“صابون تازة”

صابون تازة ” أو “سفينة الحمقى” – بقلم: الحبيب الدائم ربي
عن موقع: المنار الثقافية الدولية.

قد تسمح رواية “صابون تازة” للراحل الدكتور إبراهيم الحجري بأكثر من قراءة وبأكثر من تأويل نظرا لما تعلنه طبقاتها الدلالية وما تضمره، حتى أن القارئ العجول قد يقع في فخاخها المضللة إن على صعيد المتن أو المبنى الحكائيين، والحال أن المتن  متون افتراضية وأن المبنى طبقات وتضفيرات، وعليه فإن قراءة سريعة من شأنها أن تفترض الحكاية في هذه الرواية كالتالي” يوصي الأب في لحظة وفاته ابنه ليزور بلدة “كطرينة”، فيركب مغامرة البحث عنها في رحلة غرائبية مسترشدا بما كان يحكيه له عنها والده، ليكتشف فيها أمورا ستقوده إلى الحمق والجنون” إلا أن هذا الاختزال في تلخيص المتن قد يقفز على أمور جوهرية ترتبط بكيفيات التسريد وصوغ المغزى الأطروحي في هذه الرواية، والمرجح أنه ينبغي التدقيق في بعض التفاصيل الصغيرة التي من شأنها أن تشكك في ما يشبه بداهة الحكاية في “صابون تازة” ذلك أن  الوقائع فيها قد تكون جرت بشكل مغاير هذا إن جرت فعلا، أو هي على الأرجح وقائع بلا مراجع مادية ملموسة، إلا ما يعتمل في مخيلة الشخصية المحورية. إنها شبه كوابيس أو أضغاث أحلام تسافر بالقارئ والسارد على “سفينة مجنونة”، سفينة سردية جانحة حيث يتعايش في رحلتها المقدس بالمدنس. ما لم نقل إن مظاهر القداسة فيها تخفي مباءة من الدنس. و تبتدئ الرواية هكذا” لست أدري لماذا استيقظت في ذهني تلك الحكاية التي قصها عليّ والدي مثل الخرافة قبل عشرين سنة من وفاته”(ص.5)، فيما  تنتهي هكذا “استيقظ الأستاذ مفزوعا على صوت أمه العجوز وهي تناديه للفطور….وجد عظامه مهروسة. كان كابوسا فظيعا…كان أخوه وأمه ينتظرانه باسمين… حاولا أن يقحماه في جوهما المرح، غير أنه كان مشغولا بكابوسه الليلي الفظيع، وبـ”كطرينة”، وبمحاضرة الطلبة التي تنتظره تحت عنوان “سيكولوجيا الجنون في الثقافة العربية الإسلامية، وما يحيط به من طقوس”.(ص.ص. 182-183). ولئن كان من مجنون في الرواية فهو القارئ الواقع في ظنون البرنامج السردي لـ”صابون تازة”، بما هو وسم اختاره الكاتب إبراهيم الحجري لباكورته الروائية بغرض  وضع أفق انتظار قارئه أمام مفترضين متناقضين كلاهما ممكن، نظرا للدلالات الحافة لهذا العنوان الحدي  الذي بقدرما يحيل إلى الإمكان يحيل كذلك إلى الاستحالة. وهذا في حد ذاته يضرب مبدأ الهوية وعدم التناقض في المنطق الصوري، أي أنه يخرق قانون الاحتكام إلى العقل. فمن المعلوم أن “صابون تازة” مادة  فعالة  في مجال التنظيف، واكتست ثقة مستعمليها  حتى نالت شهرة تجاوزت مدينة تازة، إلا أن ذكرها في المأثور الشعبي، صار كناية على ما لاحل له من  الوساخات والتعقيدات التي باتت تطرحها العلائق الاجتماعية في واقع تسيجه المطبات وتنخره المفاسد. وتلك مفارقة لايقبلها عقل سليم. فنحن من جهة أمام صابون موضع ثقة ونحن من جهة أخرى  إزاء وساخة لا يزيلها أي منظف ولو كان “صابون تازة”. ولكأن الكاتب بهذا التوسيم كان يستحضر فعل الكتابة في علاقته الملتبسة بالواقع بين الإمكان والاستحالة.  وفي المقابل، كان يرسم الأفق الحدي لمغامرة شخوصه، المنطلقة على هواها و المشدودة إلى أقدارها العبثية، في تجربة الحكي والحياة. بمعنى أنه كان  يستدرج المتلقي  إلى الانخراط في مغامرة تخييلية ستخوض غمارها شخوصه  المحكومة بالتحدي والإخفاق معا شأنها شأن أي حلم سقف طموحه محال.
لهذا فحكاية “كطرينة” قد تكون مجرد وهم بناه الأب في ذهن ابنه من وحي تدخين الحشيش. ألم تكن  تنهره زوجته مرارا ، وهو يجتر “هلوساته”، أمام الطفل الصغير، و”تصده عن الحكي ، وتقول له: لعلك بدأت تفقد عقلك، علينا أن نحملك إلى بويا عمر أو برشيد لتعالج من نوبات المس!” (ص.ص.10-11). نقول هذا لأن “عمي الكريش”(الأب) لم يكن رجلا جادا تماما. فبخلاف الصورة المتجهمة التي كان يبدو عليها الأب، وهو  يشحن ذهن ابنه بـ”محكيات قاسية” عن مسقط رأسه المزعوم  “كطرينة”، التي تركها هاربا من بطش المستعمر وأذنابه، كما يدعي. ليستقر بهوامش الدار البيضاء فقد كانت مع أصدقائه في مقهى  بوجمعة الشياظمي بكريان المسيرة مسامرات حول “النساء والمغامرات والفروسيات البائدة”إ.ذ  كان “يحكي لهم النكات، ويسرد عليهم قصص ألف ليلة وليلة والأزلية وأوديب وغيرها”، و”يسليهم ويفرج عنهم ويفتي عليهم المشورات”(ص.11). إنه صورة لأحمد عبد الجواد بطل ثلاثية نجيب محفوظ، في تقمصه السلس لدورين متناقضين تقريبا. ولأن الأب لم يكن يجد من يقاسمه جنونه في البيت، فالزوجة خبيرة بفشله والولد الأكبر والبنت كانا منشغلين بحياتهما، فقد كان، كبطل هيمنغواي، في حاجة إلى من يقص  عليه خرافاته ولو كان حصانا…لقد كان الحصان الذي لا يجادل في الحكاية هو “ربيع”. قد لا يكون الأمر سيئا تماما أن يحكي الأب لابنه، قبل النوم، حكاية. فالجنون هو أن يصدّق الحصان الحكاية، قد يكون الحصان هنا هو القارئ وليس السارد، لأن السارد، كما قلنا، أستاذ باحث في “الجنون” وليس مجنونا. الجنون موضوع وعيه وتفكيره .. هو إذن داخل السفينة الجانحة وخارجها في آن، فتظاهره بالجنون ومشاركته في عوالمه لا يعدو أن يكون ملاحظة بالمشاركة. لربما كانت حكايات الأب هي التي وجهت ذائقة الابن ليختار”علم الاجتماع” و”علم النفس”. لهذا فمن المستبعد أن يكون ربيع قد جن جراء الحكايات الغريبة التي ماانفك الأب يرددها على مسامعه( أولا، ليس من المصادفة أن يسمى الأب “عمي الكريش”(تصغير قرش)  وليس من المصادفة كذلك أن يسمى السارد “ربيع”.) نحن بهذا التخريج نفترض بأن “الكريش” كان رجلا فاشلا، أو على الأقل بأنه كان يعوض عن فشله بـ”بطولات” هي من بنات خياله ليس إلا. فهي تؤدي وظيفة تعويضية من شأنها التخفيف من شدة الفقد، وهو الأمر ذاته الذي يجعل من الجنون تعقلا وفق منطق ما. إنه البحث عن توازن في الاختلال. حتى أن حكاية المستعمر التي يختلقها كذريعة لمغادرته ، هو وصديقه عباس، القبيلة لا تجد، ماعدا الابن، من يصدقها. لقد فر من القبيلة بسبب “كطرينة” ولم يطرد من “كطرينة”. والفرق سيتبين للإبن شاسعا حين يقتفي اثر الحكاية لاحقا.  لكن هل كان الأب ، وهو يسرد قصصه اللاتنتهي، يدرك أنه كان يهيئ ابنه لارتطام أشد قسوة مع مراجع تلك القصص؟. الارتطام هنا ليس حكم قيمة، وإنما هو تحريض على الذهاب إلى الأقاصي الممكنة للمعرفة في أشد نقاطها حساسية. فلعشرين سنة ظلت تفاصيل  عوالم “كطرينة” تنحفر في دواخله حتى باتت” حدود   الحكاية والواقع تبدو  لديه ” واهية أو تكاد، تماما كالحدود بين التعقل والجنون. ومات الأب”  وفي نفسه شيء من كطرينة”. لقد قال وهو يسلم الروح” “يابني، زرْ كطرينة”.(ص.12). لقد كان البرنامج السردي  في حاجة إلى “موتيف ” صغير يؤدي إلى  انقلاب أرسطي نحو المأساة والجنون. وبموت “عمي الكريش”، كر العد العكسي للحكاية. انتهى الطريق، بلغة جورج لوكاش، لتبتدئ الرحلة نحو مراجعها المفترضة. فلعقدين خلوَا كان “ربيع” يكتفي بالقول الحكائي لأن  والده ظل بالنسبة إليه ذلك الحاجز الواقي بين الحكايات ومراجعها. أما وقد مات الأب،، فقد انحفرت، أمام الابن الغض، هوة سحيقة لاسبيل له إلى ردمها إلا بالتيه في أنفاقها المظلمة. وهكذا كان. فلكأنه بهذا كان مضطرا لوضع معارفه النظرية “في علم الاجتماع” تحت طائلة الاختبار الميداني. وما كان منه سوى أن يركب “سفينة المجانين” بحثا عما تبقى من آثار “كطرينة”. ويالهول ما اكتشف: فلا أحد أخبره بالحقيقة الغائبة، بعضهم جعلها قرية والآخر جعلها “جنان كرم”، فـيما توحي المؤشرات المستقاة من عين المكان أن “كطرينا” ليست قرية ولاقبيلة ولا جنان كرم، إنها مجرد استعارة لعار ظلت كوابيسه تطارد “عمي الكريش”. هي امرأة شارك في اغتصابها مع آخرين وغادر القبيلة خوفا وشنارا. صحيح أنها كانت زوجة حاكم جائر موال للاستعمار هو القائد “بوشعيب المعنكش”، لكنها لم تقترف ذنبا يستوجب الاعتداء.  ألهذا بقي في نفسه شيء من “كطرينا” و حمّل ابنه أمانة زيارتها والاعتذار لها، خاصة وأن الضحية لم تخبر زوجها بالاعتداء؟.
لكن الرحلة المفترضة لم تتم أصلا  ، فهى لا تتعدى الكابوس الذي لازم الأستاذ في المنام وهو يفكر في موضوع بحثه عن “الحمق والجنون”.
وعليه فالغوص في قاع الحكاية، عبر ذريعة تفقـّد أحوال ومآل القبيلة، سوف يكشف إلى أي مدى تسبح سفينة واقعنا في مستنقع النفاق الاجتماعي والديني. هو ذا البحث الذي سينجزه الأستاذ ربيع حول ” سيكولوجيا الجنون في الثقافة العربية الإسلامية”، انطلاقا من ثلاث عينات دالة: زاوية سيدي مسعود، وزاوية سيدي رحال، و زاوية بويا عمر. هذا ما لم ينسحب التشخيص على واقعنا العربي والإسلامي بكامله، حيث يسود النفاق وتتزيا الرذائل باسم الأخلاق والدين.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.