أخر تحديث : السبت 31 ديسمبر 2016 - 7:45 مساءً

فبركة الرأي العام بالمغرب

بتاريخ 31 ديسمبر, 2016
فبركة الرأي العام بالمغرب

يتناول هذا المقال مسألة ذات أهمية في المجال السياسي و هي الآليات التي تستخدمها النخب السياسية سواء المهيمنة أو التي تصطف في المعارضة في تكوين الرأي العام تُجاه قضية معينة تستأثر بالاهتمام في المجال العام. نؤطر هذا النقاش من خلال عرض سريع للنظريات المعنية بهذه المسألة قبل تقديم تحليل لبعض الحالات السياسية التي تم فيها توجيه الرأي العام نحو اتخاذ مواقف تخدم أجندات معينة.
قدم الفيلسوف الألماني هابرماس تحديدا مؤسِّسا لمفهوم المجال العام في دراسة لهذا المجال في القرن السابع و الثامن عشر في فرنسا و إنجلترا و ألمانيا، و تَجسد هذا المجال حسب هذه النظرية في مؤسسات اجتماعية كانت موجودة في هذه الفترة التاريخية نذكر منها المجلات و الصحف، و المقاهي و الصالونات و نوادي القراءة. و كانت هذه الفضاءات مجالا عاما للنقاش العقلاني لقضايا عامة، و شكلت بذلك سلطة في مواجهة الدولة أدت مع مرور الوقت إلى ظهور الديمقراطية التمثيلية في أوروبا. و قد كانت الفعاليات المشاركة في النقاش للقضايا العامة تنتمي للطبقة البورجوازية و مستقلة نوعا ما عن النخب السياسية المهيمنة. غير أن هيمنة هذه الطبقة فيما بعد على السلطة في إطار النظام الرأسمالي الليبرالي دفع بها إلى محاولة تكييف الرأي العام و إخفاء التناقضات، و بالتالي تغير المجال العام و أصبح مفتقدا إلى الاستقلالية، وأصبح خاضعا للسيادة و التوجيه و الضغط، و أصبح الرأي العام بالتالي موجها وأصبحت عملية تكوينه فبركة مضللة.
فالرأي العام يخضع في تكوينه عموما لآليات تحدثت عنها الباحثة الألمانية إليزابيت نيومان و حددتها معالمها من خلال علم النفس الاجتماعي، و قد سمت النظرية ب “لولب الصمت”. و يمكن تلخيصها في المبادئ التالية:
– أن أغلب الناس يخافون العزلة الاجتماعية.
– و لذلك فإن معظم الناس يلاحظون باستمرار سلوكيات الناس الآخرين حتى يتعرفوا على الآراء التي تُقابل بالرفض و تلك التي تنعم بالقبول في المجال العام.
-يمارس الناس الضغط على الآخرين بتهديدهم بالعزلة عندما يعبرون عن امتعاضهم بطرق مختلفة من الآراء التي تكون مرفوضة في المجال العام.
-يخفي الناس آراءهم التي يعتقدون أنها مرفوضة في المجال العام حتى يتجنبوا العزلة، اجتماعية كانت أو سياسية.
– يعبر الناس عن آرائهم إذا شعروا بأن تلك الآراء مدعومة من طرف النخب المهيمنة و وسائل الإعلام.
– يتكون لولب الصمت بسبب التهديد المحتمل بالعزلة.
غير أن هذا لا يشمل كل الناس، فهناك فعاليات تُجاهر برأيها رغم وجود هذا التهديد بالعزلة، و هم ما تسميهم الباحثة ب “النواة الصلبة”. لكن يبقى هذا الوضع بالتهديد بالعزلة قائما بالنسبة لمعظم الناس. و نتيجة لذلك يتكون الرأي العام في المجال العام عبر الميكانزمات النفسية و الاجتماعية و السياسية المذكورة.
غير أن التطورات التي شهدها العالم في بداية الألفية الثالثة غيّر المشهد السياسي و طبيعة الآليات المستعملة و الفعاليات المشاركة فيه، كتطور وسائل الإعلام و انتشار الاستعمال المكثف لمواقع التواصل الاجتماعي و الإنترنيت عموما. و مع ذلك يبقى الرأي العام خاضعا و لو بنسبة أقل لضغوطات النخب السياسية و آلياتها التحكمية. كما أن المجال العام أصبح أكثر اتساعا ليشمل حتى المجالات الافتراضية التي تعتبر أكثر تحررا من وسائل الإعلام التقليدية و النقاش السياسي المؤطر بالمؤسسات. كما أن مسألة الاستقلالية أصبحت موضع تساؤل لتضع نظرية هارماس في وضعية تحتاج للمراجعة خصوصا عندما نغير السياق لنتحدث عن الرأي العام و المجال العام في الدول النامية التي مازالت فيها المسألة الديمقراطية تثير الكثير من النقاش و التساؤل.
يخضع المجال العام في المغرب لسيطرة واضحة من طرف الدولة و خصوصا على وسائل الإعلام التقليدية كالراديو و التلفزيون و الجرائد و حتى المنتديات العامة التي تناقش فيها المسائل التي تهم الشأن العام. لكن بعد الربيع العربي استشعرت الدولة و النخب السياسية المشاركة في العملية السياسية أن مواقع التواصل الاجتماعي تُؤثر في تكون الرأي العام و تُشكل بذلك مجالا عاما بديلا عن المجال العام التقليدي المُتحكم فيه بطريقة مريحة. وتبعا لهذا الوعي بأهمية هذه المواقع في المشهد السياسي، عملت النخب السياسية على محاولة احتواء هدا الفضاء البديل لتوجيهه على الأقل حتى لا يؤثر بطريقة فاعلة على الرأي العام و القرار السياسي. فأصبح لهذه النخب حضورا ملحوظا، و اختلطت الأوراق من جديد، و أصبحت الحرية المفترضة في هذه المواقع موضع تساؤل. و قد كشف هذا الحضور على قدرة النظام على التأقلم مع الأوضاع الجديدة و استعمالها لتتبيث ركائزه الإيديولوجية. فحتى في عالم افتراضي حيث من المفترض أن التواصل و النقاش يخرج من دائرة السيادة و التحكم، أصبح التوجيه و التحكم الذي تحدثت عنه الباحثة الألمانية ملحوظا و خصوصا فيما يتعلق بمسائل جوهرية كالوحدة الترابية و الإرهاب التي تتمتع بإجماع وطني و تتدخل فيها الأجهزة الأمنية و القضائية في الحالات التي تخالف هذا الإجماع. غير أن هناك قضايا تناقش بحرية أكبر مع وجود توجيه خفي سواء من داخل أو خارج العالم الافتراضي.
من بين القضايا التي استأثرت باهتمام الرأي العام نذكر قضية محسن فكري التي فجرت احتجاجا عاما بالمغرب بدعم واضح من مواقع التواصل الاجتماعي، و شكلت هده الحالة مثالا جليا على قوة هذه المواقع على توجيه الرأي العام عبر الفضاء الافتراضي الذي أصبح يكتسي أهمية كمجال عام بديل. و قد كان لهذا الحدث تأثيرا نفسيا كبيرا استغلته القوى المعارضة للحكم لتوجيه انتقادات للدولة و تحميلها المسؤولية فيما وقع. و قد عملت الدولة على امتصاص هذه الانتقادات لقدرتها على تشكيل رأي عام مخالف للرواية الرسمية، و ذلك بإجراءات قانونية و سياسية و إعلامية حتى داخل الفضاء الافتراضي. غير أن قضية أخرى تسجل بكل وضوح الحضور القوي لميكانيزمات التحكم في الرأي العام، و هي قضية تصريحات شباط ضد الوحدة الترابية لموريتانيا. مباشرة بعد هذه التصريحات انطلقت البلاغات الاستنكارية من كل الفعاليات السياسية بما فيها النخب المتحكمة في المشهد السياسي، الأمر الذي قلل من التعاطف مع تصريحات شباط حتى في الفضاء الافتراضي، و عزل كل المؤيدين سياسيا و عم الصمت السياسي تجاه هذه القضية و بقي شباط وحيدا يندب حظه السيئ حيث من المحتمل أن يكون الثمن السياسي لتلك التصريحات باهظا، على خلفية رأي عام معارض لها بقوة. تبقى الأمثلة الأخرى التي قد يجدها القارئ في وضع وسط بين هاتين الحالتين حيث التدخل و التوجيه يخضعان لسلطة تقديرية للنخب المهيمنة على المشهد السياسي فيما إذا كان للرأي العام المشكل على المواقع الاجتماعية أي تأثير حقيقي على الواقع السياسي. الكل يتذكر الحملة التي قادتها الفعاليات السياسية على الفيسبوك ضد تقاعد البرلمانيين و التي لم تجد صدى يذكر لدى النخب السياسية حتى تلك التي كانت تصطف في للمعارضة. لكن في المقابل نجحت الحملة ضد الكريساج نوعا ما لتجاوب قوات الأمن مع تلك الحملة. قد يكون فشل الحملة الأولى راجع بالأساس إلى عدم اهتمام المواطن العادي بالموضوع و تحالف معظم الأحزاب ضدها لتبقى قضية سياسية تحتاج لمزيد من الوعي و التعبئة. و قد يكون نجاح الحملة الثانية راجع لانخراط الجميع فيها بغض النظر عن الانتماء السياسي و نظرا لكونها مسألة اجتماعية تمس الجميع، و قد تشكل رأي عام مساند من طرف رواد الفضاء الافتراضي و المواطنين العاديين على السواء. لذلك كان لزاما على الدولة أن تستجيب لهذا الرأي العام الذي تشكل في المجال العام دون تردد حتى تحتوي هذا النوع من الاحتجاج الاجتماعي.
يبقى الرأي العام خاضعا للتحكم و الاحتواء و ربما هذا قدره في الوضع الحالي في انتظار بروز مساندة للمجال العام البديل من طرف الصحف و المثقفين و التيارات السياسية البديلة و حتى يتغير الوضع اترككم مع هذا المشهد في انتظار فصل جديد.