fbpx

مؤامرة السبت “الأسود”

مؤامرة السبت “الأسود”

حميد بقيوي.فاس –

أولا وقبل الخوض في صلب الموضوع ، أتقدم بأحر التعازي لعائلات الضحايا الذين لقوا حتفهم في احداث السبت الدامي ، و أتمنى الشفاء العاجل للجرحى و المعطوبين.
لعل كل متتبع لما وقع يوم السبت 19 مارس 2016 بالمركب الشرفي بالبيضاء ، استنكر ما وقع و اعتبره جريمة في حق الرياضة المغربية ، وصنفه ضمن أحداث الشغب الخارجة عن السيطرة ، و الكل بدأ بالاستنكار و الشجب و التجريم وتوجيه السهام للألتراس عبر مختلف المنابر ” الإعلامية” سواء مكتوبة كانت أو مسموعة و حتى المرئية منها ، ولحدود الأمس القريب كانت هذه المنابر نفسها ترمي الورود و عبارات الثناء و الشكر لحركة الالتراس على اللوحات التي كانت ترسمها و الإشعاع الذي اعطته لشيء يسمى بالبطولة “الإحترافية” .
لكن سأحاول أن أدقق في هذه الأحداث ، وأن أحللها بشيء من الموضوعية التي افتقدت في أغلب من تناول هذا الموضوع ، ولكي يكون التحليل قريبا شيئا ما للعلمية يجب أن نؤصل شيئا ما لحركية الالتراس ، متى ظهرت؟أين ظهرت؟لماذا ظهرت؟.
في ثلاثينيات و أربعينيات القرن الماضي كانت أمريكا اللاتينية تعيش تحت وطأة ديكتاتوريات عسكرية ، و كإفراز موضوعي لواقع القمع و الاضطهاد تنامت حركات التحرر بهذه البلدان ، لكنها قوبلت بقمع رهيب من طرف الأنظمة الحاكمة ،كالاغتيالات و الاعتقالات ، ما دفع قيادات هذه الحركات و خاصة بالبرازيل للبحث عن آليات أخرى للمقاومة و الوصول لأكبر جماهيرية ممكنة ، فكانت ملاعب كرة القدم هي الملجأ لهوس البرازيليين بكرة القدم ، فاقتحموا الملاعب تحت غطاء التشجيع و صنع الفرجة في المدرجات ، لكن الحقيقة أنهم كانوا يقومون بتوزيع المنشورات المحرضة على الثورة.وأول التراس في العالم بالبرازيل، إذن فظهور الألتراس كان بدافع ثوري سياسي أكثر منه رياضي.TORCIDA تأسست سنة 1945 تحت اسم
هذه الحركية لم تصل للمغرب إلا في 10 سنوات الأخيرة ، رغم أنها كانت محاولة أواخر التسعينات لم يكتب لها الاستمرارية ، وكانت المجموعات الرجاوية و الودادية أول من ظهر ، ومن بعدهم تناسلت الألتراس في المغرب لتشمل جل الفرق ، حتى وجدنا للفريق الواحد أكثر من فصيل ، ولم تتوقف هذه الحركية عند أقسام “الصفوة” أو كرة القدم ،بل وصلت لأقسام الهواة و مختلف الرياضات.
و كأي تنظيم جماهيري كبير تتدخل الدولة لمحاولة معرفة مساره ، هل يشكل خطر عليها أم العكس ، فمنذ النشأة لم تكن الألتراس خطيرة حسب الدولة ، لأنها بالطبع تتماشى وخططها الرامية إلى احتواء أكبر قاعدة جماهيرية و خاصة الطبقة الشعبية التي تشكل 99 في المائة من هذه الجماهير . لكن بدأت تطفوا على السطح أعمال “شغب” هنا و هناك ، لكنها كانت عرضية بالرغم من أنها أودت بحياة العديدين ، مما دفع بالدولة إلى الدخول على الخط لتظهر للرأي العام قيامها بدورها “الأمني” ، وسنت قانون 09/09 ، لكنه بقي حبيس الأوراق التي كتبت عليها ، نظرا لتزامنه مع الربيع العربي فتحاشت الدولة الاصطدام مع الجماهير ، و خاصة أن مجموعة من الإلتراس انخرطت في حراك 20 فبراير كالتراس “بلاك أرمي”و “الترا إيكلز”…، لحدود هذه اللحظة كانت الأمور لتزال عادية ومنسجمة بين الالتراس و الدولة في شخص “الأمن” من تداخل للأدوار “الأمن” يعطي الضوء الأخضر لأي “ميساج” أو “تيفو” سيتم رفعه بعد الإضطلاع على مضمونه وكونه لا يمس “بأمن و استقرار” الدولة ، وبدوره “الأمن” يوفر لهم الحماية.
المتغير الجديد في اللحظة هو أن الألتراس تحولت من ذلك الحمل الوديع في يد الدولة إلى بركان مستعد للإنفجار في أي لحظة ، وبدأت هذه الحركية في الخروج من طوع الدولة بحيث أخذت مسار مغاير غير الذي رسمته لها الدولة ، وذلك باستعادة المضمون الحقيقي للالتراس ألا وهو الطابع السياسي ، و ارتباطها بقضايا الجماهير الشعبية التي هي جزء منها ، ويتمظهر ذلك مثلا في رفع لافتات مساندة لمعركة الأساتذة المتدربين…، الشيء الذي دفع الدولة لاستبقاء الأمر ووضع حد لهذه الحركية خوفا من التحاقها باحتجاجات مختلف فئات الشعب ، نظرا لواقع الاحتقان و الغليان الذي يعرفه الشارع المغربي وسخط شعبي كبير اتجاه سياسات الدولة في مختلف القطاعات لسواء التعليم و الصحة و الشغل…
وبما أن للألتراس قاعدة جماهيرية كبيرة لا يمتلكها أي”حزب” سياسي ، ودرجة ولاء أعضاء هذه المجموعات لقياداتها وتوجيهاتهم تفوق التصور ، ما يجعل الدولة تتخوف من تغير المسار أكثر مما هو عليه الآن ، وكمثال على هذا التخوف من الإنسجام مع أي سخط جماهيري في الشارع ،قرار تأجيل مباراة الرجاء و المغرب الفاسي التي كانت مبرمجة يوم الأحد 13 مارس 2016 وقرار التأجيل هذا لم يكن اعتباطيا بل كان نظرا لغليان كانت تعرفه فاس في تلك الأيام و التي كانت تعيش تحت عسكرة رهيبة للتصدي لاحتجاجات الطلبة ومقاطعتهم للامتحانات و التخوف من التحاق الجماهير بقيادة الالتراس بهذه الإحتجاجات ما دفع الدولة لتأجبل هذه المباراة.كل هذا الخطر الذي أصبحت تشكله الالتراس على الدولة جعلها تستبق الأمور مستفيدة من التجربة المصرية و مساهمة الالتراس في ثورة 25 يناير التي أطاحت بنظام حسني مبارك ، التي سينتقم فيما بعد منها خلال مباراة الأهلي و المصري البورسعيدي و التي راح ضحيتها أزيد من 80 مشجع لنادي الأهلي.
للأسف أعضاء مجموعات الألتراس في المغرب لم ينتبهوا لحجم المؤامرة التي كانت تحاك في الخفاء لمحاولة حظرهم العملي ، ولم يهيئوا آليات تحصين ذواتهم ، بالرغم من أن خيوط و بوادر هذه المؤامرة كانت واضحة وخاصة بعد الديربي الأخير و ما عرفه هو أيضا من أحداث ، و النقاش الذي أثير في مختلف المنابر ” الإعلامية ” وبداية تجريم حركية الإلتراس ، ومحاولة منع التنقل الخارجي مع الفرق ، تلاه إغلاق الملعب الشرفي بالبيضاء تحت ذريعة الإصلاح رغم أنه لا وجود لأي إصلاحات تذكر ….
لنصل إلى الحدث/المؤامرة، فالاختيار كان مناسبا،جمهور الرجاء حضور كبير دائما ، الإحتفال ب67 سنة على تأسيس النادي ، ووجود فصيلين يشتركان في حب الرجاء و يختلفان في العقليات .إن أبسط متتبع لحركية الإلتراس يعلم أنه إذا ما تم المساس بأي عضو للألتراس سيتدخل أعضاء المجموعة لرد الاعتبار ، لهذا فالاختيار كان ذكيا وكان هناك علم بأن الأمور ستصل لهذا الحد ، بالإضافة لعدم تدخل رجال “الأمن” الذين دائما ما يكونون بأعداد كبيرة وسط الجماهير في المدرجات ويتدخلون بالقوة في أبسط حدث ممكن ،بالإضافة للاعتقالات العشوائية التي طالت أي مشجع رجاوي و التي تحاول الدولة اعتقال أكبر عدد ممكن و إغلاق الملف بشكل نهائي .
مجمل تصريحات رجالات الدولة من مسؤولين “أمنيين” ووزراء… تجمع على أن أعضاء الالتراس يكونون في حالة تخدير ، أليس بالأحرى على الدولة اعتقال مروجي المخدرات التي تعلم مصادر تمويلها و تورط كبار شخصياتها -الدولة- في هذه الشبكات ؟؟؟
للأسف تدني وعي معظم أعضاء الألتراس جعلهم ينساقون وراء الأحداث دون قراءة لما وراءها ، وهو إجتثات شيء أسمه ألتراس ، وهو ما حصل الآن وكخطوة أولى ، منع نشاط أي ألتراس بجهة الدار بيضاء – سطات ، في أفق حظر جل المجموعات على المستوى الوطني .
هذا تحليل بسيط مني حسب فهمي المتواضع ، وأتمنى أن أكون ولو بجزء بسيط ساهمت في كشف بعض من خيوط مؤامرة حيكت ولا تزال في حق حركية لطالما أمتعتنا ، و أعادت الدفء لمدرجات كانت للأمس القريب أشبه بصحراء قاحلة ،ولكن هذا أيضا لا يعني أن هذه الحركية لم ترتكب أخطاء ، لكن أخطاءها تتداخل فيها عدة عوامل ، لذا يجب الوقوف عندها ونقدها للدفع بالحركية للأمام .

اترك رد