أخر تحديث : الإثنين 13 غشت 2018 - 1:47 مساءً

هل يطال سيف المحاسبة رقبة اخشيشن؟

بتاريخ 13 أغسطس , 2018
هل يطال سيف المحاسبة رقبة اخشيشن؟

اسماعيل الحلوتي

وفق ما تداولته صفحات التواصل الاجتماعي بشكل واسع في ساعات متأخرة من ليلة الخميس وصباح الجمعة 2/3 غشت 2018، عن حادث اصطدام سيارة فاخرة بعمود كهربائي وسط حي الرياض بالرباط، والذي لم تكن بطلته سوى ابنة أحمد اخشيشن القيادي بحزب “الأصالة والمعاصرة” المعارض، ووزير التربية الوطنية سابقا في حكومة عباس الفاسي ورئيس جهة مراكش- أسفي حاليا. يبدو أن هناك لعنة ما تطارده، حيث مازالت تداعيات البرنامج الاستعجالي عالقة به، وهو المخطط الذي قيل عنه آنذاك بأنه جاء قصد تسريع وتيرة إصلاح منظومة التربية والتكوين على مدى أربعة أعوام (2009/2012)، ورصدت له ميزانية ضخمة قدرت بحوالي 42 مليار درهم. بيد أنه سرعان ما تبخر الأمل، وتحول حلم النهوض بقطاع التعليم إلى كابوس رهيب.
وشاءت الأقدار أن تقع الحادثة/الفضيحة في ظرف دقيق، يحرص خلاله ملك البلاد على تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتطبيقه على جميع المسؤولين مهما كانت درجاتهم وكيفما كانت انتماءاتهم. والفضيحة لم تعد إلى الأذهان فقط حجم الفساد الذي رافق البرنامج الاستعجالي، بل كشفت أيضا عن أن البنت المدللة كنزة اخشيشن ذات 18 ربيعا والمسموح لها قانونا بالتصويت في الاستحقاقات الانتخابية، كانت تقود سيارة من نوع “هيونداي توكسون” رباعية الدفع في ملكية مجلس الجهة بدون رخصة سياقة. فمن سمح لها باستغلالها والتجول بها في منتصف الليل بالعاصمة الإدارية؟
وإذا كان محمد الوفا القيادي السابق في حزب الاستقلال ووزير التربية الوطنية في النسخة الأولى من حكومة بنكيران، استجاب لبعض الأصوات الحقوقية المطالبة بإجراء افتحاص شفاف حول مجال صرف ميزانيات البرنامج الاستعجالي والإعلان عن نتائجه، وأمر بفتح تحقيق في الموضوع، الذي كشف عن وجود اختلالات بالجملة شملت عدة مشاريع، وتبين أنه لم ينجز سوى 99 مدرسة ابتدائية من أصل حوالي 400 كانت مبرمجة، وتسليم 67 داخلية فقط من مجموع 350. فإن محمد حصاد وزير التربية في حكومة سعد الدين العثماني المعزول على خلفية تعثر البرنامج التنموي الضخم المسمى: “الحسيمة منارة المتوسط”، أوقف سبعة مسؤولين كبار بعدد من الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين وأمر بتجميد رواتبهم، لضلوعهم في خروقات مالية ذات علاقة مباشرة بتنزيل “البرنامج الارتجالي”، الذي اتخذه رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران وخلفه سعد الدين العثماني سوطا للتنكيل ببرلمانيي الجرار، كلما وجهوا سهام الاتهام للحكومة بافتقارها إلى الإرادة الحقيقية لإصلاح المنظومة التعليمية…
ولنترك الآن قضية البرنامج الاستعجالي في أيدي أهل الاختصاص مادام المجلس الأعلى للحسابات قام بافتحاص الميزانيات المرصودة، وأن هناك ملفات معروضة أمام المحاكم وأخرى في انتظار دورها، ونعود لحادث الارتطام القوي بالعمود الكهربائي، إثر السرعة المفرطة وفقدان البنت “الدلوعة” السيطرة على مقود السيارة، التي لحسن حظها خرجت منها “سالمة”. فقد حاول والدها أحمد اخشيشن رئيس جهة مراكش- أسفي جاهدا التستر على “جريمة” كريمته، المتمثلة في وضعها اليد على سيارة مجلس الجهة والتسكع بها ليلا في أحياء العاصمة دون رخصة، وما ألحقته من أضرار جسيمة بالسيارة وعمود النور، والحيلولة دون تسريب الخبر إلى الصحافة، إلا أن كل محاولاته وتدخلاته باءت بالفشل.
ولأن سيف المحاسبة بات قريبا من رقبته، لما أثارته هذه الفضيحة من نقاشات ساخنة وتحولت إلى قضية رأي عام، سارع عبد الوافي لفتيت وزير الداخلية إلى مراسلته حول ملابسات الحادث، تفعيلا للفصل 67 من القانون التنظيمي للجهات، وهو ما قد يعرضه للعزل من منصبه. وفضلا عما ظل ينادي به بعض برلمانيي الحزب من تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول مسؤوليته في تبديد أموال البرنامج الاستعجالي ومابات يشكله من عبء على الحزب، انتفض كذلك عشرات من أعضاء المجلس الوطني، يستنكرون بشدة فضيحة ابنته ويطالبون المكتب السياسي بإحالته على لجنة الأخلاقيات وتجميد عضويته.
أليس من الخزي والعار إصرار ال”كبار” على العوم ضد التيار، باستمرارهم في العبث والاستهتار بالمسؤوليات؟ أيجهلون أم يتجاهلون الفصل السادس من الدستور الذي ينص صراحة على أن القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة. وأن الجميع أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه وملزمون بالامتثال له، وأن على السلطات العمومية إعداد الظروف المواتية لتعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنات والمواطنين والمساواة بينهم؟ فلم التمادي في الغطرسة والتعامل بسياسة الكيل بمكيالين، ليبقى الموظفون السامون في مأمن من المساءلة والمحاسبة؟ ثم ماذا لو أن البنت “المصونة” صدمت شخصا أو أكثر من الأبرياء؟ إذ لولا أنها كانت تقود السيارة ليلا حيث تقل حركة المرور، لكانت الحصيلة أكبر والكارثة أعظم ! ولم لا يعاد النظر في قانون السياقة بدون رخصة؟
وإيمانا منا بما لمبدأ المساواة من انعكاسات إيجابية، ندعو بقوة إلى ضرورة رفع التمييز القائم بين أبناء علية القوم وغيرهم من أبناء الفقراء، والكف عن جعل الانتماء الاجتماعي “بطاقة بيضاء” للاعتداء على القانون. ولعل ما بات يعرقل مسار التنمية من إخلالات، هو ما أدى بالملك إلى التركيز المتواصل على تكريس الديمقراطية وتنزيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، داعيا الجميع إلى التحلي بروح المواطنة الصادقة والحس بالمسؤولية في التصدي لكل مظاهر التسيب والرشوة والزبونية… فلتتكاثف جهود جميع القوى الحية بالبلاد من أجل وضع حد للتجاوزات وردم بؤر الفساد. وعلى الحكومة أن تنكب على تدارك ما أخفقت فيه سابقتها، والتعجيل بتفعيل القوانين التنظيمية، التي بدونها تفقد الوثيقة الدستورية عمقها وجوهرها.

<