fbpx

في دمقرطة الفضاء الحضري

بقلم محسن زردان –

العالم يتمدن رويدا رويدا، حتى أنه في بعض المجتمعات يأخذ وثيرة سريعة، حيث ازدادت المدن كثافة سكانية، وانضافت أخرى إلى مصاف المدن المليونية، فعظمت مشاكلها وتحدياتها مع التلوث والازدحام المروري والجريمة والتباعد الطبقي.
مدننا بدورها مرشحة لاستقبال كثافة ديمغرافية متصاعدة، فستتناسل المباني وستمتد العمارات، وستغزو معها وسائل النقل الشوارع والممرات، خصوصا وأنها شيدت في غياب رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
يمكن القول، ان نسبة كبيرة من المدن المغربية، وُضِعَت لبنات تصاميمها في فترة الاستعمار الفرنسي، وحتى وإن أقيمت في زمن بعد الاستقلال، فإنها لم تراعي الرؤية المستقبلية التي تحتم اتساع المدن مع زيادة الساكنة، حيث ظلت أزقتها ضيقة، وشوارعها لا تتجاوز في أغلب الأحيان ممرين أو ثلاثة.
إن المتأمل بنظرة فاحصة للفضاء الحضري لأغلب المدن المغربية، يسترعي انتباهه، أن تهيئة الطرق والفضاءات تركز اهتمامها أساسا على العربات وخصوصا منها السيارات، فأغلب جوانب ممرات الطرق ممتلئة بالسيارات سواء المركونة على جنبات الطرق أو المارة في وسطها مع باقي وسائل النقل الأخرى، وكأن الفضاء الحضري وُجِدَ فقط للعربات، في تهميش صريح لحقوق الراجلين، وأصحاب الدراجات الهوائية والنارية.
يظهر للعيان، أن الأرصفة المخصصة عادة للراجلين، نجدها محتلة من طرف المقاهي والمحلات التجارية، مما يضطر معه الراجلون إلى النزول و المشي على قارعة الطرق المخصصة للعربات، وهو شيء يشكل خطورة بالغة على حياتهم وسلامتهم.
في الوقت الحاضر، هناك العديد من المدن العالمية الكبيرة، تعيش مشاكل في الازدحام المروري، وهو شيء من المتوقع أن يصل إلى مدننا المغربية، حيث بدأت معالم ملامسته من خلال الاكتظاظ الذي تعرفه وسط المدن وكذا بعض المحاور الطرقية خلال أوقات الذروة، خصوصا وأن أسطول السيارات يتزايد سنة بعد أخرى، نتيجة للانخفاض في أثمنتها، فضلا عن تسهيلات القروض التي تيسر أمر اقتنائها.
في السعي إلى دمقرطة المجال الحضري، بشكل يتيح للراجلين والدراجات الهوائية والنارية بدورها التنقل بكل يسير وراحة وانسيابية تامة، قامت كبريات المدن العالمية، بتخصيص ممرات خاصة للدراجات الهوائية والنارية قصد تشجيع المواطنين على ترك سياراتهم أثناء التوجه للعمل، لتفادي الازدحام المروري الخانق، وبالفعل حققت هذه السياسية نتائج جد مشجعة.
في السياق ذاته، بدأت بعض المدن المغربية الانخراط في هذه السياسة، ونذكر منها على سبيل المثال مدينة مراكش، التي قامت بتهيئة ممرات خاصة للدراجات في كبريات الشوارع، بالنظر إلى طبيعة ساكنتها التي تعتمد على هذه الوسيلة كثيرا في تنقلاتها.
لكن باقي أغلب المدن المغربية، مازالت بعيدة كل البعد عن هذه المقاربة، على الرغم من خضوعها لإعادة التهيئة الحضرية، مما ساهم في تحسين بنيتها التحتية من الطرق، إلا أن ذلك لا يكفي، حيث يظهر أن الفوضى المرورية مستمرة في الفضاءات العمومية، تبقى من أبرز مظاهرها في مدينة الجديدة، غزو الشاحنات الكبيرة مخترقة بذلك مختلف الشوارع والأحياء السكنية في اتجاه الحي الصناعي بالجرف الأصفر.
من جهة أخرى، أصبح الحديث اليوم في تدبير المدن والحواضر العالمية الحديثة، عن سياسة دعم الفئات المهمشة المتواجدة بالأحياء الفقيرة للاستفادة من الولوج لخدمة الأنترنت، من خلال تزويدها بخدمة الويفي مجانا، وكذا مختلف الحدائق العمومية، وهي سياسة نتمنى أن يتم تبنيها في مدننا، على الرغم من الفروق الواضحة بيننا، وبين ما أصبح يصطلح عليه بالمدن الذكية، التي تسعى إلى بلورة حكامة تشاركية لترسيخ الذكاء في الجانب الاقتصادي والبيئي وحركية النقل والادارة والخدمات، ونمط العيش…

اترك رد