الرئيسية / أدب ونقد / “أزهـــــــــار اليقطين ” صالحة للاحتساء في جميع الأوقات !

“أزهـــــــــار اليقطين ” صالحة للاحتساء في جميع الأوقات !

بقلم : نورس البريجة خالد الخضري –
الكتابة عن شاعرالبريجةسعيد التاشفيني تستعصي على الوجدان.. رغم ما تكتنفها من متعة التماهي مع إبداعه..والتواصل مع شخصه الهادئ..لأنك لا تكتب عن مجرد شاعر وشعر..ولكن عن “حالة ” شاعرية وإنسانية مركبة. بمعنى آخر، إنك تدخل معه في حالة وجد وإبداع لما يبدعه، فيسكنك قريضه إلى درجة لا تستطيع أن تنتقي منه نموذجا أو أكثر لتقديمه للقارئ محفزا إياه على قراءة الديوان برمته.. وبالتالي لا يمكنني والحال هذه إلا أن أقدم ديوان سعيد التاشفيني الأخير (أزهار اليقطين) بإيجاز وبساطة تامين، على النحو التالي :
– “أزهار اليقطين” ديوان صالح للاحتساء في جميع الأوقات وعدة مرات دون أن يصيبك بتخمة أو إسهال.. و إنما بلهفة لمزيد من القراءة والارتواء منه ومن شعر سعيد التاشفيني بصفة عامة.
1- الشعر أمل وألم:
هناك مدنتذكرببعض أعلامها ومبدعيها في مختلف روافد الفن والإبداع.. وحين نذكر الجديدة والشعــــــرنذكر وبامتياز شاعرها سعيد التاشفيني.. الذي لا يكتب فقط شعرا، ولكنه يتنفس قريضا ويحيى نظـما.. علاقته بهذا الجـــدول علاقة حيويــة بحيث لو تم إجراء تحليل لفصـــيلته الدمويــــة ستكون النتيجـة :”شعر + شعر = فصيلة مانحة ومعطاء” بالمفهوم الطبي وناجعة بالنسبة لكل من يتم حقنه بها.وديوانه هذا يثبت هذه العلاقة الجدلية بينه و بين الشعر، انطلاقا من الإهداء إلى آخر نظم له على ظهر الغلاف الأخير للديوان..كتب سعيد في كلمة إهدائه في ص3:
»إلى كل من يؤمن بالشعر عزفـا بالسماء..وقبسا من أنوار الأنبيـاء.. و جنــونا تميز به العــــقلاء.. و جسرا لوصل الحاء بالباء.. أهدي أزهار اليقطين.. و كلي يقين بأن الشعر سيبقى مدى السنين بلسما كلما استفحل الداء و عز الدواء « .
لكن بعد هذا البوح الجميل بقيمة الشعر يعود الشاعر ليفنده فيقر في متم قصيدته ( توبة ) بالصفحة :16 »الشعر كلام فارغ … و الأفرغ منه حياة الشاعر «فمن نصدق بوح ” الإهداء ” أم إقرار ” التوبة ” عموما هو شعر.. و قديما قال حكماءهذا الفن: » إن أصدق الشعر أكذبه «.
ثم يعود ليصف الشعر ب ” البلسم الأطهر ” متسائلا في الصفحة 29: » هل في الكون أجمعه..بما يخفى و ما يظهرْ.. بنبل الشعر.. لو قسناه.. أو كالشعر إذ يسحرْ ! .. و هل كالشعر.. من أعطى.. لمن صافاه .. هذا السر..هذا البلسم الأطهر « ؟.
ويستمر سعيد في الجزء الأول من ثلاثية ديوانه يحاور الشعر، يستلطفه تارة.. و ينازله تارة أخرى ..فنجده يغازله في ( كلّمتني القصيدة) في ص: 32/33 منتهيا باستسلامه لسطوة هذه القصيدة و تحكمها في رقبته في الصفحة الأخيرة من الغلاف : »أتيت القصيدة ليلا.. أطلب وصلا.. طلبتْمهرا.. قلت دمي .. زادت من ألمي … قالت أنت و بما فيك.. و بما تملك في مهري لا يكفيك .. حسبك جهلا .. أيها الشاعر المفعم.. أنك لا تعلم ..أن مهر القصيدة: ألـــــــــــــم «
فماذا نصدق من مجمل هذا النظم : مدح الشاعر للشعر والتغزل بالقصيدة؟أم مناهضتها والتظلم من جورها و ما تسببه له من ألم؟ كلا الأمرين جائز والشاعر صادق فيهما معا.. فالإبداع عامة تكمن متعته في معاناته وتتجسد معاناته في متعته !
2 – أكاليلالبوح..و الغزل
قسم الشاعر أزهار يقطينه إلى ثلاثة أجزاء.. أطلق على أولها عنوان: ” مقام البوح.. رذاذ ومطـر ” و يضم قصائد تتنوع بين ما هو عاطفي و اجتماعي ووطني…الإكليل أو الجزء الثاني عنونه ب :
” مقامالغزل.. لك الإمارة يا ليلى ” و هو كما يدل عليه عنوانه خاص بالغزل و الحب و ما ينطق عن الهوى .. قصائده رائعة سلسة، فيها العمودي الموزون و الحر الطليق.. بدءا من قصيدة الافتتاح ( الليل يا ليلى ) وهي بمثابة معارضة للقصيدة المعروفة التي تحمل هذا العنوان أيضا،من كلمات مصطفى محمود،تلحين وأداء المطرب اللبناني الراحل وديع الصافي .. فينشد سعيد :
»إن تسألوا عني فلتسألوا الليـــل فعنده خبري منذ سافرت ليــــــــــلى
قد أودعتني لديه وهي هامســة يا ليل، في العشق هذا لم يزل طفلا
إلى أن ينتهي :
و صرت إن سألتني و هي حالمةماذا دهاك؟أجيب :الليل يا ليلى «
ثم تتوالى قصائد الحب متسربلةغزلا ناعما.. عشقا راقيا.. دفئا عاطفيا لا نكاد نحس له وجودا في واقعنا الأغبر. و هكذا نجد الشاعر يتغنى ب ( عيون الغيد) و ب ( ارتعاشة التمني ) هامسا في أذن حبيبته بأحلى شهقة..راميابنفسه في الحكاية لينتهي إلى نتيجة رائعة يؤمن /نؤمن بها و هي أن:
” الحب سيبقى في الدنيا ” ص 74 .
3 – و من الشعر ما رفّه
الإكليل و الجزء الثالث عنونه ب: ( مقام الهزل :أقصودات و قصيدات ) .
و هو كما يدل عليه عنوانه أيضا جزء طريف.. فقد أجاد سعيد في تحويل طرائف رائجة إلى قصائد أو بالأحرى إلى ” أقصودات ” كما أسماها، دون أن يخل لا بالمحتوى الفكاهي للحكاية ولا بالجرس الموسيقي و الوزن الشعري للقطعة.. مثاله تلك النكتة التي تحكي عن شجار شب بين زوجين صرخت على إثره الزوجة في زوجها :
– و الله لو عرفت الشيطان قبلك لتزوجته بدلا منك
فرد عليها الزوج :
– مستحيل يا عزيزتي لأن الدين يحرم الزواج بين الأخوين.
فسعيد صاغ الطرفة على النحو التالي :
» قالت له : بعد خصام بينهما و شجار..ندمت لكوني تزوجتكأنت.. و لم أتزوج من شيطان.. على ما فيك.. من الغيرة و الشك و البهتان…رد عليها مبتسما.. الأمر بسيط جدا.. جلي للعيان.. زواجك يا زوجتي من أخيك.. تحرمه كل الأديان« ص 148 .
وعلى غرار هذه الطرفة، فعل مع حكاية أو نكتة ال (أميّة):
»طفل أنشد: طلع البدر علينا.. من تنيات الوداع.. عنّفه الأب: قد قلت مرارا.. لا تعبث بالقرآن.. قال الابن: ما هذا بقرآن.. هذا محض أناشيد وأغاني.. قال الأب في نفسه: ما أسخفني.. ما أغباني.. سامحني يا الله.. لأني صليت بها.. ألف صلاهْ ! « ص 135.
هي قصيدات ترفيهية لا تمل من قراءتها وإعادة قراءتها مع استحالة ألا تثير على الأقل ابتسامتك إن لم يكن ضحكك.. و سعيد فعلا يثير زوبعة من الضحك حــين ينشد قريضــــه فــي محافـــل ثقافيــــة و فنيــة و بدون ورقة و لا كتاب.. فهو يمتاز بقدرة خارقة على حفظ أشعــاره بسائــر أصنافــها و أصبح معروفا بقصائد معينة عادة ما يكرر الجمهور طلب قراءتها كقصيدة (عاشق الشعر) والذي هو ليس سوى “فأر” يسكن مع الشاعر في حجرته !!فيلتهم أوراقه و أشعاره إلى أن خاف عليه من عدوى الشعر وما قد تجنيه عليه متى أصبح شاعرا مثله:
» لكن حذار.. فعدوى الشعر قاتلة.. و الشعر يُعدي.. و إن عشقته أكلا.. خوفي عليك متـى.. أدمنتــــه و مشى.. بينالعروق.. تناجي في الدجى ليلي .. فيسمع القط صوتا.. يقتفيك به.. فتمضي بجرم هوى.. لم تجنه أصلا« ص : 111/112 .
4 – قرد عاشق.. وأرنب مثعلب !
ففي هذا الجزءيتفكّه شاعر البريجةبالأصدقاء الذين يتنكرون بعد أن يستوزروا (صديقي الذي).. ويتسلــى مع الحيوانـات 🙁 الديك الشــاعر) – و (القرد العاشــق ) و( الفـأرة تيـزال ) و ( الأفعـــى ) و “الحمار الذي – وحده بدل الحصان و البغال و الفيلة – يثير الغبار “.. كمــا يتفكّــه مع و باللغة العربية – وهو الضليع فيها كأستاذ في مادتهـا – فيسخر من ( الفاعـــل ) و اسم الفاعل رغمــا عنه .. و عن ” إن ” التي نصبت عن المبتدئ، ف”أخذته على غرة.. رفعت خبره.. و محت أثره”…
ومن أطرف القصائد و أشدها بلاغة والتي عادة ما يختم بها سعيد قراءاته في المحافل الجماعية، واصفا إياها ب “أطول قصيدة” فيُفزع الجمهور خصوصا متى تم ذلك في آخر الليل أو في نهاية جلسة مطولة ـ حين يكون التعب والسهر قد نالا من الحاضرين – فينشد التاشفيني(مطولته) هذه و التي سأنهي بها هذه القراءة أيضا – رغم طولها – لتحل المفاجأة، حيث إن مدة قراءتها لا تستغرق سوى ثوان معدودات.. !!إذ هي تبقى أقصر وأطرف قصيدة لديه.. عنوانها ( مسخ ) كالتالي :
»تثعلبأرنـــــــب
فتعــــــــــــذب « !
5– الغلاف: إخلاص وانتماءدكالي
وفيه هو الآخر شطران مبنيان على لفظتين: “أزهار” و”يقطين” .. الأزهار معروفة واليقطين، ذلك النوع من الخضر الذي يكاد يدخل في صنف الفواكه.. إنه “القرع” الذي اشتهرت به منطقة دكالة التي ينتمي إليها الشاعر.. إحالة ذكية وعنوان مدروس، يحمل قدرا كبيرا من روح الإخلاص المحلي دون تعصب قبلي.. فاليقطين ليس مجرد مادة غذائية ولكنه في نفس الوقت مبعث إلهام ومنبع وحي.. فدكالة وكما هو معروف منذ بعيد، أنحبت العديد من الأزهار المبدعة في مجالات الفكر والثقافة والسياسة والفن والقانون… بدءا من العالم العلامة الشيخ أبي شعيب الدكالي، والشاعر عبد الرحمن الدكالي وعبد الرحمن المسفر وعبد الواحد القادري والفقيه العالم إدريس التاشفيني – والد سعيد – مرورا بالكتاب المفكرين: إدريس الشرابي وعبد الكبير الخطيبي وعبد الله العروي… والمسرحي محمد سعيد عفيفي والممثلة عائشة مناف.. والفنانين الكوميديين اخليْفة وولد قرّد وسعيد سكومة.. والفنانة التشكيلية الشعيبية طلال وزملاؤها بوشعيب الهبولي وعبد الله الديباجي وعبد الحميد قلمون و… وعبد الكريم الأزهر الذي تفنن في تصميم عدد كبير من أغلفة كتب الشعراء والكتاب المغاربة وضمنهم غلاف (أزهار اليقطين) الذي يجسد حبة يقطين وقد أزهرت وريقات ورؤوسا بشرية قد تكون هي هذه القصائد التي ضمها الديوان.. وقد تكون إبداعات أخرى.. فاللوحة مفتوحة على أكثر من قراءة…

شاهد أيضاً

واقعةُ خبز . قصة قصيرة .

تشبًّـعت مناخري برائحة خبز مقلي وأنا لازلت في فراشي . إنها لبائع الفطير المجاور ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *