرى النيل لبدء العمل في مشروع السد العالي.. ثم شاهدناهما في الدار البيضاء وعبد الناصر يتناول الحليب بالتمر احتفالا وترحيبا وغيرها من اللقاءات التي جمعت الزعيمين.. فكل هذا طبع بذاكرتي وأحببت شخص الملك محمد الخامس بهدوئه، بهندامه وطربوشه المتميز ذاك ووسامته الفريدة من نوعها.. كما إنني كنت معجبا بشخص جمال عبد الناصر ولا زلت.. فهذه الصور التي نقلها للعرب وللعالم كله المصور محمد مرادجي – والذي حصل لي شرف التعرف عليه في ديسمبر الماضي بزاكورة، وهو يعجب بما قدمته من فن على مدار السنين كما إني معجب به وأقدر تاريخه الطويل. وكما ذكرت لك فلقطاته وصوره ساهمت في تكوين وعينا القومي العربي…وعرفتنا نحن ابناء هذا الجيل بالمغرب الشقيق.. والرجل اعطاه الله الصحة كان يزور مصر كثيرا وقد صور معالمها في الستينات والسبعينات ووثق العديد من أحداثها الهامة وصور كبار شخصياتها مثل أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وكان صديقا لعبدالحليم حافظ. إنه مسيرة وتاريخ وعاشق مخلص للكاميرا وقد نشأت بيننا صداقة جميلة أعتز بها– كل هذه الصور تركت انطباعا جميلا في نفسي تجاه الملك الراحل محمد الخامس وتلقائيا وجدتني أرتدي الطربوش الذي كان يعتمره…
زيارة * س 7 – زرت مدينة الجديدة وتذوقت سمكها كما زرت بعض مآثرها التاريخية وصادفت عددا من سكانها… ما هو الانطباع الذي خلفته لك هذه الزيارة ؟
*********
• ارتبطت بالجديدة عاطفيا
• ج- استأنست حقا بزيارتي لمدينة الجديدة أو “البريجة الكبيدة ” كما تسميها أنت (قال هذا وضحك) واستمتعت بها وبأهلها وجوها الأليف ووفرة سمكها… ورغم أنها ليست من المدن الكبرى في المغرب إلا أنها تتميز بطابعها الخاص وشوارعها المنسقة الجميلة .. وخلوها من البنايات العالية أو ما يسمى ناطحات السحاب المزعجة. كما تتو فر على شاطئ جميل على امتداد الساحل الأطلسي .. والطريق الموازي (يعني به السيار) المؤدي لها من جهة الرباط والدار البيضاء، فهو طريق جميل، هادئ ورحب. كما لفتت نظري المحلات التجارية الكبيرة التي لا توجد إلا في العواصم والمدن الكبرى لكنها موجوده في الجديدة.
ارتبطت بالجديدة عاطفيا وأحببتها ولابد أن أعود اليها إن شاء الله.

اترك رد