أخر تحديث : الجمعة 4 أغسطس 2017 - 4:20 مساءً

خطاب العرش و أزمة العقليات بالإدارة العمومية

بتاريخ 4 أغسطس, 2017
خطاب العرش و أزمة العقليات بالإدارة العمومية

ذ، محمد معروف –

وجه ملك المغرب رسائل قوية للأحزاب السياسية والولاة والعمال و باقي المسؤولين بالإدارات العمومية في المغرب، منتقدا ضعف الخدمات التي يقدمها الكثير من هؤلاء، فقارن عجز الإدارة العمومية في خدمة المواطن بجودة الخدمات التي تقدمها كوادر القطاع الخاص، حيث أسند نجاح انضباط العمل لمبدأ التعاقد الذي يتبناه القطاع الخاص، و أكد أن القطاع يعتمد مبدأ الكفاءة والالتزام الأخلاقي في خدمة المقاولة. لقد أشار خطاب الملك إلى أن معوقات تطبيق المشاريع والمخططات التنموية في القطاع العام تكمن في انتشار عقلية الريع والاسترزاق، إذ لا ترى هذه العقليات في الوظيفة مسؤولية أداء واجب وطني وخدمة مجتمعية، بل ينحصر اهتمامها الرئيس في تحصيل الدراهم و تسديد النفقات اليومية التي قد ترتفع بارتفاع تكاليف رفاهية الحياة. و على الرغم من المسلمات و البديهيات المثيرة للجدل التي ينطلق منها السؤال مشيدا بالقطاع الخاص دون ذكر عيوبه و مشاكله، يظل هذا السؤال الذي يطرحه ملك البلاد في خطاب عرشه الأخير عميقا، فهل سيسيل مدادا كثيراً و يكون موضوع موائد مستديرة في المستقبل القريب أو موضوع أبحاث ميدانية توضح كيف يعتنق المغربي مذهب ذكاء الحيلة باعتباره المنطق السليم في تدبير شروط العمل، و لا ينظر بالتالي إلى وظيفته بوصفها ركنا من أركان عبادة و حب الوطن؟

عاجلا أم آجلا، سيسائلنا التاريخ عن هذا التأخير غير المبرر في طرح السؤال، إذ كيف انتظرنا لعقود من الزمن حتى نضع أسئلة مبدئية حول ثقافة العمل بالمغرب؟ هذا مع العلم بوجود بحوث ميدانية في هذا الشأن تم نشر نتائجها في دوريات متخصصة رفقة باحثين متخصصين في حقل الدراسة، فهل من يهمهم الأمر، يقرؤون الأبحاث العلمية أم يكتفون بما تدبجه التقارير الاستخباراتية؟ ألا يرى المرء منا أن هذا النقاش السياسي أتى جد متأخر لاسيما و أنه استفاق على صراخ الإنسان المقهور في مناطق مهمشة بالمغرب، و بعد فترة حكم استهلكت 18 سنة من الزمن السياسي؟ لماذا نتحدث الآن بشكل متأخر عن عقليات من الصعب تغييرها، و نهدد بالتطبيق الصارم للقانون، و كأننا نعترف ضمنيا أن تنزيل القانون هو الغائب الأكبر في هذه المعادلة السياسية الاقتصادية؟

حين يلوح بعض المسؤولين المحسوبين على الدولة العميقة باستخدام القوة والصرامة في فرملة الاحتجاج حفاظا على هيبة الدولة، نتساءل معهم هل ستسترجع الدولة فعلا هيبتها باستعمال القوة المفرطة أم بالتطبيق الصارم للقانون في حق المسؤولين وليس في حق المواطنين البؤساء من عامة الشعب فقط؟ يوم يتم تطبيق القانون بمسافة محايدة في جميع الإدارات المغربية، كلا حسب اختصاصتها، كما تتم معاقبة كل هاتف يرن للتدخل في استقلالية تطبيق القانون، يومها سيمتثل المغرب للشفاء من سقم المحسوبية والزبونية وشراء الولاءات. و هذا لن يتم إلا في إطار استقلالية المؤسسات عن بعضها البعض.

و لتذكير أهل الكهف! لقد ولّى زمن الهيبة السلطانية التي تتحقق بفضل تثبيت عنف السلطة و أسطرة الحاكم في الذهنية الشعبية. نحن اليوم مطالبون بتطبيق القانون باستقلالية تامة، و نبتعد عن هواتف السلطة وثقافة الجدران التي لها آذان، هذا إذا توفرت لدينا إرادة سياسية حقيقية لبناء هيبة المؤسسات التي نحلم بها، و لكي تحظى بثقة المواطن.

حين ربط الملك المسؤولية بالمحاسبة، هل هذا يعني أن تجديد الولاء وعقد البيعة سيخضع مستقبلا هو الآخر لتقييم الحصيلة وإبداء الرأي؟ وحين اتهم الملك من يقصر في إنجاز مهامه لحسابات حزبية ضيقة بخيانة الوطن، هل يمكن اعتبار هذا التصريح بداية مسائلة قانونية قادمة ستجر حكومة بنكيران إلى المحاكم بتهمة تعطيل مشروع منارة المتوسط بالحسيمة؟ إذا كان الريع السياسي و انعدام الانضباط الأخلاقي في العمل أدى و مازال يؤدي إلى فقدان ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، ما هي الحلول المقترحة للخروج من الأزمة و محاربة التماطل و التخاذل في أداء المهام الذي تشهده الإدارات العمومية؟

ما هو السبيل لتطوير عمل الإدارات العمومية و النخب السياسية على أرض الواقع؟ هل سيستفيد السياسيون من الدروس الملكية في الوعظ و الإرشاد أم هم مستأنسون بالإنصات إلى الخطب، و كأنهم في حضور إمام مسجد يخطب فيهم يوم الجمعة. قالها ملك البلاد: “إذا أصبح ملك المغرب، غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، ولا يثق في عدد من السياسيين، فماذا بقي للشعب؟”، لكن الملك في الأخير اكتفى بتأنيب الضمائر المستترة بالقول :”كفى، واتقوا الله في وطنكم… إما أن تقوموا بمهامكم كاملة، وإما أن تنسحبوا، فالمغرب له نساؤه ورجاله الصادقون”. نحن نثمن هذا الخطاب القوي، لكن هل هذا كاف لإحياء ضمائر وهبت نفسها في سبيل الكفاح من أجل تكديس الثروات حتى تكلست لديها الامتيازات و ريع المناصب إلى درجة أصبحت معها حقوقا تنتزع؟ هل يمكن اعتبار الغضبة الملكية في خطاب العرش إشارة قوية كافية لتصحيح مسار النخب السياسية؟

هل فعلا يستطيع خطاب ملكي مليء بالوعظ والإرشاد السياسي أن ينفذ إلى عقول النخب ويؤثر فيها، فتستوعب الدرس وتقوم بتجديد دمائها، ثم تلتزم بأخلاق المواطنة والتفاني في خدمة الصالح العام؟ ألا يتطلب الأمر منا رسم خارطة طريق تخرجنا من نفق العبث السياسي و تساعدنا على إعادة هيكلة الإدارة المغربية؟ أليس من الأجدر التفكير في تطوير ترسانة قانونية لانتقاء النخب السياسية التي تترشح للمناصب الجماعية والبرلمانية و الحكومية، ناهيك عن انتقاء “صغار” الموظفين بالإدارات العمومية؟ أليس التدبير المفوض حلا مؤقتا ناجعا في تسيير الجماعات الترابية، حيث قد يرمي بالزعامات الكارتونية إلى مزابل التاريخ و يستعين بخدمات التكنوقراط في انتظار زعامات سياسية حقيقية؟

هل يعقل أن الجامعة المغربية تعد أفواجا من الخريجين بكفايات عالية ليواجهون في النهاية مصير العطالة، بينما توظف المقاطاعات والبلديات والعمالات بعض سماسرة الانتخابات وزبناء دكاكينها بشكل عشوائي، كما أنها توظف معارف رجالات السلطة في إطار الزبونية و علاقات المحسوبية مع المنتخبين النافذين؟ ما دور الجامعة إذن، إذا كانت الإدارات العمومية مصمّمة على توظيف فاشلين حاصلين على الشهادة الابتدائية أو حتى بدون شواهد تذكر، ناهيك عن غياب تكوين قانوني أو وازع أخلاقي يتم الاستناد إليه من طرف هؤلاء الموظفين؟ و ها نحن اليوم نحصد نتائج الأمس، إذ لو نزل أحدهم من برجه العاجي لتقصي الحقائق، لوقف مندهشا من إدارة عمومية تغص بميكروفيزياء السلطة، أولئك الموظفون الصغار الذين يعششون بالأركان البعيدة في المؤسسة، حيث ابتليت بهم في إطار المحسوبية والزبونية، فعوض أن يتمأسسوا و ينضبطوا، فينصلح حالهم، هم يساهمون بقسط وفير في تمييع المنظومة الإدارية وإفسادها، بل يمارسون جميع أشكال شراء الذمم.

إن المشكل الذي يعانيه مغرب اليوم هو اعتماد مقاربة فوقية تقصي استقراء الواقع من تحت، فعادة ما ينظر المشرع إلى الوظائف الصغرى نظرة دونية بالإدارة العمومية، و من جراء هذه المقاربة تم ارتكاب جرائم أخلاقية في حق الوطن و صناعة المؤسسات. إن المعلم والشرطي ورجل القوات المساعدة و الموظف بالمقاطعة أو البلدية و غيرهم من الموظفين، هم معنيون بتطبيق القانون و تعليم الأجيال و التواصل مع المواطن، و هذه الوظائف تحتاج لخبرات عالية و كفاءات تجعل من هؤلاء أدوات ناجعة لحل مشاكل المواطنين، لكن ما يحدث هو العكس، إذ يتم توظيف شباب بمهارات جد محدودة، و لا تتوفر على خبرات عالية، مما يحول بينها وبين التواصل السلسل مع المواطن، بل منهم من لم يستنبط القانون، و قد يتلاعب بفصوله و كأنها قطع شطرنج.

سيقال لنا: نحن عدميون، و ننظر إلى الواقع بنظارات سوداء بينما المغرب والحمد لله يسير بخطى ثابتة نحو الإقلاع الاقتصادي نظرا لثقة الشركات العملاقة باستثماراته الاقتصادية. هذا التصور هو الآخر نابع من نظرة فوقية تلبس غمائم تقارير المكاتب العاجية المقفلة البعيدة عن البحث الميداني الذي عادة ما يستقصي حقائق أحزمة البؤس و دروب الحرمان.

إليكم مثالا حيا طازجا عن عشوائية الاختيار الممأسس بالإدارة المغربية، إذ تم مؤخرا التعاقد مع أستاذة في قطاع التعليم، وقبول الآلاف منهم دون تكوين بيداغوجي مسبق، حيث سيتم الزج بهم منذ بداية السنة الدراسية القادمة في القسم، أليس هذا عبثا سياسيا بامتياز؟ بينما هناك دول تقوم بتوظيف خبراء علوم التربية في وظائف تعليمية ابتدائية، و ها نحن بالواضح نقعّد اليوم للرداءة في تعليمنا بجميع مستواياته، و نعتمد مقاربة كمية تعتقد في أن المستوى الابتدائي، لا يحتاج شواهد عليا ولا خبرة بيداغوجية، وبالتالي قد نوظف معلما من شهادة الباكلوريا أو إجازة دون خبرة بيداغوجية، كما حصل في سبعينيات القرن الماضي لما كان المغرب لا يتوفر على كوادر مؤهلة بشهادات عليا، فقام بتوظيف أطر تعليمية اعتمادا على الشهادة الابتدائية– ولا داعي للتذكير بأن معظم الأساتذة الجامعيين الذين تم توظيفهم، التحقوا بالجامعة مباشرة بعد مناقشة أطاريحهم دون خبرة بيداغوجية تذكر.

إليكم مثالا آخر يجسد بالواضح أزمة القيم التي تعيشها الوظيفة العمومية، إذ تناهى إلى علمنا من مصادر متعددة أن أحد أفراد القوات المساعدة الذين يقومون بمصادرة عربات الباعة المتجولين بسوق عمومي بمدينة الجديدة، يقوم بإعادة توزيعها على معارفه، و صباغة موازين العربات باللون الأخضر، حتى يتعرف عليها أفراد القوات العمومية، و بالتالي يمنحونها التوقير والاحترام، و عند حلول المساء، يتجول الشاف (ع) أو نائبه (ي) بين أصحاب العربات لجمع المداخيل. حين تسمح الإدارة العمومية بانتشار مثل هذه الممارسات اللاقانونية الريعية بين ثناياها، ولا تحرك ساكنا بتقصي الحقائق قصد الضرب بيد من حديد على المخالفين، ما جدوى خطاب الملك في ظل تحالف ميكروفيزياء السلطة و تشبته بمنظومة الفساد غير مكثرت بخطابات الوعظ والإرشاد؟

إن الأزمة الحقيقية التي تعانيها الإدارة المغربية ليست أزمة مؤسسات و قوانين، بل هي أزمة موارد بشرية تفتقد التكوين والخبرة و قيم المواطنة….لهذا يجب تسطير برامج تكوينية وإعلامية شتى، إذ عوض أن تنهمك الإدارة العمومية في صرف مبالغ طائلة في صيانة المعدات والبنايات، كان من الأجدر صرف قسط من هذه المبالغ في “صيانة” الموارد البشرية وتكوينها، إذ تعتبر هذه الأخيرة فاعلا محوريا بالإدارة المغربية و قاطرة تقود رحلة تنمية علاقة المواطن بالإدارة.

ذ، محمد معروف ، جامعة شعيب الدكالي