أخر تحديث : الأحد 14 مايو 2017 - 11:27 صباحًا

تسيير مؤسسة جامعية بمنطق اللوبي والتحالفات المصلحية: كلية الآداب بالجديدة نموذجا

بتاريخ 14 مايو, 2017
تسيير مؤسسة جامعية بمنطق اللوبي والتحالفات المصلحية: كلية الآداب بالجديدة نموذجا

تُعتبر الجامعة بجميع مكوناتها قاطرة للتنمية في المجتمع، ومركز إبداع علمي ومنارة إشعاع متجدّدة للفكر والمعرفة، كما أنها تعتبر أهم محرك لتقدّم ورقيّ المجتمعات والشعوب من خلال ما تقوم به من نشاطات تعليمية، وما تنتجه من بحوث وابتكارات علمية.
وتعتبر الجامعة كذلك فضاء للنقاش والتعدّدية والاعتراف بالرأي المخالف، ونشر قيم المواطنة وفضائل السلوك المدني في الممارسات اليومية للأفراد والجماعة والمؤسسات وترسيخ أسس التسامح، بالإضافة إلى أنها حاضنة للعلماء والمفكرين وقادة الإصلاح ونخبة المجتمع.
أين كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة شعيب الدكالي من كل هذا ؟
للإجابة عن هذا السؤال، ولفهم لماذا أصبحت كلية الآداب والعلوم الانسانية بالجديدة مقبرة جماعية لدفن النخب المنتجة والمتنورة في كهوف النسيان وتفريخ نموذج “الزومبي”، وكيف تحوّلت وظيفة ودور طاقمها الإداري من تقديم خدمات وتحقيق أهداف جميع مكونات الكلية إلى سيف ديموقليس مُسلّط على رقبة كل من يعارض أو يتعارض مع مشروع لوبي متحكم في زمام أمور المؤسسة، دعونا نلقي نظرة سريعة عن الفترة الأخيرة من عمر هذه المؤسسة، سيئة الحظ.
خلال 12 سنة الأخيرة، تعاقب على تسيير كلية الآداب والعلوم الإنسانية ثلاثة عمداء، ولا يختلف اثنان على أن هذه الكلية عرفت في السنوات الأخيرة من هذه المدة أسوء مرحلة في تاريخها، وأصبحت نموذجا متفرّداً في سوء التسيير والتدبير، بل ارتفعت فيها المشاكل والفضائح والخروقات على كافة المستويات بشكل تصاعدي وملفت، وباتت رائدة في تدبير الدسائس والمكائد، وقطع أرزاق العباد.
وقد تميّزت هذه المدة، باحتفاظ العمداء الثلاث بنفس الطاقم الإداري، في سابقة غريبة وفريدة وعجيبة لا تجد لها مثيلاً في أي مؤسسة جامعية في العالم.
قد يقول قائل أن القاعدة تقول أن الفريق الكفء لا يجب تغييره، لكن العارفين بخبايا الأمور يفسرون عدم تغيير الطاقم الإداري لمدة تناهز 12 سنة، ليس لكونه فريق كفء وجدير بالاستمرار في المسؤولية، بل لأنه شكّل لوبيا نافذا يتحكم في مفاصل إدارة كلية الآداب والعلوم الانسانية بالجديدة، ويقرر فِي كل كبيرة وصغيرة منذ أكثر من عقد من الزمن.
هذا اللوبي الذي يستفيد من عدة امتيازات (سنعود إليها لاحقا)، همه الوحيد هو استفادته من الريع وتنمية أرصدته البنكية ومشاريعه العقارية عِوَض تنمية المشاريع الأكاديمية ومشاريع البحث العلمي، ومن أجل ذلك أصبح شغله الشاغل هو وضع حواجز منيعة تعترض طريق كل أستاذ باحث يتوفر على مشاريع علمية ويسعى للنهوض بالمؤسسة ومستواها العلمي، ومحاربة كل الأصوات المعارضة وكل الشرفاء الذين يفضحون أهدافه ومشاريعه، مستعملا في ذلك كل الوسائل والأساليب لتكميم الأفواه، من شكايات كيدية وفبركة الملفات وإحالتها على المجلس التأديبي، والتهديد والترهيب والسب والقذف وما إلى ذلك. وهذه بعض الأمثلة لأساتذة باحثين وموظفين تعرضوا لمكائد ودسائس هذا اللوبي:
إحالة أستاذة زميلتهم على المجلس التأديبي بناء على ملف مفبرك، بعد أن مارسوا عليها وهي امرأة كل أساليب الترهيب والضغط والحصار إلى أن انتقلت الى مكناس، لأنها رفضت الخضوع للتعليمات والإملاءات.
إحالة أستاذ زميلهم على المجلس التأديبي وممارستهم لضغوطات رهيبة، من أجل تجريده من شهادة دكتوراه الدولة، بل منهم من طالب بطرده نهائيا من الجامعة ومحاكمته. وقد مارسوا كل الضغوطات وحاربوه وحاصروه، إلى أن انتقل الى سطات، لأنه ينتقد سوء رداءتهم في مجال التسيير وينشرها في الصحف.
أستاذ زميلهم سمح في منصبه وغادر الكلية نهائيا، بعد أن تعرض لضغوطات رهيبة ولكل أنواع الدسائس والمكر، لأنه كان يجادلهم ويرفض إملاءاتهم.
تهديد أستاذ زميلهم بإحالته على المجلس التأديبي بعد أن مارسوا عليه (ولا يزالون) كل أشكال التهديد والترهيب والحصار، لأنه كتب مقالا عن أستاذة شبح تستفيد من الترقية.
تهديد أستاذ زميلهم بإحالته على المجلس التأديبي ومحاكمته في مجلس المؤسسة، بعد أن لفّقوا له تهمة نشر كاريكاتير في الفايسبوك. والسبب لأنه يكتب وينتقد ويفضح الاختلالات والخروقات بالكلية.
رفع دعوة قضائية ضد أستاذ زميلهم من طرف نائب العميد “المكلف بالبحث العلمي”، مآزرا بنائب العميد المكلف بالشؤون البيداغوجية وأستاذان باحثان. وقد أبى المشتكي والأساتذة الأجلاّء الثلاثة إلاّ أن يضحّوا بجزء من وقتهم الثمين للحضور في الجلسة الأولى، والجلوس في قاعة المحكمة لأكثر من ثلاث ساعات إلى جانب شهود في قضايا السرقة الموصوفة والاغتصاب والنصب والاحتيال والسكر وما إلى ذلك، ينتظرون المناداة عليهم للإدلاء بأقوالهم وشهادتهم، في منظر أقل ما يمكن أن يقال عليه أنه منظر يعبر بشكل جليّ عن إفلاس النخبة المثقفة ومستوى الفراغ القيمي الذي وصل إليه الأستاذ الجامعي.
أما ما يتعرض له الموظفون فحدث ولا حرج.. ولعل خير مثال، ما تعرض له الراحل محمد بنحدو، الموظف الذي كان يقلق راحتهم ويزعجهم بجرأته وشجاعته في انتقاد سوء التسيير، حيث تعرّض لعدة مضايقات وتعسفات وتهديد وتهجم، آخرها التهجم الذي تعرض له في مكتبه من طرف نائب العميد 48 ساعة فقط قبل وفاته، بعد ان سقط داخل الكلية يوم الجمعة 13 نونبر 2015 (وفاة لازالت زوجته تطالب بمعرفة حقيقة ما وقع لأب أولادها ساعة قبل وفاته..).
للأسف الشديد، هذا هو النموذج الذي استطاعت كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة أن تنفرد بصناعته في السنوات الاخيرة، نموذج ليست له القدرة على نهج أساليب الحوار وقبول الرأي المخالف، نموذج يخضع لمنطق لوبي يسعى إلى وضع حواجز منيعة تعترض طريق كل أستاذ باحث يتوفر على مشاريع علمية ويسعى للنهوض بالمؤسسة ومستواها العلمي، لوبي يختبئ في مكاتب مظلمة ويخطط لقطع أرزاق العباد، وبين الفينة والأخرى يتجول في ممرات الكلية في استعراض طقوسي لقوّته “الزومبية” الفريدة، التي أمست عائقا حقيقيا أمام إقلاع وتطور الكلية وتهدد مستقبل الجامعة.
ومن المفارقات الغريبة، هو أن كلية الآداب بالجديدة تزخر بالأساتذة الباحثين ذوي الكفاءات الأكاديمية والعلمية العالية (نقولها عن قناعة وبصوت مرتفع)، وتزخر كذلك بإداريين مشهود لهم بتضحياتهم الجسام، وتفانيهم في عملهم خدمة لمصلحة الجامعة، لذلك نعتقد أنه آن الأوان لطي هذه الصفحة السوداء من تاريخ الكلية، وفتح صفحة جديدة تمكّن هذه الكلية من أن تتبوأ المكانة التي تستحقها ضمن باقي المؤسسات الجامعية، وأن تنعم بطاقم إداري كفء يؤمن بالحوار ويحترم جميع الأساتذة الباحثين والموظفين، ويقدّر مجهوداتهم، عوض طاقم “زومبي” لا يتطور ولا يفنى، والذي يقتات من ميزانية المؤسسة، ويستفيد من تعويضاتها السخية بدون حسيب ولا رقيب.

ذ. غريب عبد الحق
كلية العلوم بالجديدة