fbpx

أحمد الريسوني الذي يجهلون والمشروع الذي يخدمون

بقلم: ذ . ماهر_الملاخ

على إثر تصريح سابق للشيخ أحمد الريسوني، وبعد أسبوعين منه، اشتعلت مملكة السفهاء، ومعقل الرويبضات، مواقع التواصل الاجتماعي، بالتطاول على سماحته بمستويات تعكس الواقع العام لذلك الفضاء، والذي تطغى عليه السطحية والرداءة. وقد تفاجأت أن معظم من نالوا من سماحته لا يعرفون عن سبقه ولا علمه ولا مواقفه.
وانا هنا لا أدافع بالضرورة عن تصريحه، وقد أكون مختلفا معه مضمونا وطريقة وتوقيتا.
لكن ما هو قطعي ومؤكد أن السكوت عن هذا التطاول على أحد الرموز العلمائية في العصر الحديث، لا يجوز، ليس لشخصه الكريم في حد ذاته، ولكن لمآت ما تنطوي عليه هذه الحملات من أغراض تخريب وتدمير لمقومات هذه الامة.
فأحمد الريسوني، نموذجا، يمثل مساره العلمي والنضالي
عن جدارة واستحقاق، ذلك المناضل العضوي، حسب تعبير غرامشي: فهو لم يكتف أبدا، كما اكتفى غيره، بالانزواء بين جدران المكتبات و إغطاس صفحة وجهه في بطون الكتب. ولا حتى لم يسع لاستغلال قيمته العلمية للتسلق في مدارج المناصب الرسمية وغيرها، وكم كانت ولا تزال متاحة بين يديه. بل آثر أن يكون شاهدا على الأحداث التي تعيشها الأمة، معبرا عن مواقفه، مجددا في أطروحاته، دون أن يضرب أي حساب لتبعات ذلك التعبير، وهو ما كان ولا يزال موضوعا يختلف فيه معه إخوانه من العلماء وتلاميذه من طلبة العلم، ورفقاءه في الدرب.
وكثيرا ما أدى الثمن غاليا على ذلك، معرضا حتى أمنه وحريته للخطر.
وهو مع كل ذلك، يتمتع بدرايته الفذة، وقدرة تجديدية نادرة، مكنته من أن يبدع #قاعدةالتقريبوالتغليب الفقهية، مكسرا بذلك جمودا في هذا المجال دام سبعة قرون.
فمنذ أيام مدينة العرائش، حيث كان قوميا ناصريا، وإسلاميا متنورا.
ثم عالما مقاصديا وزعيما تنظيميا، وعضوا مؤسسا لمشروع الدراسات الاسلامية بالجامعات المغربية أيام العاصمة الرباط.
ثم باحثا أكاديميا لأكبر موسوعة فقهية في التاريخ الاسلامي: معلمة القواعد الفقهية، أيام مدينة جدة.
وأخيرا رئيسا جامعا لأكبر تجمع علمائي: الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أيام مدينة الدوحة…
وهو في كل ذلك هو هو: جريئ في مواقفه، معتدل في طروحاته، متواضع في أخلاقه. نابذ للفرقة، كاره للتقليد والجمود:
فحين قررت قوى الظلم الامريكية الاعتداء على العراق انطلاقا من ارض الحرمين سنة 2001، سارع بالتنديد بالعدوان وبالاستعانة بقوى الشر الغربية، فشارك في المسيرات والاعتصامات ووقع العرائض والبيانات.
وحين رأى أن مؤسسة إمارة المؤمنين بالمغرب
بدأ دورها يتراجع في محطات كثيرة سنة 2003 ، عبر عن موقفه بضرورة تقويتها وتجديدها، وهو ما كلفه الكثير في مساره المهني والتنظيمي والاجتماعي.
وحين انتفضت الشعوب العربية المقهورة ضد استبداد وفساد الأنظمة العربية، كان في طليعة المساندين والمساهمين الأدبيين حضورا ومواكبة وتأصيلا.
وحين وقعت كارثة التطبيع المغربي المشؤوم، أواخر 2020، رفع صوته عاليا بأن التطبيع مرفوض حكما ومقصدا، شرعا وواقعا، لكونه مفسدة مطلقة، لا أمل يرجى منه، ولا مبرر يسوغه ولو كان هو تحرير الأوطان ووحدة التراب.
هكذا كان هذا الرجل ولا يزال.
وحين رأى أن الصهاينة الأغراب والمتصهينين من بني جلدته قد أخذوا قميص الصحراء المغربية، ويطوفون به الأرجاء، ويزايدون به على الوطنيين المخلصين، متخذينه لجة لاختراق وتخريب اقتصاد وسياسة البلاد ونسيجه الاجتماعي والثقافي، قرر رفع السقف، معلنا أننا نحن أصحاب هذا الحق، إذ لا مندوحة لنا منه غير تحرير الوطن وتوحيد التراب.
وليختلف مع سماحته من يختلف، وليتفق معه من يتفق، فكل ذلك في مجال السجال مباح… ولكن.. ولكن أن تتوقح رويبضات مواقع التواصل الاجتماعي على مقامه ومنزلته ومقداره الاعتباري، جهلا أو تجاهلا، فذلك ما هو مرفوض بكل اللغات، وعلى كل الغيورين على هذه الأمة ورموزها، وخاصة الإسلاميين من كلا الطرفين، أن يحذروا خطورة هذا المسار. حتى لا يندموا يوم تنهار كل الرموز والمقدسات. فلا يجد أي طرف بما يزايد على الطرف الآخر.
فالامر قطعا لا يتعلق بشيخ اسمه أحمد الريسوني، ولا بموضوع خلاف عن تندوف أو شنقيط. ولكن يتعلق بمشروع نعيشه ونحياه ينفذ يوميا أمام أعيننا، وليس مجرد توهمات مؤامراتية، هدفه واضح: تدمير كل ما من شأنه أن يمثل مرجعا ومقوّما من مقومات نهضة الأمة، وعلى رأسها علماؤها ورموزها المناضلة ومثقفوها العضويين. حتى يسهل التلاعب بجماهيرها، بعد أن كسروا بوصلاتهن.
هكذا تحدث تقرير مؤسسة راند الامريكية التابعة للبنتاغون الأمريكي منذ سنة 2003، المعنون ب: الإسلام المدني الديمقراطي.
ولكن الناس لا يقرؤون.
وليس عجبي من عامة الناس إذ يتكالب بعضهم على لحوم الرموز ومقاماتها، ولكن عجبي من انخراط حتى بعض النخب في هذا الهياج.
فهل وصلنا إلى زمان قادت فيه العامة نخبها؟ وتخلت النخب عن وظيفتها؟ وسادت فيه أنظمة الرداءة؟
فقط، هي الأيام المقبلة من ستنبؤنا عما نحن مقبلون عليه.
الدوحة/ 16 أغسطس 2022
ماهر الملاخ/ إعلامي أكاديمي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.