أخر تحديث : الأربعاء 11 يناير 2017 - 5:14 مساءً

رواية حكومة شهرزاد: قراءة في بلاغ بنكيران

بتاريخ 11 يناير, 2017
رواية حكومة شهرزاد: قراءة في بلاغ بنكيران

ذ. محمد معروف –

إن البلاغ الصادر يوم 08 يناير 2017 عن قيادة البيجيدي يؤكد بالواضح شخصنة الممارسة السياسية في المغرب، إذ يبتعد البلاغ عن خطاب المؤسسات، و يشخصن الحوار بين فاعلين سياسيين، و كأن الأحزاب أضحت مجرد أقنعة يلبسها السياسي ليتقمص دورا معينا تمليه عليه ظروف المسرحية السياسية.

بدأ المتحدث في البلاغ باستعمال أفعال كلامية مثل “وجّهته”، “انتهى الكلام”، و تضع هذه الاختيارات اللفظية المتحدث في موقع القوة خلال مواجهة خصمه الذي ذكره بالإسم “عزيز أخنوش”، ويستمد المتحدث قوته من أفعال “عيّنني”، و “كلّفني”، و الفاعل هنا هو الملك، مما يعني أن أعلى سلطة في البلاد فوضت له صلاحية التفاوض والاختيار، لهذا ليس من صالح المفاوِض الموجه إليه السؤال، في نظر المتحدث، أن يضع قواعد وشروط للمفاوضات، و تحمل الأفعال التي نُسبت إلى أخنوش دلالات سلبية مثل “خطَّ”، بمعنى كتب كلاما خارج السياق، أو كلاما غير مفهوم نسبة إلى الخط أو الخطوط غير المفهومة، و كلمة “خطَّ” هنا لا ترمز إلى وجود المعاني، بقدر ما ترمز إلى التسرع والارتجال، ثم استعمل المتحدث تعابير تحمل في طياتها أحكام قيمة أخلاقية: “وعدني” و “لم يفعل”، هذا النفي للفعل الإيجابي يضع أخنوش في وضعية ناقض العهود، و المتلاعب الذي لا يفي بكلمته، خصوصا وأن المتحدث في البلاغ يضعه في وضعية بأنه لا يملك حرية القرار: “في وضع لا يملك معه…”، و يستدل المتحدث بنمط حجاجي جدلي (لكل سؤال جواب)، ليبين أن أخنوش أخل بقواعد الحوار، بل عوض أن يلتزم بفعل كلامي جوابي، تجاهل السائل، و أصدر فعلا كلاميا في صيغة بيان بمعزل عن السؤال، يملي شروطا جديدة، فانتبه المتحدث أن محاوره يسعى إلى التحكم في توزيع أدوار الحوار، وبالتالي قد يتحكم في سير المفاوضات.

هذا البلاغ بصفة عامة يبين أن الممارسة السياسية في المغرب تدور رحاها بين أشخاص لهم نفوذ ، ويتحكمون في اللعبة السياسية، وبأن الأحزاب بصفتها مؤسسات لا وجود لها على أرض الواقع، لأن من يتفاوض هم أشخاص تنتمي إليهم الأحزاب، و ليست أحزابا تتحدث بلسان ناطقها الرسمي. إن البلاغ الصادر مؤخراً يُعتبر وثيقة مقنِعة توضح شخصنة العمل السياسي، فهناك أشخاص يتحكمون في دواليب القرار، و يخاطبهم البلاغ تارة بالإسم و تارة بإشارات مسكوت عنها، إذ أن البلاغ يشير إلى غائب مسكوت عنه، و يعتبره المسؤول الرئيس عن الوضع الذي يوجد فيه أخنوش وأمثاله، و يحاول المتحدث في البلاغ وضع مسافة بينه وبين مفاوضيه، إذ أنهم لا يملكون حرية القرار ( في وضع لا يملك معه…)، عكس المتحدث الذي يتحدث بلغة الحزم، و يستمد قوته من شرعيته الديمقراطية، فمن هو هذا يا ترى الذي يتحكم في المفاوضات عن بعد في رأي المتحدث؟

قال المتحدث: “انتهى الكلام”، هذه صيغة جازمة لا تعكس جو المفاوضات السياسية الرصينة، وتحيلنا على توتر عاطفي للمتحدث، مخلا باللياقة السياسية. و مما يدل على أنه كتب بلاغه في حالة توتر كبير، و انفجر في هذا البلاغ ليرد على خصومه بعد أن أحس بأنهم يسعون إلى تقزيم زعامته للمفاوضات، هو ارتكابه لخطأ نحوي لم تتم مراجعته أو تصحيحه (يكون لكل سؤال جوابا)، هذا بالإضافة إلى موضَعة (topicalization) المتلقي الضمني للبلاغ ( ومعه انتهى الكلام)، و المقصود هنا هو ذلك الشخص المسمى عزيز أخنوش الذي يعتبر المحور الرئيسي في المفاوضات في رأي المتحدث، لكن يبدو أنه خاب ظنه فيه، فانفعل، ثم تضاف ركاكة الخطاب إلى سلسلة الأدلة التي تشير إلى حالة انفعال وتوتر المتكلم، و بهذا التعبير السردي (انتهى الكلام)، يذكرنا المتحدث بحكايات شهرزاد التي امتنعت عن الكلام المباح عندما أدركها الصباح.

و هنا نطرح السؤال حول قصة بنكيران التي اقتربت من اجتياز عتبة المائة ليلة، و بدأ الشارع يمل من بلاغات حكائية و خرجات إعلامية و شكاوى و خطابات…يحكي و يحكي…هل هذا هو الوزير المكلف بتشكيل الحكومة ، كما جاء في توقيعه على البلاغ، وكأنه يؤكد على وظيفته التي سلبت منه على مستوى الممارسة؟ هل حصل استتمام مسخه إلى حكواتي شعبي؟ ما هو يا ترى المقصود من هذا البلوكاج السياسي الذي يعيشه المغرب الآن؟ هل الهدف هو تآكل سمعة قيادي البيجيدي بين الأوساط الشعبية عبر إخصاء فحولتهم الخطابية مع مرور الزمن ( انظر ما وقع للشوباني، وبنحماد، وفاطمة النجار، حيث تتعدد الأسباب، و لكن الهدف واحد: تمريغهم في الوحل).

إن السياسي المحنك يعي تماما أن أمام مرآة البلقنة السياسية تتحطم أوهام ديمقراطية الصناديق، و هذا ما يؤكد عليه البلاغ بنفيه، لأن النفي لا وجود له في الواقع، وحين ينفي شخص شيئا في اللغة، فهذا معناه أنه يشك في الخلاصات التي يتحدث عنها. إذن، فعدم اعتراف المقال بقوة أخنوش والعنصر و غيرهم عن طريق نفيه لغة، هو في حد ذاته شك عميق في قدرة المتحدث على مواجهتهم. هذا بالإضافة إلى أن ممثلي العدالة والتنمية يسقطون واحدا تلو الآخر في فخ البلاغات المسيئة إلى سمعتهم، إذ ينكشف أنهم يفتقرون إلى الحنكة السياسية، فبعد هذا البلاغ المتوتر، جاء تصريح الرميد كالصاعقة مؤكدا بأنه لن يقبل باستبدال الزعيم “محمد الخامس العدالة والتنمية” (المبدأ المتقابل الصامت في ثنائية “بنعرفة” التي ذكرها الرميد)، و يحل محله ليصبح في وضعية “بنعرفة” الخائن للأمانة الوطنية. ما هذه الاستعارة الخطيرة التي تصنع مغالطة سياقية، إذ تضع بنكيران باعتباره رمزا وطنيا يضاهي الملك محمد الخامس في وطنيته و كفاحه ضد الاستعمار. إن الخطير في تصريح الأستاذ الرميد، هو استقراء الاستعارة في سياقات متباينة و متنافرة، لأن محمد الخامس ذلك الملك البطل الذي أحبه المغاربة، و خُيّل إليهم مشاهدة صورته على وجه القمر ليلة منفاه، هو من تحتفظ له الذاكرة الشعبية بمواقفه النضالية الصامدة في وجه الاستعمار، أما السيد بنكيران، فمن هو؟ و هل تاريخ البيجيدي هو تاريخ الأحزاب الوطنية التي قدمت الشهداء، و ملأت السجون لتحقق مكاسب سياسية ينعم الآن بجزء منها دعاة النضال في البيجيدي؟ من هو هذا العدو المستعمر الخائن الآن الذي يحاربه “ملك البيجيدي”؟ هذه مغالطة وخروج عن السياق، و ليس لقادة البيجيدي الحق في المتاجرة الكلامية بالرموز الوطنية المقدسة. إن المعركة التي يخوضها بنكيران اليوم هي معركة مع خصوم سياسيين مغاربة، قد يستخدمون ذكاء الحيلة والدهاء السياسي لإرباك خصمهم، وهذا ما يجب مناقشته و معالجته في إطار اللعبة الديمقراطية، أما استعارة “بنعرفة”، فهذا تعبير إيديولوجي يفرغ المعركة من معاني التدافع السياسي، لينقلها إلى سياق المؤامرة والتخوين، لكن هذه المرة بإدانة إيحائية لمؤسسات الدولة؟ و هذا ما يدفعنا للتساؤل ما إذا كانت العدالة والتنمية تتوفر على كوادر سياسية قادرة على ممارسة الخطاب السياسي الاحترافي المسؤول؟

و حتى المقارنة التي أشرنا إليها سابقا على ضوء العبارة التي أوردها بنكيران في بلاغه (انتهى الكلام)، و التي توازن بين سكوته و سكوت شهرزاد عند حلول الصباح، لا نستشف لها وجها للمقارنة، لأن لو تكلمت شهرزاد بالطريقة البيجيدية في الخطاب ، لما حصلت على صك الحياة في عالم ألف ليلة وليلة!؟

ذ. محمد معروف، أستاذ بجامعة شعيب الدكالي