الرئيسية / أدب ونقد / بول ٌ في مركز التربية والتكوين . قصة .

بول ٌ في مركز التربية والتكوين . قصة .

أتيتُ للتو من مركز للتربية والتكوين ، سوّلت لي نفسي أنني قد أصير مدرسا في أخريات عمري ، اِتجهت بالأوراق إلى الجناح الأيسر من البناية ، عبارة عن بوتقة شبه مظلمة ، تحمل الرقم 5/8 ، الرقم الذي كرهته بسبب أستاذ الرياضيات في الأعدادي ، فتحولت إلى شعبة الأدب ،أنا على يقين لو بعثت الخمسة والثمانية من قبرها الآن لانتقمت من وجهه الأصفر ، بعضُ الرهط يـُـكـَـرِّهُونك في أشياء يحبها العالم ، وبسببهم تود لو لم تر هذا العالم .
كانت الحجرة مخصصة لاستقبال ملفات الترشح لوظيفة نصف أستاذ ، النصف الثاني قد تحصِّله بعد انتهاء العَقد الأول وقد لا . رأيت القادمين يحملون ملفات بداخلها شواهد الإجازة والمـَـٍسْتَرة والدكترة ، ورأيت واحدا شـُـبِّه لي كأنه من الذين يبحثون عن السمسرة ، الاستثمار في معاناة الطلبة ، بوجهه المقلوب تذكرت صورة الصحفي رأس النعجة العام الماضي وهو يستبق كل الأكاذيب الصحفية ، ادعى السبق إلى نتائج الامتحانات ليرفع مؤشر الزيارات في موقعه ، هكذا بالأكاذيب واللعب على أعصاب الطلبة المحروقة أصلا ، تمنيت لو دفعتُ مالا لأحد المرتزقة ليذبحه من الوريد إلى الوريد حين زرت موقعه أبحث عن اسمي ولم أجد إلا الريح . أغلب الزائرين من الجيل الرابع ، الجيل الأول ربما أصيبوا بالجنون في سجون الانتظار فلم أر منهم ولا رُبع إنسان ، رأيتهم يدخلون المركز مطأطئي رؤوسهم وكأنهم واقفون أمام ملك الموت ، كل حسب تخصصه المعلن في أوراق الاستخذاء التي يتأبطها ، جناح متآكل وبأصباغ باهتة . كدت اتهم المصطبة القريبة من مشربة المياه بالفساد ، بدت لي كما لو أنها موعد لاستمرار النسل حين يأوي إليها أستاذ متدرب صحبة صديقته المتدربة ، يتواعدان على الزواج من الآن . نعم ، من هنا ستبدأ رحلة الإنجاب يا “أميرة” . تبتسم هي بشرط ألا يمس راتبها بعد الزواج ، يقهقهان ويسرقان قبلة بعيدا عن عدسات الآيفونات التي تترصد فضائح الطلاب . حتى أنا أصابتني القهقهة ، قهقهت ومشيت إلى الأمام أطوي مسافة بطول ثلاثة عشر سنة وأنا رائح غادٍ بين مراكز الجديدة ،مراكش، الرباط، الدار البيضاء، تطوان، الحسيمة ، آسفي، كلميم، مرورا على دواوير هذه المدن وقراها ونجوعها ، أمر عليها في الحافلة ولا أتذكر منها شيئا مهمـًّا لأنني في الغالب أكون نائما من التعب .
هذه المرة ، خطر ببالي أن أعاود الترشح والسفر إلى مدينة الشمال ، سيتطلب السفر ســـتمئة درهم أقتلعها من رزق أولادي في سبيل نجاح موهوم ، يكون أو لا يكون ، بعد تفكير، آثرت دفع الملف إلى أقرب مركز هنا في الجديدة ، لا يحتاج مني سوى حساب خطواتي من أدراج البيت إلى المركز مشيا على القدم ، مسافة خمسة أميال ذهابا وإيابا ، لايهم ، سأحمل جسدي هذه المرة على أقدامي ، سأركب سيقاني بدل سيارات الأجرة ، تعبت من حساب الدراهم ، أنفق على شهادة لعينة من اليوم الذي كانت فيه بيضاء بلون الحليب قبل أن تصدأ على رف السنوات العجاف ، لم يلتفت أحد الى شعر رأسي الذي علاه الشيب ولازلت أنفق عليها بلا طائل ، في مكاتب البريد ، في محطات القطار والمسافرين ، في مطاعم الطرق ومقاهي منتصف الليل ، في فنادق الثلاثين درهما لليلة ، على أسرة تشترك معي فيها براغيث الذين ناموا هنا البارحة ، مرات تأتيني الكوابيس التي لو ألـًّـفت منها سيناريو لأحد أفلام الرعب لكنت مليونيرا ، لم تسلم أفخاذي هي الأخرى من تفاعلات الحمض النوتروني النتن من شدة التعرق وضرب المسافات الطويلة من المشي والبحث عمن يدلني على عنوان المركز تحت صقيع الشمس ، الشمس لاترحم ولا تبكي على الذين لا بواكي لهم مثلي ، أسأل ، السؤال الأول والثاني والثالث والرابع والخامس عن الشارع الفلاني ، والانعطافة اليمنى، والتقاطع التالي الموصل إلى المركز المعلوم، عن المنعرج الأخير الخارج من النفق على مسافة ثلاثة مراحل من هنا إلى هناك ، شخص يصدُقُني في الجواب والنعت، وشخصٌ لعين مقبوح من شكل وجهه الذي يشبه الشامبانزي تسأله عن شارع “أبوجا” فيرسلك إلى شارع “السينغال” كما فعل بي كلب من كلاب العاصمة الحقيرة يوما ، حتى أصحاب الطاكسيات يكذبون ، تطلب منه التوصيل إلى هناك فيرميك إلى هنالك ، وهنالك في حساب العداد مصروف مضاعف ، عليهم اللعنة جميعا . قلـًّبت كفوفي أمسح عرقا نديا على جبيني ، اليد التي تمسك الأوراق غير صالحة للمسح ، بدت ملطخة بمداد الناسوخ الأسود ، يبدوا المستفيد الأول من هذا العناء هو حانوت النسّاخ المتكئ على باب المركز ، وصاحب المحلبة ، ما أن ينتهي مني بائع الأكل حتى يستلمني النساخ ، أنسخ وأنسخُ وأقول لعلني نسيتُ شيئا لم ينسخ ، ولك أن تحسب كم ورقة نسختها منذ سمعت كذبتهم الأولى قبل سنوات ، مقاطعات الانتظار والموت البطيء وكم أكلت بدورها . وماتبقى لدي من رمق يجهز عليه بائعوا الأحلام في مركز تكوين الأساسذة !!
دلفتُ إلى المشربة ، شربتُ وغسلتُ المداد العالق بأنفي ، أودعتُ الملف في البوتقة وخرجت ، لكنني نسيتُ شيئا في المشربة ، نسيتُ أن أستقطر ، فلربما يأتي اليوم الذي أحكي فيه لحفيدي عن جده الذي كُتب اسمه في تاريخ المركز التربوي . إيـه يا ولدي ، لقد مرًّ جدُّك من هنا ، أودع ملفه ، خرج كما دخل ، حاول أكثر من عشر سنوات لكنه فشل ، الشيء الوحيد الذي نسي أن يفعله ؛ أن يبول في مشربة المركز .

شاهد أيضاً

واقعةُ خبز . قصة قصيرة .

تشبًّـعت مناخري برائحة خبز مقلي وأنا لازلت في فراشي . إنها لبائع الفطير المجاور ، …