fbpx

الحموشي يحصن المغرب وأوربا ضد الإرهاب العابر للدول والقارات

تحقيق أحمد مصباح –

إذا كان رعايا التاج البريطاني في المملكة المتحدة يبدون تشبثهم بملكتهم وملكيتهم التقليدية، ويدعون لها في النشيد الوطني ب”God Save the Queen” (فليحفظ الله الملكة)، فإن المغاربة يفتخرون، من بعد العرش ونظام الحكم الدستوري، بحماة الوطن وثوابته ومقدساته، وفي طليعتهم عبد اللطيف الحموشي، مدير جهازي الاستخبارات والأمن الوطني، ورجله الأول عبد الحق الخيام، رئيس المكتب المركزي للأبحاث القضائية (بسيج)، اللذين حصنا الوطن ضد الإرهاب والتطرف. وهذا ما يستشف من شهادات المغاربة والارتسامات التي يدلون بها، ومن التفاعلات التي يدونونها على مواقع التواصل الاجتماعي، ومما تتناقله وسائل الإعلامن والمجتمع المدني بمختلف حساسياته، كلما عمدت الاستخبارات المغربية (DST) بشكل استباقي إلى تفكيك خلية إرهابية في الداخل، أو ساعدت جيرانها في الضفة الأخرى للبحر الأبيض المتوسط،، بخدمات ومعلومات استخباراتية ثمينة تفضي إلى تحديد هويات الإرهابيين، والاهتداء إلى مخابئهم الآمنة، وشل تحركاتهم وحركاتهم، ومن ثمة، إحباط مشاريعهم التخريبية في المهد.

“داعش”.. الغزو:
جراء بسط تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش)، سيطرته على أطراف ترابية شاسعة من العراق وسوريا، لم تعد دول الجوار في منطقة الخليج، وحتى دول المغرب العربي (ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب، وموريتانيا)، سيما في أعقاب سقوط الدولة في العراق، وتقهقر جيشها النظامي، في منأى عن التهديدات الإرهابية المحدقة، خاصة في ظل إعلان “الخلافة”، ودعوة أبي بكر البغدادي الذي نصب نفسه خليفة في الأرض، المسلمين إلى طاعته. وقد شدد البغدادي على أسس دولة الإسلام التي تكمن في إقامة الشريعة. إذ أن “إقامة الدين وتحكيم الشرع لا يكونان إلا ببأس وسلطان”. واعتبر البغدادي تنصيبه إماما كان بمثابة “واجب على المسلمين قد ضيع لقرون”. ودعا أنصار البغدادي إلى “الحرص على الجهاد وتحريض إخوانهم عليه”.
وأظهرت أشرطة “فيديو” تناقلتها الشبكة العنكبوتية، الطريقة البشعة التي يتعامل بها “التنظيم” مع الأسرى. إذ يعمد إلى ذبحهم، وإطلاق أعيرة نارية على رؤوسهم من الخلف، وقطعها، والتنكيل بجثثهم، والإبقاء عليها متعفنة في الخلاء، أو التخلص منها، تحت عبارات التكبير، في حفرة يجهل عمقها. وغالبا ما يوكل تنظيم “داعش” إلى قاصرين، هذه المهمات اللاإنسانية في بربريتها وبشاعتها.
وأعدم التنظيم الإرهابي، الاثنين 29 فبراير 2016، في معقله الرئيسي بسوريا “الرقة”، 8 مقاتلين من جنسية هولندية، منهم ذوو أصول مغربية، فيما اعتقل 65 مقاتلا آخر، جراء انشقاقهم وتمرد هم جماعيا على قياديين في بغداد.
وعلى خلاف تنظيم “القاعدة” الذي يعمد في دعايته، إلى نشر رسائل “مشفرة”، فإن المذابح التي يرتكبها “داعش” باسم “الإسلام والجهاد”، تواكبها دعاية (propagande)، يطلقها على الشبكة العنكبوتية، تزيد من حجم الرعب و”الصدمة” اللذين يحدثهما، في إطار الحرب النفسية. دعاية “استراتيجية”، استطاع التنظيم الإرهابي أن يسقط في فخها الإعلام العالمي الرسمي وغير الرسمي، من خلال ابتلاعه وتناقله لما ينشره الإعلام “الداعشي” من أخبار وصور و”فيديوات” لمشاهد القتل والذبح والإعدامات الجماعية البشعة.
هذا، وكان (توماس ساندرون)، الخبير الأمني في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، حذر من كون نفوذ “داعش” يهدد دول شمال أفريقيا، في إشارة إلى تشكيل تنظيم جديد، على غرار تنظيم “دولة الإسلام في الشام والعراق”. وقال الخبير أن “الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام” تحاول تجنيد مقاتلين في أكثر من 80 بلدا، في جميع أنحاء العالم.

تجارب مع الإرهاب :

شكل المغرب، منذ تسعينيات القرن الماضي، هدفا على أراضيه للإرهاب. حيث استهدف فرنسيان من أصل جزائري، في ال24 غشت 1994، فندق “أطلس– أسني” بمراكش. ما أسفر عن ارتكاب مذبحة راح ضحيتها أبرياء مغاربة وأجانب. وقادت التحقيقات التي أجرتها السلطات المغربية بتعاون مع فرنسا، إلى التعرف على جزائريين كانوا وراء تدبير هذا الحادث التخريبي، اعتقلت ثلاثة منهم (هامل م.) و(استيفن آ.) و(رضوان ح.)، حاصلين على الجنسية الفرنسية.
وكشف العميل (كريم م.)، المتورط بدوره في هذه العملية الإرهابية، لوكالة “قدس بريس” اللندنية، معلومات كان لها وقع القنبلة، تفيد كون المخابرات العسكرية الجزائرية (مديرية المصالح الأمنية / DSS)، هي التي خططت للهجوم التخريبي، الذي استهدف فندق “أطلس– أسني”.
وحسب المكتب المركزي للأبحاث القضائية (بسيج)، فقد جرى، خلال الفترة الممتدة من سنة 2002، وإلى غاية فبراير 2016، تفكيك 153 خلية إرهابية، بمعدل 11 خلية في السنة، 32 خلية منها ذات ارتباط وطيد بمجموعات إرهابية في سوريا والعراق، سيما تنظيم “داعش”. وبلغ عدد الأشخاص الموقوفين المرتبطين بالخلايا التخريبية، 2870 شخصا، 275 منهم ذوو سوابق قضائية . فيما تم إحباط 324 مشروعا إرهابيا.
وبلغ عدد المقاتلين المغاربة 1560 مقاتلا، معظمهم التحق بتنظيم “داعش”، 227 منهم ذوو سوابق قضائية في ملفات الإرهاب. وقد لقي 482 مقاتلا مغربيا مصرعهم في سوريا. والتحقت 241 امرأة مغربية للقتال في سوريا، 52 منهن عدن إلى المغرب، بعد اكتشافهن حقيقة الأمر.
وتكشف طبيعة الأماكن والمواقع الحساسة التي هزتها العمليات التخريبية في الداخل (المغرب)، أن الإرهابيين يستهدفون شرايين السياحة والاقتصاد.

“أخطبوط الظلام”:

ثمة جرائم لا تقل خطورة عن الإرهاب، وهي لصيقة به، وقد تكون وجهه الخفي، وتتمثل في الهجرة السرية، والاتجار الدولي للمخدرات، والجرائم الاقتصادية والمالية. جرائم تزداد خطورتها في المغرب، بالنظر إلى موقعه الجيو–استراتيجي المتاخم للشريط الجنوبي لأوروبا، والممتد على طول الشمال–الغربي لأفريقيا، والمتصل في عمقه بمنطقة الساحل والصحراء الكبرى. ما يجعله عرضة لمخاطر مرتبطة بالجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية، وتقاطعاتها العضوية مع الظاهرة الإرهابية. ناهيك عن كون المحيط الإقليمي الراهن، الموسوم بالمتغيرات السياسية والأمنية في دول الجوار بشمال أفريقيا، وبعض دول الشرق الأوسط، مفتوحا على التحديات الأمنية في منطقة الساحل والصحراء، المتصلة بشكل مباشر بالأمن الاستراتيجي للمملكة المغربية.
وبالمناسبة، فقد استفاد تنظيم “داعش” الذي يضم في صفوفه 38 ألف مقاتل إرهابي، من خبرات “النخب” العسكرية والعلمية والمدنية التي التحقت بصفوفه، من العراق وسوريا، وكذا، ممن التحقوا به من 76 دولة أجنبية. ويسعى التنظيم إلى توسيع مناطق نفوذه وتمدده الترابي والجغرافي “الأخطبوطي”، بتصدير تجربته إلى المغرب، بعد أن وجد لنفسه موطئ قدم في مستنقع ليبيا، جراء انهيار الدولة فيها، مستغلا غياب التنسيق الأمنيي والاستخباراتي في ما بين دول شمال أفريقيا، وسعي الجارة الجزائر إلى تصريف وتصدير الأزماتها والصراعات الداخلية، السياسية والمجتمعية والقبلية، التي تتخبط في مستنقعها، إلى عمق الدولة المغربية، بافتعال القلاقل في أقاليمه الجنوبية، وتجنيد مرتزقة البوليساريو في
خلايا “ظلامية”، تستهدف أمن واستقرار المغرب، الذي ظل القلعة الشامخة الوحيدة المحصنة ضد الإرهاب، في العالم العريي، وشمال أفريقيا.

أخطر خلية إرهابية:

تتعامل بحزم ويقظة السلطات الاستخباراتية والأمنية في المغرب، مع ظاهرة “الإرهاب العابر للدول والقارات”، والذي كان ضرب فوق ترابها، الولايات المتحدة الأمريكية، أكبر قوة عسكرية وصناعية واقتصادية في العالم، والتي كان الاعتقاد سائدا بأنها تحظى بأقوى استخبارات في الكون.. قبل أن تسقط الأسطورة.
هذا، وبتنسيق مع مصالح “الديستي” بالجديدة، التي أبدت نجاعة في تحركاتها الاستباقياقية والاحترازية، عمد المكتب المركزي للأبحاث القضائية، الخميس 18 فبراير 2016، في عملية “نوعية”، إلى تفكيك خلية إرهابية، تتكون من 10 إرهابيين، كانوا ينشطون في مدن الصويرة ومكناس وسيدي قاسم والجديدة. واعتقل ال”بسيج” من داخل “البيت الآمن”، زعيم الخلية وعقلها المدبر. وحجز 4 رشاشات أوتوماتيكية مزودة بشواحن ذخيرة، و3 شواحن فارغة، و3 مسدسات بالرحى، ومسدسا أوتوماتيكيا، وبندقية مزودة بمنظار، وكمية كبيرة من الذخيرة الحية، و13 قنبلة مسيلة للدموع، و4 عصي حديدية قابلة للطي، و”صاعق كهربائي”، و3 قارورات زجاجية تحتوي على مواد سائلة، و6 قارورات بلاستيكية تحتوي على مواد كيماوية، ومسامير، ورايتَيْن ترمزان إلى “تنظيم الدولة الإسلامية”، ناهيك عن أسلحة بيضاء، وأصفاد بلاستيكية وبذل عسكرية.

استراتيجية عسكرية:

وصف عبد الحق الخيام، مدير “بسيج”، الخلية التي تم، في الوقت الحاسم (الخميس 18 فبراير 2016)، تفكيكها واعتقال زعيمها وعقلها المدبر، من داخل “البيت الآمن” في قلب مدينة الجديدة، حسب بلاغ وزارة الداخلية (البيت الآمن)، (وصفها) بال”كومندو” و”الكتيبة المسلحة”.
وقد كان للتدخل الاستباقي الذي قامت به مصالح الاستخبارات بالجديدة، وال”بسيج”، دور ناجع في إحباط مخطط ال”كومندو” التخريي المتكامل، والذي كان في مراحله ولمساته الأخيرة، قبل دخوله حيز النتفيذ، في اليوم الموالي (الجمعة 19 فبراير 2016). حيث كان يستهدف، بإيعاز من قادة تنظيم “الدولة الإسلامية” في سوريا وتركيا.. بتعبير”الوثيقة الكاشفة عن التحرك الأمني”، ضرب مواقع اقتصادية ومنشآت صناعية وسياحية، وأماكن عمومية للتبضع والتسوق، ومؤسسات سيادية وسياسية ذات رمزية.
هذا، وقام التنظيم الإرهابي، بتواطؤ خارجي، بإدخال الأسلحة التي ضبطت بحوزة “الكتيبة المسلحة”، من جنوب المغرب، او عبر حدوده الشرقية، إلى أن حطت الرحال في مرحلتها الأخيرة، في “البيت الآمن”، في قلب عاصمة دكالة.
وكشفت معلومات استخباراتية دقيقة ضلوع مرتزقة البوليساريو في هذا المخطط الإرهابي، والذين هم في خدمة المخابرات الجزائرية (مديرية المصالح الأمنية / DSS)، التي حلت محل (دائرة الاستعلام والأمن / DRS). هذه الأخيرة جرى حلها بمقتضى مرسوم رئاسي، بعد أن ظل على رأسها، منذ 1990 وإلى غاية 2015، محمد لمين مدين، المعروف ب”الجنرال توفيق”، والذي كانوا يسمونه “ملك الجزائر”.
وأصبح جهاز (DSS) الجديد يقوده اللواء المتقاعد عثمان طرطاق، المتخصص في العمليات “القذرة”. ويخضع هذا الجهاز لسيطرة الرئاسة (الرئيس عزيز بوتفليقة)، في خطوة أخرى لإخراج الجيش من الحياة السياسة.
ولأول مرة، جندت “الكتيبة المسلحة” التي وصفت ب”الأخطر” على الإطلاق في تاريخ الإرهاب بالمغرب، مواطنا فرنسيا (طوماس)، وقاصرا (16 سنة)، بعد استقطاب الأخير عن طريق “الأنترنيت”، وغسل دماغه، ووعده ب”الجنة”. حيث أوكلت له، على غرار ما يفعل تنظيم “بوكو حرام”، مهمة تنفيذ عملية انتحارية بواسطة عربة “مفخخة”.
ولا يستبعد أن يعمد مستقبلا تنظيم “داعش” إلى تجنيد نساء، سيما أن ثمة مغربيات “داعشيات” هن “أميرات”، علاوة على قاصرين، في عملياته الإرهابية في الداخل. ناهيك عن أن هناك عشرات المقاتلين المغاربة في ساحة الحرب السورية، يشكلون، في حال عودتهم، قنابل موقوتة وخطرا محدقا على أمن واستقرار المغرب.
وتعتبر العمليتان الانتحاريتان بواسطة سيارة “مفخخة” و”حزام ناسف”، اللتان كان ال”كومندو” سينفذهما في المغرب، بحلول اليوم (J)، الجمعة 19 فبراير 2016، مستنسختين على سيناريو العمليات “الجهادية” في العراق وسوريا. الشأن ذاته بالنسبة للبندقية المزودة بمنظار، لتنفيذ اغتيالات عن بعد، على غرار ما يقوم به قناصة التنظيم (snippers) في سوريا. علاوة على أسلحة الدمار الكيماوية والبيولوجية التي ضبطت بحوزة “الكتيبة” داخل “البيت الآمن” بمدينة الجديدة، والتي كان الإرهابيون سيستعملونها في هجماتهم التخريبية، والتي أثبتت التحاليل المختبرية، وفق بلاغ وزارة الداخلية، أنها تحتوي على مواد بيولوجية سامة فتاكة، مصنفة من طرف الهيآت العالمية المختصة بالصحة، في خانة الأسلحة البيولوجية الخطيرة، لقدرة كمية قليلة منها على شل وتدمير الجهاز العصبي للإنسان، والتسبب في وفاته، وكذا، تعريض المجال الإيكولوجي للخطر، في حال تسريبها عبر الهواء والمياه.
وهذا ما أصبح يشكل تحولا نوعيا واستراتيجيا خطيرا، عند تنظيم “داعش”، بعد أن كانت خلاياه تنشط في استقطاب وإرسال المقاتلين من المغرب، إلى سوريا والعراق.

ثغرات استعلاماتية وأمنية:

لقد استفادت الخلية الإرهابية التي تم تفكيكها، الخميس 18 فبراير 2016، من الثغرات الأمنية والاستعلاماتية بأمن الجديدة. خلية وصفها بدقة عبد الحق الخيام، مدير ال”بسيج”، بال”كومندو” و”الكتيبة المسلحة”. مصطلحان “عسكريان”، لم يأت بهما المسؤول الاستخباراتي عبثا أو من فراغ. حيث يجدان ما يبررهما، من خلال نوعية الأسلحة والبذل العسكرية، التي جرى ضبطها في قلب مدينة الجديدة، داخل “البيت الآمن”، حسب وصف يلاغ وزارة الداخلية (البيت الآمن)، والذي اتخذ منه ال”كومندو” قاعدة “آمنة ومؤمنة” لانطلاقة وتدبير عملياته التخريبية (QG)، انتقى بعناية موقعها وتموقعها “الاستراتيجيين”، في عمارة سكنية، وسط حي شعبي، وبمحاذاة مؤسسة تعليمية. وهو “البيت الآمن” الذي حولته “الكتيبة المسلحة” كذلك إلى مستودع لتخزين الأسلحة والذخيرة الحية، ومختبر تفاعلي لتصنيع المتفجرات، باستعمال مواد بيولوجية سامة فتاكة، مصنفة من طرف الهيآت العالمية المختصة بالصحة، في خانة الأسلحة البيولوجية الخطيرة.
“كومندو” أو “كتيبة مسلحة”.. مصطلحات عسكرية وحربية، وكأنها جيش نظامي منظم، ينطلق من كيان أو دولة قد تكون “مارقة”، ليضرب في عمق بلد آخر، ذي سيادة ترابية.. بحكم تنظيم “الكتيبة المسلحة” المحكم، وتشكيلتها وزيها العسكري النظامي، وعدتها وعتادها، وطبيعة التمارين شبه العسكرية (paramilitaires)، التي تلقتها، وكذا، “البيت الآمن” بمثابة (QG)، واستراتيجيتها وأهدافها المحددة (cibles et objectifs). كل ذلك يجعل منها وكأنها تخوض حربا نظامية ضد جيش نظامي، وليس “حرب عصابات” (guérilla)، يكون فيها العدو (المهاجم) “شبحا”، يظهر ويتبخر في الطبيعة.
هذا، وقد قابل الثغرات الأمنية والاستعلاماتية “القاتلة” في الجديدة، يقظة وحنكة ونجاعة تحركات المصالح الاستخبارات المحلية بالجديدة، التي حالت دون وقوع “الكارثة” بجميع المقاييس، لو أن الإرهابيين تمكنوا من تنفيذ مشروعهم التخريبي، وضرب أهدافهم، ضمنها الجرف الأصفر الذي يعتبر “قنبلة موقوتة”، قد تأتي، في حال انفجارها، على الأخضر واليابس، طولا وعرضا، برا وبحرا، على امتداد عشرات الكيلومترات.

كابوس “الانتصار:

كانت المشاريع التخريبية التي خطط لتنفيذها ال”لكومندو”، في اليوم الموالي لتفكيكها (الجمعة 19 فبراير 2016)، ستحدث حتما، في حال لو تمت، “زلزالا مدمرا” في الداخل وفي العالم بأسره، ليس فقط من حيث الكم الهائل في الأرواح والخسائر المادية، بل كذلك، وبالدرجة الأولى، من حيث الصدمة (l’impact)، جراء ضرب المغرب، آخر قلعة صامدة في وجه الإرهاب؛ ومن حيث الحرب الدعائية والنفسية التي سيجني “مجانا” تنظيم “داعش” ثمارها من ردود الفعل العالمية، والتغطيات الإعلامية “الكونية”، التي ستعقب تنفيذ العمليات الإرهابية، وكذا، “الانتصار والنصر المعنويان” الكبيران، اللذان سيظفر بهما، بإلحاق “الهزيمة التاريخية” بألذ أعدائه، الاستخبارات المغربية، التي أذاقته وخلاياه في الداخل واوربا، وبشكل استباقي، مرارة الهزائم النكراء المتتالية، وأصبحت من ثمة مرجعا ونموذجا عالميين في الحرب على الإرهاب، وجعلت من الرباط عاصمة للعالم، وقبلة لأقوى الاستخبارات الدولية، والمسؤولين الحكوميينن رفيعي المستوى. “انتصار”، مستحيل المنال، ولد لدى التنظيم وقادته عقدة نفسية وكابوسا، لن يقارن، في حال تحقيقه، حتى ب”الانتصار والنصر الزائفين” اللذين ظن تنظيم القاعدة أنه ظفر بهما، في أعقاب هجمات ال11 شتنبر، التي استهدفت الولايات المتحدة الأمريكية.

تفوق ال”ديستي”:

لقد اكتسب المغرب ما يكفي من الخبرات في مجال محاربة التنظيمات الإرهابية، يعمل دون توقف على تطويرها، مستفيدا من كفاءاته الذاتية، ومن التجارب المريرة التي عاشها مبكرا مع الإرهاب. وهذا ما جعله يحظى بجهازين استخباراتي وأمني قويين، فاقا وتفوقا حتى على أقوى الأحهزة الاستخباراتية والأمنية الغربية، وفي دول الجوار، شمال أفريقيا.
ومن تجليات التفوق الاستخباراتي والأمني المغربي، على سبيل المثال، أن كانت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية أوقفت، بتعاون وثيق مع المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، الأربعاء 15 أكتوبر 2014، بمطار محمد الخامس الدولي بالدارالبيضاء مواطنا مغربيا مقيما بفرنسا ( ن. ر.)، بمعية صغيرتيه ليلى وأسيا اللتين أنجبهما من المواطنة الفرنسية (فاليري ر.)، وكذا، متطوعة مغربية كان ينوي عقد قرانه بها عن طريق عقد عرفي. وكان يعتزم السفر إلى تركيا، بغاية الالتحاق بصفوف التنظيم الإرهابي “داعش”، بعد أن قرر مغادرة بلد إقامته، باعتباره أرض “كفر”. وكان الإرهابي المقيم بمنطقة تولوز في فرنسا، معروف بتشبعه بالفكر المتطرف. حيث سبق أن أوقفته السلطات الفرنسية، وأخضعته لتدابير المراقبة القضائية، بتهمة التحريض على الأفكار المتطرفة ذات الطابع التكفيري.
وتشكل هذه العملية، إلى جانب عمليات أخرى، دليلا ماديا على يقظة الأجهزة الاستخباراتية والأمنية المغربية، وفعاليتها في مواجهة التهديدات الإرهابية، وذلك على خلاف أجهزة استخباراتية وأمنية عريقة في دول متقدمة، كبلجيكا أو فرنسا التي وجدت صعوبة في رصد تحركات المنتمين للمنظمات الإرهابية، وضبط قنوات التمويل واللوجستيك، التي يعملون وفقها. وكدليل على الفشل الذريع الذي منيت به السلطات الفرنسية، عجزها عن توقيف 3 متطرفين فرنسيين، قامت السلطات التركية بترحيلهم، سنة 2014. إذ استطاعوا الولوج إلى التراب الفرنسي، دون أن تتمكن مصالح الاستخبارات والأمن من توقيفهم، رغم كونهم مبحوثا عنهم على الصعيد الدولي (…).

شريك استراتيجي:

أصبح المغرب نموذجا ومرجعا للأجهزة الاستخباراتي والأمنية العالمية، في محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة. واستطاع أن يفرض نفسه في الساحة الدولية. ما جعل العاصمة الرباط قبلة للعالم. وقد قام الوزير الأول ووزير الداخلية البلجيكيان، بحر الأسبوع الماضي، في إطار التعاون الأمني، والاستفادة من خبرات المغرب، بزيارة ميدانية إلى مختبر “مديرية نظم المعلوميات والاتصال والتشخيص” (DSITI)، التابعة للمديرية العامة للأمن الوطني. حيث اطلع المسؤولان الحكوميان البلجيكيان رفيعا المستوى، على مختلف المراحل المتعلقة بإنجاز المكونات الخاصة ببطاقة التعريف الوطنية، والتي يعتبر المغرب من بين الدول المتقدمة عالميا في ضبط وتخزين المعلومات الخاصة بالمواطنين الذين يتوفرون على بطاقة التعريف الوطنية، وكذا، تكنولوجيا البصمات الوراثية. ما يساعد على تبادل المعلومات على الصعيدين الوطني والدولي. الشيء الذي لا تتوفر عليه بلجيكا ومصالحها الأمنية.

امتنان للمغرب:

رغم السحابة العابرة التي كانت خيمت على العلاقات المغربية–الفرنسية، ظهرت المملكة المغربية كـ”صديق حقيقي”، بعد أن وفرت معطيات ومعلومات دقيقة حول الخلايا “الجهادية” في أوروبا. ما يؤكد أن المغرب أصبح “شريكا استراتيجيا” لأوربا في مجال محاربة الإرهاب والتطرف. وهذا ما شكل سببا كافيا لكي ينوه الرئيس الفرنسي (فرونسوا هولاند)، ورئيس الوزراء البريطاني (دافيد كاميرون)، وملك بلجيكا (لويس فيليب ليوبولد ماري)، بالمملكة المغربية، ويقدموا الشكر والإطراء للعاهل المغربي محمد السادس.

أوسمة شرف:

وقع رئيس الجمهوية الفرنسية (فرونسوا هولاند)، في ال5 يناير 2016، على مرسوم رئاسي، يقضي بتوشيح عبد اللطيف الحموشي، المدير العام لللمخابرات المدنية المغربية (DST)، ثاني أقوى جهاز استخباراتي في المغرب، بعد “المديرية العامة للدراسات والمستندات” (DGED)، التي يرأسها محمد ياسين المنصوري، بوسام الشرف من درجة ضابط. وكان الرئيس الفرنسي السابق (نيكولا ساركوزي)، منح المسؤول الاستخبارتي المغربي (عبد اللطيف الحموشي) ، وسام جوقة الشرف من درجة فارس. وهما وساما شرف انضافا إلى وسام كانت منحته إياه ملكة إسبانيا.
وتعتبر هذه الأوسمة الرئاسية والملكية التي منحتها دولتان أوربيتان (فرنسا وإسبانيا)، من أكبر دول الاتحاد الأوربي، اعترافا بالدور المركزي والفاعل للمغرب وجهازيه الاستخباراتي والأمني، في “الحرب العالمية” على الإرهاب والتطرف، الذي بات يتهدد أوربا. ولعل أكبر وسام تم توشيح عبد اللطيف الحموشي به، هو الثقة المولوية التي وضعها فيه الملك السادس، عندما تفضل جلالته، وعينه على رأس المديرية العامة للأمن الوطني، وأصبح من ثمة يجمع بين جهازي ال”ديستي” وال”دي جي إس إن”.

معادلة “رابح – رابح”:

إن الوضع الذي يحظى به المغرب في “الحرب العالمية” على الإرهاب والتطرف، بات يفرض على الدولة المغربية، من موقع القوة، إعادة النظر في علاقاتها الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية، سيما مع الاتحاد الأوربي، الذي عليه أن يتبنى معادلة “رابح–رابح”، وليس معادلة “رابح– خاسر”، سيما في ظل ما يسديه المغرب من خدمات وخبرات ومعلومات استخباراتية ثمينة، جعلت منه “شريكا استراتيجيا” يحرص حدود القارة العجوز، ويحصن بلدانها ضد الإرهاب والتطرف، والهجرة السرية، والجريمة المنظمة (الاتجار الدولي للمخدرات…).

اترك رد