أخر تحديث : السبت 17 ديسمبر 2016 - 4:16 مساءً

فيلم جدير بالمشاهدة: “جوق العميين” ورجل جدير بالرحمة والتكريم: محمد بصطاوي

بتاريخ 17 Dec, 2016
فيلم جدير بالمشاهدة: “جوق العميين” ورجل جدير بالرحمة والتكريم: محمد بصطاوي

نورس البريجة: خالد الخضري –

1 – من ضابط شرطة لضابط إيقاع !
قدمت القناة التلفزيونية المغربية ليلة الخميس 15 دجنبر 2016 فيلما سينمائيا روائيا طويلا بعنوان (جوق العميين).. أخرجه محمد مفتكر سنة 2014 حاصدا به العديد من الجوائز المحلية والدولية من أهمها الجائزة الكبرى (التانيت الذهبي) لمهرجان أيام قرطاج السينمائية بتونس سنة 2015.. كما الجائزة الكبرى (المهر الذهبي) للمهرجان الدولي للفيلم العربي بوهران في نفس السنة… وهو من بطولة: منى فتو، ماجدولين الإدريسي، سليمة بنمومن، فدوى الطالب، سعاد النجار، يونس ميكري، محمد الشوبي، فهد بنشمسي، عبد الغني الصناك، محمد اللوز، ومحمد بصطاوي الذي حلت ذكرى وفاته الثانية يوم السبت 17 دجنبر2016، حيث وافته المنية رحمه الله يوم 17 دجنبر 2014 وهو في عز عطائه وتألقه.
وجاء دور المرحوم بصطاوي في هذا الفيلم واحدا من أواخر وأجمل الأدوار التي لعبها في حياته دون أن يمهله الأجل المحتوم لمشاهدته.. وبالتالي تكتسي مشاهدة الفيلم صبغة مزدوجة: أولا إنسانية حميمية لأننا سنعاين أمامنا إنسانا رائعا طالما أحببناه ثم افتقدناه.. وممثلا كفء طالما أتحفنا بأدواره المتنوعة فوق الخشبة كما في الشاشتين.. فهي مناسبة إذن للترحم عليه والتمتع بأدائه لشخصية مختلفة تماما عن جميع الشخصيات التي أداها من قبل.. هي شخصية خفيفة تثير الضحك رغم أن طبيعة مهنتها تتناقض كليا والهزل والمزاح.. إنها شخصية “ضابط شرطة” يشتغل “ضابط إيقاع” – خفية طبعا – في جوق موسيقي متظاهرا بأنه أعمى إلى أن ينكشف أمره !
أما الصبغة الثانية التي يتميز بها فيلم (جوق العميين) وتجعله جديرا بالمشاهدة وإعادة المشاهدة، فهي إبداعية صرفة.. فهو فيلم جميل ومخدوم بحرفية متقنة على جميع المستويات: مضمونا.. تقنيا وفنيا كما سنعاين من خلال المقال التالي.. على أن أخصص المقال الذي سيليه – والمرتبط أيضا بهذا الفيلم وخصوصا بشخص محمد بصطاوي – لهذا الأخير بمناسبة الذكرى الثانية لرحيله.

2 – عزف مركب
يعتبر فيلم “جوق العميين” لمحمد مفتكر نقلة نوعية في مساره السينمائي الذي ارتكن في مجمل تجاربه السابقة، لاسيما في (البراق) إلى نوع من الرمز والإيحاء المرتفق لصورة تجمع بين غرائبية المعنى وجمالية المشهد، ليخلص في عمله الأخير إلى صورة ناصحة تستمد نجاعتها من محتواها المضموني و الشكلي. ورد بملخص الفيلم : “السنوات الأولى من حكم الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه، يعيش الحسين، قائد فرقة موسيقية شعبية وأحد محبي هذا الملك، رفقة زوجته حليمة في منزل عائلة هذه الأخيرة والذي يتخلله صخب كثير مصدره ألوان وإيقاعات الفرقة الموسيقية والراقصات الشعبيات “الشيخات”.. حسين فخور بابنه ميمو الذي يضحي من أجله منذ مرحلة دراسته الابتدائية ليكون الأول في الفصل.. لكن ميمو سيقع في حب شامة – خادمة الجيران الجديدة – ولكي لا يخيب أمل والده فيه، يقوم بتزوير أوراق نتائجه المدرسية”
على إيقاع هذا المقام، عزف محمد مفتكر مع “جوق العميين” مقطوعة يعترف أنها جزء من سيرته الذاتية ومحاولة لتصفية حسابه مع عقدة رحيل والده المبكر في مرحلة السبعينات من القرن الماضي وما حبلت به من ارتجاجات سوسيو اجتماعية وسياسية، حيث صرح لوكالة المغرب العربي بعد عرض فيلمه في الدورة 14 لمهرجان مراكش الدولي للفيلم، أنه لم يتقبل فكرة رحيل والده إلى الأبد وهو بعد في سن الثالثة عشرة. فجاء الفيلم بمثابة فعل تحرر من ثقل هذه الذاكرة المعلقة، إذ يحكي فيه على لسان طفل، سيرة العلاقة المركبة مع والده، العازف في جوق شعبي خلال فترة السبعينيات من القرن الماضي، قبل أن يفقده سريعا”
ولا ضير في ذلك مادام مفتكر قد جعلنا نعيش ونتعايش مع الأجواء العامة لتلك المرحلة الحرجة التي ستسفر عن كثير من التحولات التي سيعرفها المغرب لاحقا.. فالفيلم ليس سيرة ذاتية منغلقة داخل إطاره الشخصي والعائلي مما قد لا يثير أي تعاطف، أو تفاعل معه لدرجة قد تجعل المتلقي يتساءل وهو يسمع قصة حياة هذا المخرج أو ذاك مصورة: “وحنا مالنا؟ !” مثلما كان يحدث مع أفلام الدرقاوييْن: (عنوان مؤقت)- (أحدات بلا دلالة) – (أيام شهرزاد الجميلة).. كما أنه ليس تجسيدا لذاتية المخرج الفعلية كما هي في الواقع بجنونها، هلوستها وإبداعها… فلا يستوعبها ويتفاعل على معها بالدرجة الأولى سوى المخرج المؤلف / الممثل نفسه: (الزفت) للطيب الصديقي وسائر أفلام نبيل لحلو.
في “جوق العميين” تم توظيف للأنا والذات في سبيل تقديم الهو / الآخر، كما فعل يوسف شاهين في في رباعيته الشهيرة:(حدوتة مصرية)- (إسكندرية ليه)-(إسكندرية كمان وكمان) و(إسكندرية نيويورك). فجوق مفتكر عزف مقطوعة تمزج بين عدة نوطات بيوغرافية وأخرى متخيلة، اشتغلت سينمائيا على إعادة صياغة المحيط الاجتماعي والسياسي الذي تفاعلت فيه الشخوص بإيجابياتها وسلبياتها دون جنوح إلى تبئير الذات لحد التقوقع ولا إلى تبسيط الفكرة لحد تحصيل الحاصل. وهكذا وكما ورد في ورقة وكالة المغرب العربي للأنباء المومأ إليها بتاريخ 11 دجنبر 2014:
“انتقل محمد مفتكر من الواقع إلى المتخيل، من الكائن إلى الممكن، ومن التجربة الشخصية المعيشة إلى عالم درامي يختزن عمق السيرة الجماعية”.

3 – عزف مرح
الأسلوب أو العزف السردي الذي انتهجه محمد مفتكر في هذه المقطوعة، يمكن وصفه بأنه أسلوب حركي ذو إيقاع طربي مرح، يتفاعل داخل الحارة المغربية بكل ما تعتمل به من حيوات (جمع حياة) منفردة ومشتركة بين سكانها البسطاء، والتي من صلب تناقضاتها التي يعيشون بها وفيها يصنعون الحياة: بفقرهم وقناعتهم.. بانسحاقهم وتضامنهم.. وخصوصا ببؤسهم ومرحهم… فهؤلاء العميين “المفترضين” هم الأغلبية الساحقة في أية حارة من حارات مجتمعنا إن لم يكونوا اختزالا لهذا المجتمع برمته، والذين يبصرون ويتصرفون ببصيرتهم أكثر من أبصارهم، حيث إن كثيرا منهم تروقه اللعبة فيبقى على النظارات / القناع المخفي لحقيقة الرائي حيال المرئي لمزيد من التلصص السلبي: (التبركيك) فلا يهتم إلا بالمظاهر ومؤخرات النساء وأردافهن: (علي/ عبد الغني الصناك) ومنهم من يبقى عليه للتلصص الإيجابي لأكل العيش: (حسين / يونس ميكري) أو المهني: ( مصطفى / المرحوم محمد بصطاوي) …
وعلى ذكر هذا الأخير نخلص إلى أهم مقام عزف على إيقاعه محمد مفتكر مقطوعته داخل جوق عميانه (المبصرين) أولا وهو مقام أو عنصر “التمثيل”، الذي أبان فيه عن مقدرة احترافية بتوظيفه أولا لممثلين محترفين أكفاء.. ثم بحسن إدارتهم لهم حيث كان كل واحد سيد موقفه بشدة إقناعه، وعلى رأسهم طبعا المرحوم بصطاوي الذي أقل ما يمكن أن يقال عنه: إنه أدى دوره لحد اللوعة والوجع إمتاعا، حين نعلم أنه فعل ذلك ثم غادرنا دون أن يرى نفسه فيما ترك لنا.. محمد بصطاوي رحمه الله لم يكن يمثل، بل كان يعيش الحالة عن آخرها.. ويتقمص الشخصية بمتمها.. إلى درجة يتهيأ لك أنه لن يخرج منها، ليفاجئك في العمل التالي بشخصية أو حالة أخرى لا تمت لمن أو لما سبق بصلة !!
دون أن ينتقص هذا الإطراء المستحق من كفاءة بقية الممثلين لا سيما يونس ميكري الذي ما زال يتقن ارتداء لباس شخصيات السبعينيات برومانسيتها الرافضة وثوريتها الصامتة كما فعل مع: (علي، ربيعة والآخرون) لأحمد بولان، ولا غرو في ذلك مادام يونس نموذج حي يرزق ويبدع فهو نتاج لتلك المرحلة. إلى جانبه برع عبد الغني الصناك في دور علي عازف الإيقاع المتلصص أو (البركاك) الذي سيجر التهلكة على بقية أفراد الجوق سيتناول على إثرها رفسة “حقيقية” على مؤخرته من طرف المرحوم بصطاوي، مما يحيل على اندماج هذا الأخير في دور أو حالة الشخصية التي يؤديها كما أسلفت. حتى محمد اللوز عضو مجموعة تكادة سابقا والذي – باستثناء بعض أدواره المسرحية – لم يسبق له أن لعب دورا يذكر في فيلم سينمائي، فقد أدى دور (الشيخ محمد عازف الكنبري) بنفس الكفاءة والقدرة على الإقناع أسوة ببقية الممثلين المحترفين وضمنهم الفنانتان منى فتو في دور حليمة زوجة الحسين وماجدولين الإدريسي في دور الشيخة فاطمة المحبة والعاشقة للحسين حتى النخاع .. ثم سليمة بنمومن في دور الشيخة مينة والتي أجادت وهي تحرك جسدها ورأسها على طريقة الشيخات (المعلمات) لا سيما شفتيها وكأنها كانت فعلا تغني معتمدة تقينه البلاي باك خصوصا وهي تردد عيطة (حاجتي في كريني) لمعلمة شيخات آسفي الفنانة خديجة مركوم، بشكل منح للفيلم شحنة “عيطوية” شعبية .. وخلقت في نفس الوقت فرجة سمعية وبصرية وأيضا اجتماعية حنينية نظيفة، بعيدة عن الابتذال اللفظي أو الحركي، الشيء الذي قد يجعل من هذا الفيلم فرجة مقبولة لدى أية أسرة مغربية يمكن أن يتابعها سائر أفرادها دون حرج أو تطير.. فالإيحاء بما هو وراء النوافذ والزوايا المعتمة أو الستائر أو حتى تحت السروال كان قائما.. لكن دون نزع هذا الأخير…