fbpx

متى يطوى ملف الأساتذة المتعاقدين؟!

اسماعيل الحلوتي

      في سياق الاحتجاجات المتواترة إن على مستوى تنظيم الوقفات والمسيرات في شوارع المدن المغربية وأمام البرلمان في العاصمة أو على مستوى التدوينات والهاشتاغات على منصات التواصل الاجتماعي، التي ما فتئت تندد بما يعيش على إيقاعه المغاربة خلال الأسابيع الأخيرة من غلاء المعيشة، داعية حكومة عزيز أخنوش إلى التدخل قصد وضع حد لمسلسل ارتفاع أسعار المحروقات وما ترتب عنها من زيادات صاروخية في أثمنة باقي المواد الأساسية، إلى جانب ما تنادي به المركزيات النقابية الأكثر تمثيلية من زيادة عامة في الأجور وتحسين الدخل ودعم القدرة الشرائية للأجراء وعموم المواطنات والمواطنين…

     هناك في المقابل آلاف الأساتذة المتعاقدين مازالوا يخوضون منذ حوالي ست سنوات معارك نضالية بشتى السبل المتاحة بغرض تسوية وضعيتهم المقلقة وغير المستقرة نفسيا واجتماعيا. وبصرف النظر عن مدى اتفاقنا أو اختلافنا مع مضامين هذا الملف الشائك، فإننا نرفض بشدة أن تتواصل معركة شد الحبل بين “التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد” ووزارة التربية الوطنية، لما للأمر من بالغ الأثر ليس فقط على مستقبل المتعلمين الأبرياء، بل حتى على المنظومة التعليمية ببلادنا.

      ذلك أن أعدادا هائلة من الأساتذة المتعاقدين امتثالا لما أملته عليهم تنسيقيتهم الوطنية، يصرون على التمسك بمقاطعة تسليم النقط وأوراق الفروض للإدارة التربوية وعدم مسك النقط الممنوحة لتلامذتهم بمنظومة “مسار” كشكل من أشكال النضال، فضلا عن عزمهم الأكيد على الاستمرار في خوض الإضرابات إلى حين تحقيق مطالبهم كاملة وغير منقوصة، معلنين عن تذمرهم من المضايقات والمتابعات القضائية التي يتعرضون لها، ورافضين تلك الحزمات من الاستفسارات والتنبيهات والإنذارات وقرارات التوقيف عن العمل التي توصل بها عديد زملائهم من لدن المديريات الإقليمية، حيث اعتبرت الوزارة الوصية أن الامتناع عن تسليم ومسك النقط يشكل “إخلالا فادحا بالواجب المهني” وتستلزم مواجهته تطبيق المساطر الإدارية المعمول بها في هذا الشأن.  

      وهي الإجراءات التي استفزت “التنسيقية الوطنية للأساتذة وأطر الدعم الذين فرض عليهم التعاقد” التي لم تجد من حل آخر عدا دعوة الأساتذة المعنيين إلى النزول الكثيف للشوارع من أجل إسماع صوتهم للرأي العام الوطني والتحسيس بعمق مشاكلهم، رافضة أسلوب “الترهيب” الذي تنهجه الوزارة الوصية تجاه الأطر التعليمية. مشددة على أنه لولا تعنت كبار المسؤولين والقائمين على الشأن التربوي، ما كانت لتضطر إلى استعمال سلاح مقاطعة تسليم ومسك النقط ولا إلى الدعوة للمزيد من التعبئة ورص الصفوف حتى إسقاط مخطط التعاقد الجائر، وإدماج جميع الأساتذة وأطر الدعم التربوي في أسلاك الوظيفة العمومية.

      وهكذا يتضح مرة أخرى أن اتفاق 14 يناير 2023 المبرم بين الحكومة في شخص وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة مع النقابات التعليمية لم يفلح في نزع فتيل التوتر القائم، مادام الأساتذة المتعاقدون أو من يطلق عليهم أطر الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين متشبثين برفضهم النظام الأساسي الموحد الذي جرى الاتفاق حوله، ويلحون على ضرورة التعجيل بترسيمهم في الوظيفة العمومية والزيادة في الأجر، فيما تعزو النقابات التعليمية الاحتقان المخيم على القطاع لغياب الثقة في الاتفاقات الحكومية، جراء تخوف الأطر التربوية المعنية من عدم التزام الحكومة بتنفيذها كما هو الحال بالنسبة لاتفاق 26 أبريل 2011 واتفاق 30 أبريل 2022، وتحمل في ذات الوقت “المسؤولية الأخلاقية للأساتذة المتعاقدين في مواصلتهم حرمان المتعلمين من الزمن المدرسي بسبب توالي إضراباتهم، بالإضافة إلى تغذية الاحتقان داخل الساحة، بما يجعل الوضع مرشحا لمزيد من التأزم ويصعب بالتالي توقع عواقبه”. 

      فما يحز في النفس هو أن يظل ملف الأساتذة المتعاقدين يتدحرج ككرة ثلج منذ سنة 2016، مخلفا الكثير من الأضرار التي تنعكس آثارها على مستوى تلاميذ أبرياء وتمس كثيرا بصورة المدرسة المغربية، حيث أنه وفي ظل ما كان قطاع التعليم يعاني من خصاص صارخ في الموارد البشرية الذي تفاقم بفعل المغادرة الطوعية وارتفاع أعداد الأساتذة المحالين على المعاش حد السن والمستفيدين من التقاعد النسبي، وما ترتب عن ذلك من اكتظاظ مقلق في الفصول الدراسية داخل مؤسساتنا التعليمية العمومية، لم يجد المسؤولون أمامهم من حل لمواجهة الإشكالات المطروحة بحدة عدا اللجوء إلى التوظيف بالعقدة. وبعد سنة واحدة فقط طفت على السطح أزمة الأساتذة المتعاقدين، إذ كانت الشرارة الأولى هي طرد أستاذين متعاقدين سنة 2017 بشكل تعسفي دون سابق إشعار أو تعويض وفق المنصوص عليه في تلك العقود التي يطلق عليها المتعاقدون “عقود لإذعان”.  

      إننا وبعد إبداء “الأساتذة المتعاقدين” استعدادهم للحوار الجاد والمسؤول من خلال تعليق مقاطعة تسليم النقط التي دامت عدة أسابيع، وبعيدا عن دواعي إلغاء التوظيف العمومي واعتماد الدولة بدله التوظيف بالعقدة أو التوظيف الجهوي، واستمرار تبادل الاتهامات بين الحكومة التي تعتبره اختيارا استراتيجيا، والأساتذة المتعاقدين الذين يبررون تعاقدهم بالخارج عن إرادتهم، حيث أنهم وجدوا أنفسهم مضطرين إلى اجتياز مباراة ولوج قطاع التعليم، باعتبارها الخيار الوحيد المتاح أمامهم للهروب من شبح البطالة، ندعو قادة التحالف الحكومي الثلاثي إلى الاحتكام لضمائرهم والتعجيل بطي هذا الملف المقلق والمؤرق، تفاديا للمزيد من الاحتقان والإضرار بالمصلحة العليا للوطن وبناته وأبنائه…

اترك رد