الرئيسية / أدب ونقد / يوم من الإسمنت المسلّح .

يوم من الإسمنت المسلّح .

جمعتُ ملابسي استعدادا لاستحمام ساخن بحمام القرية يمينا ، الذي يبعد بعشر دقائق سيرا على محرك سيارة الوالد البطيئة ، كان يتحرك بها ببطء شديد كما لو أنه يخترق حاجز جبل طارق المطوق بالعساكر والأسلاك الشائكة ، حصل على رخصة السياقة بعدما بلغ من العمر خمسين عاما تقريبا ، لذلك سيبقى حذرا من كابس السرعة طول حياته ، عندما يضغط على كابس السريع ترتعش قدمه وكأنه مُقدمٌ على عملية جراحية في مستشفى من مستشفيات المغرب غير النافع ، ضاغط الفرامل تبدو جلدته ملطةٌ ملساء لا نبت فيها ولا زرع من كثرة الضغط ، لستُ أدري لم يفرمل على مجرد نملة صغيرة تعترض طريقه تريد القطع إلى الضفة الأخرى من الطريق ؟ يقول : هي روح من أرواح الله ولن أقتل شيئا خلقه الله مهما كان حقيرا ، لكنه بالمقابل لا يرى الحفر الصخرية التي تتوزع على الطريق الرابط بين منتجع الواد وبين سوق “اثنين الغربية” ، طريق دشنها الاستعمار لكنه نسي أن يكتب على لوحاتها تاريخ انتهاء صلاحيتها ، ولربما كتَبَها ثم سرقها لصوص العلامات الطرقية وباعوها لتجار الحديد والخردوات في جوطية “الزمامرة” . كان ينكفئ في الحفرة العميقة بكل ما أوتي من سرعة ، يكادُ محرك السيارة أن ينخلع من مكانه ، التفاحة التي أقضمها القضمة الأولى تسقط من يدي فأعض لساني ، لحسن الحظ لم يكن أخي “حسن” الذي يشربُ الحشيش على الريق موجودا ، كان سيضطرب وهو يغرسُ قواطعه الأمامية في التفاحة ، ستسقط من يده ، يعض لسانه ، يغضب بالكامل من الأعلى إلى الأسفل ، كل شيء فيه سيرتعد من الغضب ، سيهوي على كونتوار السيارة بقبضة يده ، أتخيل أن الوالد سيحوقل : لاحول ولا قوة إلا بالله ، وأتصور أن حسن سيرد عليه ( الحوقلة لاتنفعك هنا ) ، وسيتطور النقاش إلى حلبة ملاكمة بالألسن . اللعنة ، وزارة التخريب والبناء تهمل رصف الطريق ونحن نؤدي الفوترة .
التفتَ السائق إلى صوت سقطة التفاحة ونبس : حقا إنها حفرة كبيرة ، يتنهد ويعتذر . أنفجرت أنا في جنبه ضاحكا ، أثنـِّـي وأثلِّـِّـث وأربِّع وأخمّس ألعن وزارة التخريب والبناء وأجدّف على وزير الثقافة بالتبعية لأنهم السبب في كل الحفر . يزمّ شفتيه ناظرا إليّ شزرا ثم يفتحهما من جديد : أنت تبحث عن محراث بدون سكة يسوقها حمار أعرج وبغلٌ يكثر من الالتفات إلى المعلاف متناسيا ما يجب عليه من الحرث . أسكتُ على مضض حتى لا أشغله عن القيادة فيرمينا في الوادي المرة القادمة ، اللهم سقوط في حفرة أو أن يعثروا علينا وقد انفجرت أمعاؤنا في وحل الوادي .
تابع سيره ، لم ينتبه لتاريخ صلاحية الطريق ولم يبحث عنه حتى ، اِكتفى بالقفز والروغان على الأماكن المتآكلة ، بينما كان دخانٌ يتصاعد من خلف العادم يشيرُ إلى حريق في جوف المحرك . على عكس الفرامل كانت جلدة الكابس المسرِّع موشومة ومسنّنة ولم يطرأ عليها مسحٌ ، كان الوالد لا يحتاجُ إلى المُسرِّع طول الوقت ، بطؤه في السياقة جعلني أسترخي على المقعد الخلفي وأسبح في حل شبكة الكلمات المتقاطعة والموجهة التي تتشابك خيوطها في رأسي وما أن نصل إلى وجهتنا حتى أنهي حل الشبكة ، أفكر في ثمن الزيت ، والزبيب ، والدقيق ، وعلب السردين بالزيت المملح ، والبسكويت ، والسكر المسحوق ، والتمر الأسمر القادم من الشقيقة زاكورة ، والحليب ، وعصير البرتقال ، وشعير الخبز الأسود ، والقمح الطري والصلب ، ومكسّرات الفواكه الجافة ، وشيء من المطحونات العشبية التي تخبؤها الوالدة في صرة منديلها الأحمر لصوارف الضيفان وقت الشدة ، وخاتم نحاس أذفر مع قطعة سواك مر وثلاث أوقيات من حناء قلعة مگُّونة ، وخمسةُ قوالب من السكر هدية لعمتي التي تحتفل بعرس ابنتها اليوم .
إنه مكان دافئ مقعدٌ في سيارة بمحرك بطيء ، لن تخشى معه سقطة في فوهة الوادي ، مسترخٍ ومائل إلى الخلف ، أشعر فيه بنعاس شديد وقت الظهيرة إلا في حالة واحدة إذا تسلط علي فيها وحشٌ منامي أو غول من مخلفات الزمن المعوجّ ، أو حينما تناديني زوجتي ، حينها أعلم أنني مدعو إلى مائة جلدة من المصروف المتراكم ، أبولُ تحتي ، أقوم مفزوعا إلى الميضأة لتطهير بقع البول ، وسرعان ما أتوضأ لأعيد الوضوء من جديد ، الفزعُ يحرك حاسة الخوف لديّ باستمرار ، يصيبني بسلس البول ، أعيد وأكرر الوضوء كما لو أنني موسوس ، وفي عمقي أتمنى لو تتكرر عليًّ حالات الفرح كما تتكرر عليًّ عاصفات الخوف ، لكنني أتذكر أن الزفاف لا يكون إلا مرة واحدة في العمر ، أنفخُ جهة الفوق لأنفـِّـس عن رئتيّ المملوءتين من الغبار في انتظار أن تقف السيارة على رجليها فب باحة الدّوش لأستحم .
كانت المفاجأة مأساةً لنا تلك الأمسية ، كنتُ أنا وأخي “مجيد” ،الراكبُ الثالث، على وداد وعلى اقتراب من موعد الحمام الساخن ، في الوقت الذي كان السائق يفكر بشيء آخر ، كان يلعب هو الآخر لعبة الكلمات المسهمة ، سهمـهُ فيها متجه إلى كتبان من الرمل والإسمنت والآجر الخشن والحديد والحجر المطحون ومعاول التبليط والتزليج لتكميل بناء الطابق العلوي من المنزل ، وَجـًّـه المقودَ جهة اليسار حيثُ تـُـصـَـرًّفُ الدراهم رملا وحجرا وقرمودا عند “مول السيمة” الباردة ، كفكفتُ مخيلتي عن التفكير في الزيت والشمع والسكر والتمر والحليب والعسل وتلك الأشياء حتى أفكـًّ هذه الحريرة أولا وبعدها أرى ؛ هل يكتب لي الاستحمام أم سأذهب إلى الطبيب لعلاج سلس البول .

شاهد أيضاً

واقعةُ خبز . قصة قصيرة .

تشبًّـعت مناخري برائحة خبز مقلي وأنا لازلت في فراشي . إنها لبائع الفطير المجاور ، …